حوار | مستشار جبائي: المواطن يميل للاحتفاظ بـ"الكاش" والدفع الإلكتروني محدود
12 فبراير 2026
في وقت يعاني فيه الاقتصاد التونسي من اختلالات مالية متعددة، بات موضوع ارتفاع السيولة النقدية المتداولة خارج النظام البنكي في قلب الجدل الاقتصادي. فقد تجاوز حجم الأوراق النقدية المتداولة حاجز 26.4 مليار دينار بنهاية ديسمبر/كانون الأول 2025، بعد أن شهد ارتفاعًا سنويًا يقارب 19 ٪، وهو مستوى غير مسبوق في تاريخ البلاد.
وتشير بيانات رسمية أيضًا إلى أن الكتلة النقدية الواسعة (M2) سجلت مستويات تاريخية في أواخر سنة 2025، في حين يظل جزء مهمّ من هذه النقود خارج منظومة الودائع البنكية، ما يعكس تزامنًا بين الطلب المتزايد على السيولة، واستمرار انخراط شريحة واسعة في الاقتصاد غير الرسمي.
وسط هذه المعطيات، تبدو السياسات النقدية والجبائية الحالية عاجزة عن احتواء الظاهرة أو إعادة توجيه الكتلة النقدية نحو القنوات الرسمية، وهو ما يثير تساؤلات حول جدوى التحول الرقمي وفعالية الحوافز الضريبية في تغيير سلوك المواطن والتاجر. في هذا السياق النقدي والجبائي الدقيق، يُقدم المستشار الجبائي أنيس بن سعيد لـ"الترا تونس" رؤية تحليلية معمّقة لمآلات السيولة وتأثيراتها على الاقتصاد الرسمي، ودور السياسة الضريبية في استعادة الثقة وتعزيز الشمول المالي، تفاصيلها في الحوار التالي.
ارتفاع السيولة النقدية تجاوز 27 مليار دينار خلال سنة واحدة. من وجهة نظرك، هل هذا مؤشر على أزمة ثقة بين المواطن والبنوك؟
تشير جملة من المؤشرات الاقتصادية والسلوكية إلى تفسيرات محتملة لارتفاع السيولة النقدية المتداولة، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود أزمة ثقة شاملة في الجهاز البنكي. ففي سياق يتسم بارتفاع معدلات التضخم، تصبح الفائدة الحقيقية على الادخار البنكي سلبية، ما يدفع شريحة من المواطنين إلى تفضيل الاكتناز النقدي باعتباره أكثر مرونة من تجميد الأموال في حسابات ذات مردودية محدودة. ويعزّز هذا التوجه أيضًا التخوّف من الإجراءات الجبائية أو الرقابية، إذ يلجأ بعض الأفراد خلال فترات تشديد المراقبة المالية إلى التعامل نقدًا لتفادي التتبع، خاصة في غياب ثقة كاملة في المنظومة.
المستشار الجبائي أنيس بن سعيد لـ"الترا تونس": يلجأ بعض الأفراد خلال فترات تشديد المراقبة المالية إلى التعامل نقدًا لتفادي التتبع، خاصة في ظل غياب ثقة كاملة في المنظومة، وارتفاع حجم السيولة المتداولة يعكس اتساع رقعة الاقتصاد غير المدمج
من جهة أخرى، يعكس ارتفاع السيولة ضعف الشمول المالي واتساع رقعة الاقتصاد غير المدمج، حيث لا تزال فئات واسعة خارج المنظومة البنكية الرسمية، ما يجعل النقد الوسيلة الأساسية للتبادل. وغالبًا ما يرتبط هذا الواقع بتوسع المعاملات خارج القنوات الرسمية، وهو ما يفسّر جزئيًا سرعة دوران النقد خارج النظام البنكي.
ورغم هذه المؤشرات، من المهم التأكيد على أن تونس لم تشهد إلى حدّ الآن حالة هلع مصرفي أو سحب جماعي للودائع على غرار ما حدث في تجارب دولية سابقة، مثل أزمة البنوك في لبنان سنة 2019 أو اليونان سنة 2015، وهو ما يجعل الحديث عن انهيار شامل للثقة سابقًا لأوانه.
ما أبرز الأسباب التي دفعت التونسي للاحتفاظ بـ"الكاش" بدل استعمال الخدمات البنكية أو الدفع الإلكتروني؟
يمكن قراءة تنامي تداول السيولة النقدية خارج المنظومة البنكية من خلال تداخل عوامل ظرفية ومؤسساتية وثقافية، لا كظاهرة معزولة أو نتيجة سبب واحد مباشر. فعلى المستوى الاقتصادي، لعب التضخم دورًا محوريًا في إضعاف جاذبية الادخار البنكي، إذ عندما تصبح الفائدة أقل من نسبة التضخم، يفقد الادخار معناه الحقيقي، ويميل المواطن إلى الاحتفاظ بالكاش لما يوفره من مرونة في التصرّف اليومي بدل تجميده في حسابات ذات مردودية ضعيفة. ويتقاطع هذا العامل مع توسّع الاقتصاد الموازي، حيث تتم نسبة مهمة من المعاملات خارج الإطار الرسمي، ما يجعل التعامل النقدي أسهل وأضعف قابلية للتتبع.
اقرأ/ي أيضًا: ارتفاع قيمة الأموال المتداولة نقدًا في تونس لتتجاوز حاجز 27.3 مليار دينار
كما يغذي عدم اليقين الاقتصادي هذا السلوك، فخلال فترات الغموض المرتبطة بالأسعار أو القوانين الجبائية أو الإصلاحات المرتقبة، يتحوّل الكاش إلى أداة أمان نفسي أكثر منه خيارًا ماليًا عقلانيًا.
في المقابل، لا يمكن فصل الظاهرة عن الإشكاليات البنيوية داخل المنظومة البنكية نفسها. فتعقيد الإجراءات، من فتح الحسابات إلى القيود على السحب والعمولات، يجعل التجربة البنكية في نظر عديد المواطنين بطيئة ومُجهِدة. وتزيد كلفة الخدمات البنكية، سواء تعلق الأمر بالسحب أو التحويل أو البطاقات، في ترسيخ القناعة بأن الاحتفاظ بالنقد "أرخص". أما الدفع الإلكتروني، فرغم التقدم المسجّل، لا يزال يعاني من ضعف الانتشار الفعلي، خاصة في المناطق الداخلية، حيث تغيب أجهزة الدفع أو لا تعمل بانتظام، في حين يفضّل بعض التجار "الكاش" لتفادي العمولة أو التصريح الجبائي.
المستشار الجبائي أنيس بن سعيد لـ"الترا تونس": ارتفاع السيولة النقدية المتداولة خارج المنظومة البنكية يمثّل عامل ضغط مباشر على التضخم وتسارع نسق ارتفاع الأسعار، إذ يؤدي تزايد "الكاش" إلى تنشيط الطلب النقدي على السلع والخدمات
إلى جانب ذلك، تظل الأسباب الثقافية والسلوكية حاضرة بقوة. فثقافة "النقد أضمن" متجذّرة لدى فئات واسعة، لما يمنحه "الكاش" من إحساس بالسيطرة المباشرة على المال وتفادي الرقابة أو التتبّع. كما أن ضعف الثقافة المالية الرقمية، والخوف من الاختراق أو ضياع الأموال، وعدم فهم آليات الدفع الإلكتروني، كلها عوامل تعمّق الهوة بين المواطن والمنظومة البنكية.
هل البنك المركزي قادر على ضبط هذه الظاهرة؟
يمتلك البنك المركزي جملة من الأدوات للتدخل والحدّ من تفاقم السيولة النقدية، في مقدمتها السياسة النقدية عبر التحكم في سعر الفائدة المديرية، إذ يمكن لرفع الفائدة أن يشجّع الادخار البنكي، ويحدّ من التضخم، ويمتصّ جزءًا من السيولة المتداولة. غير أن نجاعة هذا الخيار تظل محدودة عندما تكون الفائدة الحقيقية سلبية، أي أقل من نسبة التضخم، ما يفقدها تأثيرها التحفيزي على المودعين. إلى جانب ذلك، يعتمد البنك المركزي على أدوات امتصاص السيولة مثل عمليات السوق المفتوحة، ورفع نسبة الاحتياطي الإجباري، وإصدار شهادات الإيداع لفائدة البنوك، وهي آليات تساهم في تقليص السيولة داخل الجهاز البنكي، لكنها تبقى عاجزة عن التأثير المباشر في حجم "الكاش" المتداول خارج المنظومة الرسمية.
كما يمكن للبنك المركزي مراقبة الكتلة النقدية عبر التحكم في طباعة النقد، وتنظيم عمليات السحب الكبيرة، ومتابعة التدفقات المالية، غير أن فعالية هذه الإجراءات تتآكل عندما تتم نسبة كبيرة من المعاملات خارج النظام البنكي، حيث يصبح النفاذ إلى هذه الكتلة شبه مستحيل. وهنا يبرز الإشكال الحقيقي، المتمثل أساسًا في توسّع الاقتصاد الموازي وضعف الشمول المالي، فكلما كان جزء مهم من النشاط الاقتصادي غير مصرّح به، تحوّل الكاش إلى وسيلة التعامل الطبيعية، وفقدت السياسة النقدية جزءًا من قدرتها على التأثير. ويزداد هذا الخلل عمقًا عندما لا يمتلك عدد كبير من المواطنين أو التجار حسابات بنكية نشطة، أو لا يستعملون وسائل الدفع الإلكتروني، ما يجعل الأدوات النقدية لا تصل فعليًا إلى هذه الفئات.
من هذا المنطلق، لا يمكن اعتبار الأدوات الحالية كافية إذا استُعملت بمعزل عن إصلاحات موازية، فهي تظل محدودة الأثر في غياب رؤية شاملة. أما إذا أُدرجت ضمن سياسة متكاملة تشمل رقمنة المعاملات، وإصلاح المنظومة الجبائية، وتحفيز الدفع الإلكتروني، والعمل الجدي على إدماج الاقتصاد الموازي، فإنها قد تستعيد جزءًا مهمًا من فعاليتها.
كيف يؤثر هذا الكم من السيولة النقدية على التضخم، الاستثمار، والقروض؟ وهل من الممكن أن تتحول هذه السيولة إلى عامل ضغط على الاقتصاد؟
يمثّل ارتفاع السيولة النقدية المتداولة خارج المنظومة البنكية عامل ضغط مباشر على التضخم، إذ يؤدي تزايد "الكاش" إلى تنشيط الطلب النقدي على السلع والخدمات، خاصة في القطاعات غير المنظمة مثل التجارة الموازية والعقارات وسوق السيارات. وفي حال لم يترافق هذا الطلب مع ارتفاع موازٍ في الإنتاج، تكون النتيجة الطبيعية هي تسارع نسق ارتفاع الأسعار. ويزداد هذا الأثر حدة مع تسريع "سرعة تداول النقود"، فالنقد المتداول خارج البنوك يدور بوتيرة أسرع ولا يخضع للضبط المباشر عبر أدوات السياسة النقدية، ما يحدّ من قدرة البنك المركزي التونسي على التحكم في التضخم وكبح جماحه.
المستشار الجبائي أنيس بن سعيد لـ"الترا تونس": السيولة النقدية المرتفعة تُعدّ أحد المحركات الأساسية للاقتصاد الموازي، إذ يمثّل "الكاش" الأداة الطبيعية للأنشطة غير المصرّح بها التي تبحث بالأساس عن معاملات غير قابلة للتتبع
ولا يقتصر تأثير هذه السيولة على الأسعار فقط، بل يمتد إلى مناخ الاستثمار ذاته. فاحتفاظ الأفراد بالنقود خارج الجهاز البنكي يضعف الوساطة المالية، إذ تتراجع الودائع وتقلّ الموارد المتاحة للإقراض، وترتفع كلفة التمويل، وهو ما ينعكس سلبًا على الاستثمار المنتج. في المقابل، غالبًا ما تتجه هذه السيولة إلى أنشطة غير منتجة، مثل الاستثمار في العقار أو الذهب، أو المضاربة وتخزين السلع، وهي خيارات تهدف أساسًا إلى حفظ القيمة بدل خلق إنتاج أو فرص تشغيل جديدة.
كما ينعكس هذا الوضع مباشرة على سوق القروض، فالبنوك تعتمد أساسًا على الودائع لتمويل الإقراض، ومع توسّع "الكاش" خارج النظام البنكي ترتفع حاجتها إلى إعادة التمويل، وتتجه أسعار الفائدة إلى الارتفاع، وتتشدّد شروط منح القروض. ومع تراجع دور الوساطة المالية، تتزايد المخاطر النظامية، ويشتد الضغط على الجهاز البنكي، خاصة فيما يتعلق بتمويل المؤسسات الصغرى والمتوسطة التي تُعدّ العمود الفقري للاقتصاد.
هل يغذي جزء من هذه السيولة الاقتصاد الموازي؟ وإذا نعم، كيف ينعكس ذلك على المالية العمومية والجباية؟
تُعدّ السيولة النقدية المرتفعة أحد المحركات الأساسية للاقتصاد الموازي، إذ يمثّل "الكاش" الأداة الطبيعية للأنشطة غير المصرّح بها التي تبحث بالأساس عن معاملات غير قابلة للتتبع، وتفادي الالتزامات الجبائية، ومرونة فورية في الدفع. وكلما ارتفع حجم السيولة المتداولة خارج الجهاز البنكي، سَهُل إنجاز المعاملات غير المصرّح بها، وتسارعت وتيرة دوران النشاط الموازي، ما يمنحه قدرة أكبر على التوسع والاستمرارية.
ويتعزز هذا المسار مع ضعف الدفع الإلكتروني، فالمعاملات التي تمر عبر النظام البنكي تترك آثارًا محاسبية واضحة، ويمكن تتبعها واحتساب الأداءات المستوجبة عنها، في حين لا يخلّف "الكاش" أي أثر رقمي، ما يقلّص قدرة الإدارة الجبائية على الرقابة والمتابعة. وبهذا المعنى، لا يقتصر دور السيولة على تمويل الاقتصاد الموازي فحسب، بل يساهم عمليًا في تحصينه من آليات التتبع والمساءلة.
المستشار الجبائي أنيس بن سعيد لـ"الترا تونس": لا توجد امتيازات ضريبية واضحة لتشجيع الدفع الإلكتروني، ولا عقوبات حقيقية على المعاملات النقدية الكبيرة، مما يجعل "الكاش" الخيار الأسهل للتاجر. والمواطن من جانبه لا يفتقر إلى الثقة كليًا في البنوك، لكنه حذر
وتنعكس هذه الوضعية مباشرةً على المالية العمومية، إذ يؤدي توسّع الاقتصاد الموازي إلى تراجع المداخيل الجبائية نتيجة عدم دفع الأداء على القيمة المضافة، أو الضرائب على الأرباح، أو المساهمات الاجتماعية، ما يحرم الدولة من مواردها الذاتية ويفاقم عجز الميزانية. ومع تقلّص عدد دافعي الضرائب الفعليين، تجد الدولة نفسها مضطرة إلى رفع الضغط الجبائي على القطاع المنظم لتعويض النقص، فتتعمق فجوة العدالة الجبائية، وتتكرّس حلقة مفرغة خطيرة: قطاع منظم يضعف تحت وطأة الضرائب، فينزلق جزء منه إلى الموازي، فتتقلص القاعدة الجبائية أكثر فأكثر.
أمام هذا النقص في الموارد، ترتفع الحاجة إلى التداين، سواء داخليًا أو عبر التمويل الخارجي، لتغطية النفقات العمومية، وهو ما يربط المسألة مباشرة بالسياسة النقدية التي يديرها البنك المركزي التونسي، خاصة في ما يتعلق بتمويل الخزينة وتوازن السيولة داخل الجهاز البنكي. ويتجاوز الأثر الجانب المالي ليطال الاقتصاد الكلي، من خلال تشويه المنافسة بين الفاعلين الاقتصاديين، إذ يتمتع القطاع الموازي بأسعار أقل لعدم تحمّله الأعباء الجبائية، ما يضعف ثقة المتعاملين في المنظومة الضريبية، ويؤدي في النهاية إلى تراجع جودة الخدمات العمومية، وضغوط إضافية على العملة ومستويات التضخم.
رغم التوسع في الدفع الإلكتروني، "الكاش" لا يزال مسيطرًا. هل هذا فشل استراتيجي للتحوّل الرقمي؟
لا يمكن الحديث عن فشل مطلق في التحول الرقمي في تونس، لكنه يواجه تحديات واضحة. فالبنية التحتية الرقمية موجودة بالفعل، مع انتشار البطاقات البنكية، وتطبيقات الدفع، والتحويلات الإلكترونية، والمحافظ على الهاتف الجوال، إلا أن المشكلة الأساسية تكمن في ضعف الحوافز وغياب الإلزام الفعلي.
اقرأ/ي أيضًا: طفرة النقد في تونس وتذمرّ من الأوراق المالية المهترئة.. ما الأسباب والتداعيات؟
لا توجد امتيازات ضريبية واضحة لتشجيع الدفع الإلكتروني، ولا عقوبات حقيقية على المعاملات النقدية الكبيرة، مما يجعل "الكاش" الخيار الأسهل والأرخص للتاجر. المواطن من جانبه لا يفتقر إلى الثقة كليًا في البنوك، لكنه حذر، خوفًا من تجميد أمواله أو الإجراءات الرقابية المفاجئة أو تغيّر القوانين الجبائية، إضافة إلى شعوره بأن البنوك تفرض عمولات مرتفعة وإجراءات معقدة. يمكن وصف الوضع الحالي بأنه مرحلة انتقالية بطيئة، فالتغيير الرقمي غير مكتمل، والإصلاح الجبائي لم يُدمج بعد مع الرقمنة، والاستراتيجية التحفيزية غير واضحة، ما يجعل تونس على طريق التحول الرقمي لكنه بطيء وبدون حوافز قوية تحفز المواطنين والتجار على التخلي عن "الكاش".
هل تعتقد أن السياسات الحالية للدولة كافية لمعالجة أزمة "الكاش"، أم أنها مجرد مُسكّن مؤقّت لا يحل جذريًا المشكلة؟
من زاوية السياسة النقدية، يقود البنك المركزي التونسي تدخلاته التقليدية عبر رفع نسبة الفائدة، وامتصاص السيولة داخل الجهاز البنكي، وتشديد شروط التمويل. غير أنّ الإشكال الجوهري يكمن في أنّ هذه الأدوات، رغم أهميتها في حفظ الاستقرار المالي، يظل تأثيرها محصورًا داخل المنظومة البنكية نفسها، ولا تمتدّ مباشرة إلى "الكاش" المتداول خارجها، خاصة عندما يكون هذا النقد مرتبطًا بأنشطة الاقتصاد الموازي. والنتيجة هي تأثير جزئي يحدّ من المخاطر الآنية، لكنه لا يعالج جذور الظاهرة ولا يعيد إدماج الكتلة النقدية الكبيرة في الدورة الرسمية.
المستشار الجبائي أنيس بن سعيد لـ"الترا تونس": ارتفاع السيولة النقدية المتداولة خارج النظام البنكي سيعيد تشكيل معالم السوق المالي التونسي بطرق متعددة، تشمل ضغطًا تضخميًا هيكليًا، إضافة إلى تأثير غير مباشر على سعر الصرف
أما من زاوية السياسة الجبائية، فقد برز خلال السنوات الأخيرة توجه نحو رقمنة بعض المعاملات، وتشديد الرقابة، وإدخال إصلاحات على غرار قانون الشيكات، غير أن هذه المقاربة بقيت منقوصة في غياب حوافز ضريبية واضحة تشجّع الدفع الإلكتروني، وتخفيف فعلي للضغط الجبائي على القطاع المنظم، وتوسيع حقيقي لقاعدة دافعي الضرائب. في هذا السياق، لا يرى المواطن في التحول الرقمي مكسبًا مباشرًا، بل يراه في كثير من الأحيان أداة رقابة إضافية، وهو ما قد يدفع بعض الفاعلين إلى مزيد من الاكتناز أو التمسك بالتعامل النقدي بدل الانخراط في المنظومة الرسمية.
من وجهة نظرك، ماهي أهم الحلول الممكنة لمعالجة هذه الظاهرة؟ هل يكفي التركيز على الثقة في البنوك، أم أن الأمر يستلزم تدخلًا تشريعيًا وحوافزًا مالية؟
يُطرح تعزيز الثقة في البنوك أحيانًا كحلّ رئيسي للحدّ من هيمنة الكاش، غير أنّ التجربة تُثبت أنّ الثقة، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لتغيير السلوك المالي. فحتى مع تحسّن صورة البنوك، سيظل المواطن متردّدًا إذا بقيت العمولات مرتفعة، وإذا ظلّ التعامل النقدي أسهل وأرخص بالنسبة إلى التاجر، وإذا غابت الحوافز المالية الواضحة. الثقة شرط ضروري لنجاح أي إصلاح، لكنها ليست شرطًا كافيًا بمفردها.
أما الحلول الأكثر فاعلية، فتبدأ بالحوافز المالية المباشرة للمواطن، وهي العامل الذي أثبت نجاعته في تجارب دولية عديدة. فعندما يقترن الدفع الإلكتروني بمنفعة ملموسة، مثل خصم ضريبي، أو "كاش باك" رمزي ممول جزئيًا من الدولة، أو تخفيض في المعاليم الإدارية عند استعمال الوسائل الرقمية، يصبح تغيير السلوك خيارًا عقلانيًا. وقد نجحت دول مثل كوريا الجنوبية حين ربطت الدفع الإلكتروني بامتياز جبائي مباشر، ما جعل المواطن يرى فائدة فورية من التخلي عن الدفع النقدي.
غير أنّ المواطن ليس الحلقة الوحيدة في هذه السلسلة، فالتاجر يظلّ الطرف الحاسم في إنجاح أي سياسة. لذلك، يستوجب الأمر حوافز قوية موجهة للتجار، عبر تخفيض عمولات أجهزة الدفع الإلكتروني، ومنح إعفاءات جبائية مرحلية لمن يلتزم بالتصريح الإلكتروني، إلى جانب تبسيط إجراءات التصريح إلى أقصى حدّ. فإذا بقي التاجر يفضّل "الكاش"، فإن أي سياسة، مهما كانت نواياها، ستظل محدودة الأثر.
وإلى جانب الحوافز، يبقى التدخل التشريعي ضروريًا، لكن بشكل تدريجي ومتوازن، لا عبر المنع الفجئي. يمكن مثلًا تحديد سقف أقصى للمعاملات النقدية، أو إلزام بعض القطاعات الحساسة بالدفع الإلكتروني، أو ربط الفواتير ذات القيمة الكبيرة بمنصات رقمية، كما فعلت دول مثل إيطاليا في إطار محاربة التهرّب الجبائي. غير أنّ هذا المسار لا يمكن فصله عن إصلاح جبائي موازٍ، لأن المواطن إذا شعر بأن كل معاملة إلكترونية ستقوده إلى تتبع ضريبي معقّد وغير عادل، فسيعود سريعًا إلى "الكاش". لذلك، تظل إجراءات تبسيط النظام الجبائي، وتحقيق قدر أكبر من العدالة الضريبية، وتوسيع القاعدة الجبائية بدل رفع الضغط، شروطًا أساسية لنجاح الرقمنة.
المستشار الجبائي أنيس بن سعيد لـ"الترا تونس": السيناريوهات المحتملة للفترة 2026–2028، تشمل أولًا استمرار الوضع الحالي، ما يؤدي إلى فائدة مرتفعة، وقروض أقل، ونمو ضعيف، وتضخم "لزج". أما السيناريو الثاني، فيتطلّب إصلاحًا متكاملًا
كما أن رقمنة الدولة نفسها تمثل عنصرًا حاسمًا في تغيير السلوك على المدى المتوسط. فعندما تصبح الخدمات العمومية رقمية بالكامل، ولا تُقبل الأداءات نقدًا، ويُوجَّه الدعم الاجتماعي عبر حسابات رقمية، يتحول التعامل الإلكتروني تدريجيًا إلى ممارسة يومية طبيعية.
إذا استمرّت السيولة النقدية في الارتفاع بنفس الوتيرة، كيف يمكن أن تتغير معالم السوق المالي خلال السنوات القادمة؟
ارتفاع السيولة النقدية المتداولة خارج النظام البنكي سيعيد تشكيل معالم السوق المالي التونسي بطرق متعددة. أولاً، يضعف الوساطة المالية، إذ يؤدي نمو "الكاش" خارج البنوك إلى تباطؤ نمو الودائع، ما يجبر البنوك على الاعتماد بشكل أكبر على إعادة التمويل أو رفع الفائدة لجذب السيولة، وبالتالي تصبح القروض أغلى وأكثر تشددًا. ثانيًا، يصبح سوق الائتمان أكثر انتقائية، حيث يفضّل تمويل المؤسسات الكبيرة ذات الضمانات القوية، بينما تواجه المؤسسات الصغرى والمتوسطة صعوبات أكبر، ما يبطئ الاستثمار ويحدّ من النمو الاقتصادي. ثالثًا، يُحدث "الكاش" المتداول بسرعة خارج أدوات السياسة النقدية ضغطًا تضخميًا هيكليًا، إذ يؤدي عدم توافر عرض إنتاجي متناسب إلى ارتفاع الأسعار، ما قد يستدعي فائدة مرتفعة لفترة أطول للسيطرة على التضخم. رابعًا، يتحوّل الادخار إلى أصول "حافظة للقيمة" مثل العقار والذهب والسلع المعمّرة، مما يقلّل عمق السوق المالي ويحدّ من الاستثمارات الإنتاجية. خامسًا، يظهر تأثير غير مباشر على سعر الصرف، حيث يسهم توسع الاقتصاد الموازي في رفع الطلب غير الرسمي على العملة الصعبة ويضغط على الاحتياطيات وثقة السوق.
وفي ضوء هذه المعطيات، لا يكفي الاكتفاء بتعديل أدوات السياسة النقدية الحالية، مثل سعر الفائدة وعمليات امتصاص السيولة، لأنها تؤثر فقط داخل الجهاز البنكي ولا تُعيد إدماج الكاش المرتبط بالاقتصاد الموازي أو ضعف الحوافز المالية.
أما السيناريوهات المحتملة للفترة 2026–2028، فالأول هو استمرار الوضع الحالي، ما يؤدي إلى فائدة مرتفعة، قروض أقل، نمو ضعيف، وتضخم "لزج". أما السيناريو الثاني، فيتطلّب إصلاحًا متكاملًا يضمن عودة تدريجية للودائع، واستقرار كلفة التمويل، وتوسيع القاعدة الجبائية، وعمقًا أكبر للسوق المالي مع شفافية محسّنة، ما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحفّز الاستثمار المنتج.
الكلمات المفتاحية
حوار| مستشار جبائي: ضغط جبائي مرتفع وتشجيع الاستثمار غائب في مشروع قانون المالية 2026
المستشار الجبائي أنيس بن سعيد لـ"الترا تونس": الضغط الجبائي في تونس مرتفع ويتجاوز 25%، ولا يمكن المواصلة في اتجاه زيادة الضغط الجبائي على المواطن التونسي
حوار| منجي مرزوق: تقدم برنامج الطاقات المتجددة في تونس بطيء رغم إمكانياته الواعدة
الوزير السابق منجي مرزوق لـ"الترا تونس": لا تزال نسبة إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة في تونس ضعيفة، حيث تقدر بـ 4% فقط
حوار| خبير محاسب يكشف لـ"الترا تونس" واقع استعمال الكمبيالة وأهم الإشكاليات
"الترا تونس" يلقي الضوء على واقع الكمبيالات في تونس ومقترحات تحسين هذه المنظومة، وأهم الأرقام المتعلقة بها، في حوار مع الأستاذ الجامعي والخبير المحاسب حاتم فتح الله.
مع اقتراب عيد الفطر.. إعادة تصدير وإتلاف أكثر من 18 ألف قطعة لعب أطفال
أعلنت وزارة التجارة التونسية عن نتائج عمليات المراقبة المكثفة للمنتجات الاستهلاكية خلال النصف الأول من شهر رمضان 2026، في إطار جهودها لضمان جودة وسلامة المنتجات التي يزداد الطلب عليها، بما في ذلك الملابس الجاهزة، الأحذية، لعب الأطفال وماء الجفال
حواجز محيطة بمقر سفارتي فرنسا والسعودية وتمثال ابن خلدون.. وزارة الداخلية توضح
وزارة الداخلية التونسية: الحواجز الإسمنية والحديدية الموجودة بمقر سفارة فرنسا ومحيط مقر سفارة المملكة العربية السعودية بالعاصمة، خاصة بمنظومة تأمين المنشآت الديبلوماسية، ولا تمثل عائقًا أمام حركة المرور أو تنقل المترجلين
الاتحاد البرلماني الدولي: الأحكام الصادرة ضد عبير موسي قاسية وغير مبرّرة
قالت هيئة الدفاع عن رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي في بيان، نشرته مساء الخميس 5 مارس 2026، أن "لجنة حقوق الإنسان التابعة لـالاتحاد البرلماني الدولي أصدرت قرارًا خلال دورتها الـ179 المنعقدة في جنيف من 2 إلى 18 فيفري 2026، عبّرت فيه عن إدانتها للأحكام الصادرة ضد موسي وانتقدت استمرار احتجازها.
معركة الأمعاء في رمضان.. غلاء اللحوم يدفع التونسيين لـ"انتحار غذائي" بالمعجنات
رئيسة الجمعية التونسية للتغذية الدقيقة: "الهرم الغذائي" التقليدي كان يخصص 40% من الحصة اليومية للمعجنات والنشويات، وهو المتهم الأول وراء "أمراض العصر" في تونس والعالم، وعلى رأسها مقاومة الأنسولين، السمنة المفرطة، ضعف المناعة، واكتئاب الأمعاء الناتج عن اختلال التوازن البكتيري.