ultracheck
مجتمع

حوار| مختص في البيئة: الرمي العشوائي لجلود الأضاحي يمثل كارثة بيئية حقيقية

28 مايو 2026
جلود الأضاحي عيد الأضحى مهدي العبدلي تونس
المختص في البيئة مهدي العبدلي لـ"الترا تونس": عيد الأضحى فقط يكشف أزمة موجودة أصلًا طوال السنة.. (تصميم الترا تونس)
إيمان السكوحي
إيمان السكوحي صحفية من تونس

في كلّ عيد أضحى، تتكرّر المشاهد نفسها في عدد من الأحياء والمدن التونسية: جلود أضاحٍ مرمية في الشوارع، أكوام من الفضلات الحيوانية، روائح كريهة، وحشرات وكلاب سائبة تجوب المكان. لكن خلف هذه الصور التي اعتاد عليها التونسيون، تختبئ أزمة بيئية وصحية أعمق بكثير، تتجاوز مجرد "مظاهر العيد" إلى إشكال هيكلي مرتبط بالتصرف في النفايات الحيوانية، وضعف البنية التحتية للمسالخ، وغياب منظومة حقيقية للتثمين والاقتصاد الدائري.

في هذا الحوار مع "الترا تونس"، يشرح المختص في الشأن البيئي ومؤسس ومدير مكتب دراسات في المجال البيئي وقانون البيئة، والمستشار السابق لوزيرة البيئة، مهدي العبدلي، المخاطر البيئية والصحية للرمي العشوائي لجلود الأضاحي والدماء الحيوانية، ويكشف كيف تحوّل عيد الأضحى، إلى مناسبة تُعرّي أزمة متواصلة طوال السنة داخل المسالخ التونسية، كما يتحدث عن الحلول الممكنة، وتجارب دول أخرى في تثمين هذه النفايات وتحويلها إلى قيمة اقتصادية حقيقية.

  • بداية، لماذا تعتبرون أن الرمي العشوائي لجلود الأضاحي يمثل خطرًا بيئيًا وصحيًا؟

الرمي العشوائي لجلود الأضاحي والفضلات الحيوانية أصبح يمثل كارثة بيئية حقيقية، خاصة مع تكدّسها في الشوارع والأودية والمصبات العشوائية. اليوم، أهم ما يقوم به المواطن هو التخلّص من هذه الفضلات بسرعة من منزله، لكن المشكلة أنه يرميها في الفضاء العام دون التفكير في انعكاساتها.

المختص في البيئة مهدي العبدلي لـ"الترا تونس": الرمي العشوائي لجلود الأضاحي والفضلات الحيوانية أصبح يمثل كارثة بيئية حقيقية، خاصة مع تكدّسها في الشوارع والأودية والمصبات العشوائية.. والحرق العشوائي لا يحلّ المشكلة، بل يخلق مشكلة أخرى

هذه الجلود تتعفّن بسرعة، خصوصًا مع ارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يؤدي إلى انتشار الروائح الكريهة وتكاثر الحشرات مثل الناموس والذباب، إضافة إلى استقطاب الكلاب السائبة والجرذان، وكلّها عناصر تنقل الأمراض وتهدد الصحة العامة.

  • كيف تؤثر هذه الفضلات على المحيط والتربة والمياه؟

حين تُترك الجلود مرمية في الطبيعة، فإنها تتحلل وتطلق سوائل ملوثة تُعرف بالعصارة، وهي سوائل تحتوي على مواد عضوية وبكتيريا تتسرّب مباشرة إلى التربة وتلوّث المحيط.

 

في كلّ عيد أضحى، تتكرّر المشاهد نفسها: جلود أضاحٍ مرمية في الشوارع، أكوام من الفضلات الحيوانية، وروائح كريهة (تصميم الترا تونس)

 

كما أن الروائح الناتجة عن التحلل تجلب الحشرات وتخلق مصدر إزعاج وخطر للسكان. وفي حال اختلاط هذه الفضلات بمياه الأمطار، يمكن أن تصل الملوثات إلى قنوات التصريف وحتى إلى المياه الجوفية، خاصة في المناطق التي تعاني ضعفًا في البنية التحتية للصرف الصحي، وهو واقع تعيشه تونس للأسف.

  • البعض يعتبر حرق الجلود حلًا سريعًا للتخلص منها.. لماذا تحذرون من ذلك؟

لأن الحرق العشوائي لا يحلّ المشكلة، بل يخلق مشكلة أخرى. عندما يتم حرق الجلود، يتصاعد دخان محمّل بغازات ملوثة للهواء، وبالتالي نكون قد انتقلنا من تلوث التربة والمحيط إلى تلوث الهواء.

اقرأ/ي أيضًا: دباغة جلود الأضاحي.. عن عادة هجرتها العائلات في تونس
 

الكثير يعتقد أن الحرق طريقة "نظيفة" للتخلص من الفضلات، لكنه في الحقيقة يفاقم التلوث البيئي ويؤثر على صحة المواطنين.

  • ما أبرز الحلول التي يمكن اعتمادها خلال عيد الأضحى؟

الحلول موجودة وهي عملية وبسيطة، أهمها أن تقوم البلديات بتخصيص نقاط لتجميع الجلود داخل الأحياء، مع توزيع أكياس خاصة ومحكمة الغلق لوضع الجلود فيها.

المختص في البيئة مهدي العبدلي لـ"الترا تونس": يجب تسريع عمليات الجمع خلال الساعات الأولى بعد الذبـــح، لأن التأخير يضاعف التعفن والروائح والتلوث. كما يجب التنسيق مع المدابغ ووحدات التثمين لإعادة استعمال هذه الجلود بدل رميها.. والمسؤولية جماعية، لكن البلديات تتحمل الدور الأساسي

كذلك يجب تسريع عمليات الجمع خلال الساعات الأولى بعد الذبح، لأن التأخير يضاعف التعفن والروائح والتلوث. كما يجب التنسيق مع المدابغ ووحدات التثمين لإعادة استعمال هذه الجلود بدل رميها.

إلى جانب ذلك، نحتاج إلى حملات توعية قبل العيد بوقت كافٍ لتحسيس المواطنين بخطورة الرمي العشوائي وأهمية الفرز والتصرف السليم في الفضلات.

  • تحدثتم عن ضعف التنسيق بين المتدخلين.. من يتحمل المسؤولية اليوم؟

المسؤولية جماعية، لكن البلديات تتحمل الدور الأساسي باعتبارها المتدخل الأول في جمع الفضلات. كذلك هناك دور لوزارة البيئة ووزارة الصحة والوكالة الوطنية للتصرف في النفايات.

المشكلة أن التنسيق غالبًا ما يكون غائبًا أو متأخرًا، رغم أن هذا الملف يحتاج إلى خطة استباقية واستثنائية خلال فترة العيد، مع توفير الحاويات والشاحنات والرفع السريع للفضلات بعد الذبح مباشرة.

  • ما الدور الذي يمكن أن يلعبه المجتمع المدني؟

المجتمع المدني يمكنه أن يساهم في حملات التوعية والتحسيس، وتنظيم مبادرات للجمع والفرز، وتشجيع المواطنين على السلوك البيئي السليم ونشر ثقافة "صفر نفايات".

لكن لا يمكن تحميل المجتمع المدني أكثر من طاقته، لأن الإمكانيات محدودة، رغم وجود بعض الجمعيات التي تقوم فعلًا بجمع جلود الأضاحي وإعادة تثمينها.

  • لماذا تعتبرون أن جلود الأضاحي تمثل موردًا اقتصاديًا وليس مجرد نفايات؟

لأن هذه الجلود يمكن تحويلها إلى مادة أولية للصناعات التقليدية والأحذية والنسيج، وهو ما يخلق مواطن شغل وقيمة مضافة ضمن الاقتصاد الأخضر.

المختص في البيئة مهدي العبدلي لـ"الترا تونس": عيد الأضحى فقط يكشف أزمة موجودة أصلًا طوال السنة.. فهذه الجلود يمكن تحويلها إلى مادة أولية للصناعات التقليدية والأحذية والنسيج، ولكن للأسف، تونس تخسر سنويًا نسبة كبيرة من الجلود بسبب سوء الجمع والتخزين

للأسف، تونس تخسر سنويًا نسبة كبيرة من الجلود بسبب سوء الجمع والتخزين، رغم أن هذه المادة تمتلك قيمة اقتصادية حقيقية. لذلك يجب بناء منظومة كاملة للتثمين والتصرف المستدام في مخلفات الأضاحي بدل الحرق والردم.

 

صورة للمختص في الشأن البيئي مهدي العبدلي (تصميم الترا تونس)
  •  

  • هل المشكلة مرتبطة فقط بعيد الأضحى؟

لا، وهذا هو الأهم. عيد الأضحى فقط يكشف أزمة موجودة أصلًا طوال السنة. نحن نعاني من غياب سياسة حقيقية للتصرف في النفايات العضوية الحيوانية داخل المسالخ البلدية.

اليوم نجد دماء تُصرف مباشرة في قنوات التطهير أو الأودية، وأحشاء ومخلفات حيوانية تُلقى في مصبات عشوائية، إضافة إلى أن عديد المسالخ تفتقر أصلًا إلى محطات معالجة حقيقية.

  • كيف تقيمون واقع المسالخ والتصرف في الدماء الحيوانية في تونس؟

الوضع صعب. العديد من المسالخ تعاني من بنية تحتية قديمة ومهترئة، مع غياب منظومات فرز ومعالجة، وضعف في تثمين الدماء والدهون والمخلفات الحيوانية.

اقرأ/ي أيضًا: جمعية: إلقاء حوالي 500 ألف من جلود الأضاحي في الطبيعة يمثل كارثة بيئية

الدماء الحيوانية تمثل بدورها مشكلة بيئية خطيرة لأنها تحتوي على نسب عالية من المواد العضوية والأزوت، وعندما تُرمى عشوائيًا فإنها ترفع التلوث البيولوجي والكيميائي وتستهلك كميات كبيرة من الأكسجين داخل المياه، ما يضر بالتوازن البيئي.

  • قانونيًا، هل يمكن اعتبار الرمي العشوائي للجلود والدماء جريمة بيئية؟

القوانين موجودة نسبيًا في تونس، سواء عبر مجلة الجماعات المحلية أو النصوص المتعلقة بالنظافة والتصرف في النفايات، وهي تمنع إلقاء الفضلات الحيوانية والدماء بطريقة عشوائية أو تصريف المياه الملوثة دون معالجة.

لكن الإشكال الحقيقي هو ضعف التطبيق والرقابة. شخصيًا أعتبر أن هذه الأفعال لا يجب أن تبقى مجرد مخالفات بلدية فقط، بل يمكن أن ترتقي إلى جنح أو حتى جرائم بيئية لأنها تمسّ بالصحة العامة والأمن البيئي.

الكلمات المفتاحية

الحرائق تهدد الحياة في البحر فتحي بلعيد Getty

حوار| كيف تهدد الحرائق الحياة في البحر؟ مختص في البيئة يوضّح

رئيس جمعية "TunSea" لـ"الترا تونس": إذا تهاطلت الأمطار مباشرة بعد اندلاع الحريق فإنها تنقل كميات أكبر من الملوثات إلى البحر


حوار العالم التونسي د.سالم شعيب.. رحلة من الشابة إلى قمة البحث العلمي العالمي

حوار| العالم التونسي سالم شعيب.. رحلة من الشابة إلى قمة البحث العلمي العالمي

كرّس الدكتور سالم شعيب، بمسيرة أكاديمية وبحثية تمتد لعقود، جهوده لفهم التفاعلات المعقدة بين الجهاز المناعي والخلايا السرطانية، مساهمًا بإنتاجه العلمي الغزير -الذي يتجاوز 300 ورقة بحثية- في تطوير استراتيجيات علاجية مبتكرة


ألفة الكراي البكالوريا الترا تونس

حوار| ألفة الكرّاي أم تروي قصة تحقيق حلم البكالوريا بعد 29 عامًا

الناجحة في البكالوريا ألفة الكرّاي: التعليم ليس له سن محدد، والنجاح لا يعرف عمرًا. والإصرار هو الوقود الحقيقي لكل حلم


حوار د. غازي الجربي تصاعد أرقام الأورام في تونس.. وسرطان الثدي والرئة في الصدارة

حوار| د. غازي الجربي: تصاعد أرقام الأورام في تونس.. وسرطان الثدي والرئة في الصدارة

الدكتور غازي الجربي، رئيس جمعية نوران للوقاية من الأمراض السرطانية، يتحدث لـ"الترا تونس" عن النسخة الاستثنائية للمؤتمر الدولي الخامس للأورام المعاصرة (5ᵉ ICCO)، الذي تحتضنه الحمامات يومي 26 و27 جوان 2026 بتنظيم مشترك بين جمعية "نوران" ومصحة حنبعل وبشراكة عالمية مع معهد "غوستاف روسي" الفرنسي

القضاء حكم pexels
سیاسة

"أنا يقظ": وعود سعيّد المتعلّقة باستقلالية القضاء تم تنفيذها في اتجاه معاكس

أعلنت منظمة أنا يقظ في منشور أن "استقلالية الوظيفة القضائية..

المجلس المحلي بكسرى يعلّق نشاطه إلى فترة غير محدّدة
سیاسة

المجلس المحلي بكسرى يعلّق نشاطه إلى فترة غير محدّدة

المجلس المحلي بكسرى من ولاية سليانة: تمّ بتاريخ 15 جويلية المنقضي، إعلام السلط المحلية والجهوية بإمكانية تعليق نشاط المجلس في حال عدم الاستجابة للمطالب الواردة في محضر جلسة


منتدى الحقوق: نستنكر الانقطاع المتكرر للماء بالمتلوي ونساند تصعيد الأهالي السلمي
مجتمع

لوّحت بالتصعيد.. منظمة: أهالي المهدية يعيشون تدهورًا متواصلًا في عديد القطاعات

أعلنت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان أن أهالي ولاية المهدية يعيشون منذ سنوات على..

القيروان.. مندوب حماية الطفولة يتعهد بطفلة هدد والدها بحرقها رفقة والدتها.jpg
مجتمع

مسابقة اختيار "ملكة جمال قليبية" تشعل الجدل في تونس.. ما القصة؟

شددت وزارة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن على ضرورة الامتناع عن..

الأكثر قراءة

1
مجتمع

تفاصيل التسجيل في مناظرة شركة نقل تونس الخارجية لانتداب 580 عونًا


2
مجتمع

الرائد الرسمي: الترفيع في المنحة المسندة للفئات الفقيرة إلى 280 دينارًا


3
اقتصاد

فاتورة الظلام.. عندما يدفع الفلاحون وصغار المهنيّين ضريبة العجز الطاقي


4
منوعات

ألعاب البحر الأبيض المتوسط 2026.. تونس تشارك بـ181 رياضيًا في 28 اختصاصًا


5
مجتمع

ما حقيقة احتواء مياه محطة تحلية مياه البحر بسوسة على مواد خطرة؟