حوار| لطفي بوشناق: لم أنتظر الثورة لأتحرّر وهذا هو

حوار| لطفي بوشناق: لم أنتظر الثورة لأتحرّر وهذا هو "سليمان" في "أجراس العودة"

الفنان التونسي لطفي بوشناق ذو الإشعاع العربي الواسع

 

الحديث عن لطفي بوشناق الفنان التونسي ذي الإشعاع العربي الواسع يورث في الباحث ضربين من الحرج، حرج في التصنيف والتبويب وحرج في التقييم والتأليف، فتجربة هذا المطرب ومهاراته في الأداء والتلحين قد تخطّت مراتب الكثرة والتنوّع، فأدركت حيّزا يعزّ حصره وفق ضوابط المنهج الوصفي التحليليّ.

لطفي بوشناق لـ"ألترا تونس": أنا لا أغني السياسة، لا شأن لي بهذا المجال بل أكرهه 

يمكن للناظر في سيرة بوشناق الحياتية والإبداعية أن يستأنس بزاوية مخصوصة، ولكن هذا المنفذ أو ذاك لن يحول ذو تفجر صنوف من التعدد والتباين من فروج تحسبها ضيقة لكن دقائقها مثيرة مؤرقة.

وللتحقق من هذا كله تعالوا نختبر أنفسنا في سؤالين على الأقل، من منّا يستطيع أن يحسم إلى أي المدارس والنماذج الموسيقية ينتمي هذا الرجل المشرف على العقد السبعين، وقد جمع في مغامرته الغنائية بين مشارب تبدو متباينة متناقضة أحيانًا، إذ استجاب عوده مطيعًا صاغرًا إلى الموشح والقصيدة الفصيحة والشعر العامّي معًا، ورحبت حنجرته بالأوبرا و"المزود" وغيرها من الروافد الصوتية في آن.

لو أتاحت لنا أهل البلاغة مزاحمتهم في المجاز، لقلنا إن حنجرة بوشناق قد تحولت إلى ساحة تعايش سلمي بين الألحان والمرجعيات الموسيقية المتنافرة، هذا الاستنتاج يدعمه السؤال الثاني الذي يكشف بوضوح عن قلق التصنيف، ومفاده لمن يغنى بوشناق؟ للأطفال أم للشيوخ، للعامة أو للنخبة، للسلاطين أو للجماهير؟

للحد من هذه الحيرة الساكنة في عشرات الأسئلة، حاور "ألترا تونس" الفنان والمطرب التونسي لطفي بوشناق في مسائل جوهرها فني غير أنها لم تخل من الأعراض السياسية.

اقرأ/ي أيضًا: حوار/ ثلاثي جبران: نرفض "صفقة القرن" وعلينا ديون حب لتونس لابد أن نسددها


  •  في البداية نبدأ بمضامين الأغاني، انفتح سجلك الموسيقي على أعمال غنائية عاطفية وسياسية واجتماعية وروحية وغيرها ، إلى أيّ المجالات أنت أميل؟

أنا لا يعنيني المجال بقدر ما تعنيني الدوافع إلى معالجة هذه المسألة أو تلك، فقيمة العمل الفنّي لا تكمن في مرجعيته.

  • ما الذي يحدّد اختياراتك إذًا؟

اختيارتي تحددها ثلاثة شروط لا غنى عنها في العمل الإبداعي، أوّلهما المعرفة والاطلاع، فلا مجال في الفن للتطفل والتهافت، أمّا الشرط الثاني فهو متصل بوجدان الفنان وقناعته وضميره، فالكلمة والأداء والألحان عناصر تقتضي حتى تحدث أثرًا حسنًا في الأذهان والآذان أن يتحلى صاحبها بالصدق، وأمّا الشرط الثالث فهو متعلق بالبحث المتواصل عن الطرافة والتجديد في اللحن والكلمة.

لطفي بوشناق: أنا لم أنتظر الثورة لأتحرّر فنيًا، فالفنان لا يقبل بأي حال من الأحوال القيود، ولا ينبغي أن تكون أعمالنا سليلة الأنظمة السياسية 

  • ألا ترى أنّ هذه الشروط ألصق بالأغاني العاطفية والروحية، وأبعد ما تكون عن الأغاني السياسيّة ذات الصلة بالواقع؟

عذرًا، أنا لا أغني السياسة، لا شأن لي بهذا المجال، بل أكرهه.

  • لكن أين تصنف أغاني "الكراسي" و"أجراس الثورة" و"سراييفو" وأعمالك حول فلسطين والمظلومين والمنسيين؟

تلك الأغاني المنسوبة إلى المجال السياسي هي في رأيي أقرب إلى إلمجال الوجداني والإنساني، ينطبق هذا على المواضيع المتصلة بالظلم والاستعمار والحرب، كما ينطبق على مشاكل الفقر والتكالب على السلطة وغيرها من هموم المواطن التونسي والعربي.

  • ألا ترى أن الثورة قد ساهمت في تحرير الكلمة الغنائية مع بوشناق ومع غيره من الفنانين؟

أنا لم أنتظر الثورة لأتحرّر فنيًا، فالفنان لا يقبل بأي حال من الأحوال القيود، ولا ينبغي أن تكون أعمالنا سليلة الأنظمة السياسية المتغيرة، فحاجة الجمهور إلى الفنان زمن الاستبداد أشدّ من حاجته له في هذه الفترة التي أصبح فيها الكلام مباحا للجميع.

لطفي بوشناق: تجربتي مع آدم فتحي كانت طويلة وغنية ومتميزة ومتمردة، وهو ما أتاح لي نقلة نوعية في رحلتي الغنائية

  • لكن بعض الكلمات ما كان لها أن ترى النور لولا الثورة، أليس كذلك؟

صحيح ذلك ، فمنسوب الحرية بعد الثورة كان أكبر، لكن أعمالي قبل 2011 لم تخل من التحرّر، وقد انفتحت على هموم المواطن وآلامه، أنصِت إن شئتَ إلى أغنية "سينما"، واستمع مثلًا إلى كلمات بعض الأغاني منها "هاذي غناية ليهم اللي عايشين لينا، ولا ريف ولا مدينة، ويذوبوا كالشمعة ويْخبيو (يُخفون) الدمعة على عيون أهاليهم.. الناس اللي تعاني ونساتهم (نسيتهم) الأغاني".

اقرأ/ي أيضًا: آمال المثلوثي: نيويورك أوسع فضاء للحرية والشيخ العفريت يغريني (حوار)

  • تذكرنا هذه الكلمات بتجربتك مع آدم فتحي، ما تقييمك لهذه التجربة؟

تجربتي مع آدم فتحي كانت طويلة وغنية ومتميزة ومتمردة، وهو ما أتاح لي نقلة نوعية في رحلتي الغنائية، وقد كان لي شرف التعامل مع هذا المبدع.

  • هل يعني هذا أن تجربتك مع آدم فتحي هي الأفضل في علاقة بكتاب الشعر الغنائي؟

أنا تعاملت مع العديد من كتاب الأغنية فضلًا عن آدم فتحي منهم صلاح الدين بوزيان ومازن الشريف وغيرهم، أؤكّد لك أنهم جميعها يحظون عندي بفائق الاحترام، أعرفهم جيدًا ويعرفونني، رهاننا جميعا الإضافة والتجديد وعدم الوقوع في المبتذل والسطحي والمتكرر.

لطفي بوشناق: سأشارك في مسلسل "نوبة 2"

  • هل تندرج مشاركتك في مسلسل "نوبة" في جزئه الأول في إطار هذا التطلع الدائم إلى التجديد؟

لو لم تكن في ذلك إضافة ما شاركت في العمل، لا أحب أن أكون متطفلًا على أحد حتّى إن كان ابني هو المخرج.

  • تمت دعوتك ثانية للمشاركة في الجزء الثاني، هل ننتظر أن يتطور حضورك من حيث المدة والدور الدرامي؟

فعلا سأشارك في الجزء الثاني من "نوبة"، غير أنّ حضوري لن يتخطى الخمس دقائق، أمّا تفاصيل الدور فلا يحق لي التحدث فيها بمقتضى عقد أخلاقي يربطني مع المخرج أنا وبقية الممثلين.

  • أشرت في أكثر من مناسبة إلى مسألة التجديد، هل نأمل في ظهور مدارس موسيقية جديدة في الوطن العربي؟

رغم ما نراه من تميز في بعض التجارب وما تلحظه من إضافة وتفرد منذ عقود، لا يمكن  في هذه المرحلة الحديث عن أنساق جديدة، الرأي عندي أننا لم نستطع إلى الآن تخطّي ثلاث مدارس، سيد درويش ومحمد عبد الوهاب والرحابنة.

  • أمّا وقد انفتحنا على المجال العربي، بم تفسّر النجاح الذي حققته أغنية "أجراس العودة" المتصلة بصفقة القرن؟

أغنية "أجراس الثورة" تعبر بأسلوب حماسي عن موقف الجماهير العربية وسائر الأحرار في كل الأقطار من صفقة القرن التي تورط فيها نتانياهو ودونالد ترامب.

لطفي بوشناق: "سليمان" في أغنية "أجراس العودة" هو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

  • لكن كلمات الأغنية تتضمن حسب بعض المتابعين إحالة إلى تورط أحد الأنظمة العربية في هذه الصفقة، ما رأيك؟

قلتُ مرات عديدة وأوضحت أن هذا التأويل لا يمت بصلة إلى المقصد، فسلمان في نص الأغنية لا يشير إلى ملك السعودية، فعبارة "سليمان العصر الحالي مشغول بملء السلة" رافدها القديم القصص القرآني وهي ترمز الآن إلى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب.

  • أنت تقدم لنا فهمًا أو تأويًلا لنص كتبه الأديب السوري عماد الدين طه، ما الذي يؤكد أن ما انتهيت إليه يتناسب مع مقصد هذا الشاعر؟

المعنى واضح وكل إمعان في تحريف هذا المقصد هو صيد في المياه العكرة، والدليل على التوافق بين ما ذهبت إليه وما قصده الشاعر عماد الدين طه هو "الفيديو كليب" المصور، فقد أشرف عليه الكاتب نفسه وحضرت فيه صورة ترامب مجسدة لشخصية "سليمان" الحاضرة في نص الأغنية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

رفيقة بوجدي: هذه حكايتي مع الدراما في تونس والجزائر وهكذا ننافس الأتراك (حوار)

بن عمّو مؤلف "عام الفزوع": شوقي الماجري أراد تزييف تاريخ "بن غذاهم" (حوار)