حوار| لسعد جردة: متمسك بالتعويل على المدرب التونسي وهناك استخفاف به رغم كفاءته
14 يناير 2025
تواجه كرة القدم التونسية هذه الأيام في شتاء 2025 تباينًا واضحًا بين حرارة الصراع على لقب الرابطة الوطنية الأولى وبرودة الأجواء في المنتخب التونسي. حرارةٌ هنا يبرّرها التقارب في النتائج والمستوى الفني بين خمسة أندية على الأقلّ معنيّة باللقب تفصل بين أوّلها وآخرها بضع نقاط يمكن تداركها في جولة أو جولتين، وبرودة هناك سببها التراجع اللافت لنسور قرطاج من حيث الترتيب العالميّ فضلًا عن الارتباك في تحديد الإطار الفنيّ والمخاوف التي تحيط بمستقبل المنتخب في المحافل الدوليّة الإفريقيّة والعالميّة.
لسعد جردة لـ"الترا تونس": أغلب عقود المدرّبين في تونس قائمة على التحيّل والمخاتلة والاستغباء للمدرّب وللجمهور الرياضي، فكيف يقبل المدرّب على نفسه عقدًا بشهرين فقط؟
وضعيّة مثيرة تقتضي التحلّي في معالجتها بالحكمة والشجاعة في آن، وهو ما لمسه "الترا تونس" مع المدربّ الأسعد جردة الشابي، فكان لنا معه الحوار التالي:
- شرعتَ منذ حوالي ثلاثة أشهر في تجربة خارج تراب الوطن فهل يحدّ ذلك من انشغالك بالشأن الوطني؟
فِعلًا، أنا أواجه الآن تحدّيًا خاصًّا مع فريق الكاظمة الكويتي، ورغم صعوبة المهمّة ودقـتها فنحن في الطريق الصحيح نحو الخروج من كوكبة فرق أسفل الترتيب والتطلّع إلى ما هو أفضل، أمّا الشأن الرياضي التونسي فهو حاضر في ذهني وفي خاطري لسببين على الأقلّ، الانتماء الوطنيّ وطبيعة المهنة التي تقتضي منّا متابعة دقيقة لجلّ البطولات والأندية والمنتخبات في عالم متحوّل ومتطوّر باستمرار.
- هل ترى التغيّرات المتواترة في عالم المستديرة أمرًا محمودًا؟
التغيّر إذا كان فنيًّا وتكتيكيًّا وعلميًّا غايته التطوير فهو محمود، أمّا إذا كان سليل الأهواء والأمزجة وغايته تحقيق النتائج الآجلة دون وضع برامج فهو غير مقبول في رأيي، وأكبر دليل على ذلك ما يحدث في البطولة التونسية من تسرّع في تغيير المدرّبين.
- لكنّ للنتائج أحكامها، أليس كذلك؟
صحيح لكن عدّاد النتائج يمكن تقييمه بعد مرحلة أو عدد هامّ من المقابلات، فبأيّ منطق على سبيل المثال يتمّ طرد المدرّب إثر إخفاق في مقابلتين أو ثلاث، وكيف نستوعب عقودًا تمتدّ رسميًا على سنتين لكنّها تنتهي بعد بضعة أسابيع، لا أبالغ إن قلت إنّ أغلب العقود في تونس قائمة على التحيّل والمخاتلة والاستغباء للمدرّب وللجمهور الرياضي، فكيف يقبل المدرّب على نفسه عقدًا بشهرين فقط، لا تعجب، أَيْ نعم بشهرين فقط!
لسعد جردة لـ"الترا تونس": استسهال طرد المدربين لا يضرّ بالمدرب ماديًّا ومعنوّيًا فقط، بل يتسبّب في إرباك الفريق وإدخال بلبلة على المجموعة وتمييع المشهد الرياضي وتشويهه
- هلّا أوضحت لنا هذه المفارقة العجيبة أو المغالطة في عقود المدرّبين؟
حينما يكون العقد في بنوده العامّة ممتدًّا على سنتين أو أكثر، وحينما يتضمّن بندًا جزائيًا يبيح للنادي التفريط في المدرّب متى شاء عندما لا تكون النتائج مقبولة شرط تمكينه من جرايتين إضافيتين، ولمّا أصبحت جلّ الأندية لا تتردد في تطبيق هذا البند، يحقّ لي القول إنّ عقود التدريب في تونس هي عقود بشهرين، وجهُ المأساة في هذا الأمر، أنّ استسهال طرد المدربين لا يضرّ بالمدرب ماديًّا ومعنوّيًا فقط، إنّما يتسبّب في إرباك الفريق وإدخال بلبلة على المجموعة وتمييع المشهد الرياضي وتشويهه، ألا ترى ما حصل للأولمبي الباجي الذي كان يتصدّر الترتيب إلى حدود منتصف مرحلة الذهاب تقريبًا، وها هو ينزل إلى وسط الترتيب ولم يفلح في التدارك خلال أكثر من سبع جولات رغم تغيير خمسة مدرّبين في فترة وجيزة جدًّا؟ وهو ما يطرح سؤالًا حول جدوى القانون الذي يضع سقفًا لتغييرات المدربين لا يتخطّى الثلاثة في كلّ موسم، في المقابل يواصل الترجي الجرجيسي والاتحاد المنستيري والملعب التونسي المنافسة بجديّة على اللقب بفضل وضوح الرؤية والاستقرار الفنّي والبشريّ والإداريّ.

- على هذا النحو، هل سيتواصل التنافس على اللقب مفتوحًا بين عديد الأندية؟
فعلًا، فضلًا عن الترجي الرياضي العائد بقوّة بعد تواضع النتائج في بداية الموسم، والنادي الإفريقي المتمسّك بمشروعه الرياضي رغم الانتقادات، والاتحاد المنستيري الذي أصبح منذ سنوات مراهنًا قارًّا على اللقب، فإنّ الملعب التونسي والترجي الجرجيسي وحتّى النجم الساحلي كلّ هذه الأندية معنيّة باللقب إذا أحسن القائمون عليها استعمال الرصيد البشريّ.
- كلامك يبدو وجيهًا، لكنّ سوق الانتقالات في "الميركاتو الشتوي" قد تجعل المال قوام النتائج والألقاب
لن يكون للميركاتو الشتوي هذا الموسم تأثير كبير في تغيير المستوى الحالي للأندية، فالسوق التونسيّة لكرة القدم لم تعد تستقطب إلا اللاعبين من درجة ثالثة أو ما هو أدنى بكثير لأسباب وظروف عديدة، لا أحد في البطولة التونسيّة من المحليّين والأجانب يمكن تصنيفه ضمن المستوى العالي (Le haut niveau) أو العالي جدًّا (Le très haut niveau)، رغم اعترافي بالقيمة الفنية المتميزة لبعض اللاعبين مثل مدافع النادي الإفريقي علي يوسف ومهاجم الملعب التونسي أومارو ومتوسط ميدان الاتحاد المنستيري موزاس أركوما، وبناء على ذلك، فإنّ الكلمة الفصل في بقية مشوار البطولة ستكون بيد المدرّبين بذكائهم وفطنتهم وإدارة الأندية بما تملكه من قدرة على ضمان الاستقرار والظروف المناسبة للإطار الفنّي واللاعبين.
لسعد جردة لـ"الترا تونس": لن يكون للميركاتو الشتوي هذا الموسم تأثير كبير في تغيير المستوى الحالي للأندية، فالسوق التونسيّة لكرة القدم لم تعد تستقطب إلا اللاعبين من درجة ثالثة أو ما هو أدنى بكثير
- أجدك كثير الثناء على المدرّبين، وهو ما لم نعهده عنك، ما السرّ في ذلك؟
هذا أمر بديهيّ، فأنا صارم في دعوة المدربين إلى التكوين المستمرّ وتعهّد المعارف وشحذها والاطلاع على أحدث ما بلغته كرة القدم فنيًّا وتكتيكيًّا والتحلّي بالكرامة وعزّة النفس وعدم استجداء الأندية والتملّق لرؤسائها، لكنّني في الوقت نفسه، أدافع عن المدرّب وأثني عليه متى رأيته في الطريق السليم سلوكًا واختيارًا، فلا أحد يمكن له حاليًّا أن ينكر الدور المتميّز الذي يقوم به مدربو الأندية المتمركزة في المراتب الأولى لاسيّما الملعب التونسي والترجي الجرجيسي، لكنّ الامتياز الحقيقي يستحقّه عماد بن يونس في نجم المتلوي ولطفي القادري مع شبيبة العمران.. فقد تمكّنا رغم محدوديّة الزاد البشري من بلوغ نتائج مقبولة وحسنة، هؤلاء المدربون أعتبرهم اليوم نموذجًا ناجحًا للإطار الفنّي التونسيّ، فالتقييم الموضوعيّ ينبغي أن يستند على معادلة علمية أطرافها ثلاثة الإمكانيات المتاحة والأهداف المرسومة والنتائج المحققة، فما نراه نجاحًا عظيمًا في النوادي الفقيرة ماديًّا يمكن اعتباره إخفاقًا في جمعية تمتلك إمكانيات ماديّة ضخمة وخزانًا بشريًّا واسعًا وجمهورًا عريضًا مؤثّرًا.
- هل تثق في الإطار الفنّي التونسي إلى هذه الدرجة؟
كيف لا أثق في المدرّب التونسيّ وقد فرض لونه حيثما حلّ في الداخل والخارج، ففضلًا عن تجربتي الشخصيّة في تونس وفي العديد من الدول العربيّة والغربيّة، فقد أثبت الكثير من الجيل الرياضي الذي أنتمي إليه مكانتهم في عالم التدريب، فنبيل معلول وخالد بن يحيى ومعين الشعباني وغيرهم.. قد تمكّنوا من إثبات ذواتهم هذه السنة وقبلها في تدريب أندية جزائريّة ومغربيّة لا تُجامل وهي تخوض رهانات محليّة وإفريقيّة قويّة وهامّة.
لسعد جردة لـ"الترا تونس": أثبت الكثير من الجيل الرياضي الذي أنتمي إليه مكانتهم في عالم التدريب، فكيف لا أثق في المدرّب التونسي وقد فرض لونه حيثما حلّ في الداخل والخارج؟
- كيف تفسّر الاستخفاف بالمدرّب التونسي رغم كفاءته؟
يرجع الأمر إلى سببين، الأوّل عميق يرتبط بالبنية الذهنيّة، فنحن تحكمنا ثقافة استعماريّة، ميّالون إلى تفضيل الأجنبي "بوبرطلّه" لا في كرة القدم فقط، بل في جلّ القطاعات بما فيها الثقافة والفنون، أمّا السبب الثاني فهو مرتبط بالتجربة الواقعيّة، فالجمهور التونسيّ والقائمون على الأندية أكثر جرأة في انتقاد المدرب المحليّ والدعوة إلى تغييره، أمّا إذا تعلّق الأمر بالأجنبيّ فإنّهم أقرب في التعامل معه إلى الصبر والتفهّم. والدليل على ذلك الفرصة الكبيرة والطويلة التي أتاحتها إدارة النادي الصفاقسي للمدرب ألكسندر دوس سانتوس، فقد انتظرَتْ منه التدراك ما يزيد عن ستّة أشهر، ولو حصل ذاك الارتباك في الأداء وفي النتائج مع مدرب تونسي بداية من فترة التحضيرات والمباريات الودية (منها الهزيمة ضدّ النادي الإفريقي 5-0) لتمّ التخليّ عنه منذ الأسبوع الثالث، وهو أمر يحزّ في النفس حقًّا، وأنا واثق أن لسعد الدريدي المدرب الجديد، قادر على تدارك الأمر شرط أن ينال بعض ما ناله المدرب البرتغالي المطرود بعد أن ظلّ يتخبّط فنيًّا على امتداد نصف سنة كاملة (من جويلية/يوليو 2024 إلى جانفي/يناير 2025).
- رأيك الإيجابي في المدربّ التونسي واحترازك من التعويل غير المدروس على الإطار الفني الأجنبي يتناغم مع موقف سلطة الإشراف التي رفضت التعاقد مع المدرب البرتغالي كارلوس كيروش لتدريب المنتخب التونسي.
تعرفُ جيّدًا أنّني لست من الميّالين إلى الثناء على الأنظمة عامّة، لكنّني في هذه النقطة أرحبّ بما قامت به سلطة الإشراف، فالمدرّب البرتغالي كارلوس كيروش الذي اقترحته هيئة التسوية بالجامعة التونسية لكرة القدم لا أظنّه قادرًا على تقديم الإضافة، فهو سنّ 72 وقد مرّ خلال السنوات المنقضية بتجارب فاشلة خاصّة مع منتخبي مصر وإيران، فمجرّد التفكير في هذا الاختيار في ظلّ موجة التعويل على المدربين الشبان في العالم على غرار ألمانيا وغيرها، يكشف عن جهل وتهوّر.. بل هو جريمة في حقّ الكرة التونسية حاضرًا ومستقبلًا، وما يثير الحرج والقلق فعلًا هو المبلغ الذي اقترحه هذا المدرب، فأجره يتخطّى شهريًّا 500 ألف دينار، وهو أمر لا يتناسب مطلقًا مع الوضعيّة الماديّة للجامعة التونسية من جهة وللبلاد عامّة، وحتى إن سلمنا أنّ "المال موجود ولا خوف من الفقر" كما يُقال، فأقصى ما يمكن أن نراهن عليه بالرصيد البشري الحالي من اللاعبين التونسيين المحليين والمحترفين هو الترشح لكأس إفريقيا وكأس العالم، وهو رهان سهلٌ يمكن أن بلوغه حتى إن خُضنا التصفيات بأدنى المدربين خبرة وأجرًا.
لسعد جردة لـ"الترا تونس": الأجر الذي عزمت الهيئة التسييريّة على تقديمه لمدرب أجنبي (500 ألف دينار) الأجدرُ بنا أن نخصّصه لتكوين الشبان وتحسين البنية التحتيّة ورسكلة المدربين
- ما هو الاختيار الأمثل حسب رأيك في صلة بالمنتخب التونسي؟
الأجر الذي عزمت الهيئة التسييريّة على تقديمه للمدرب الأجدرُ بنا أن نخصّصه لتكوين الشبان وتحسين البنية التحتيّة ورسكلة المدربين، بعدها يمكن أن نتطلع إلى ما هو أبعد من مجرّد الترشح للعب في المحافل الدوليّة.
- هل أنت متمسّك بضرورة التعويل على المدرّب التونسي لتدريب المنتخب؟
أُصرّ على ضرورة المراهنة على المدربّ التونسي لا من باب الشعبويّة، ولا يقتصر موقفي هذا على الجانب المادّي، فالإطار الفنّي التونسيّ أقلّ تكلفة، هذا لا شكّ فيه، وهو فضلًا عن ذلك قد أثبت كفاءته، فمن الحكمة ومن باب حسن التدبير أن نجمع في الاختيار بين القيمة الفنيّة والإمكانيّات الماديّة.
الكلمات المفتاحية

حوار| رضوان حدادي: تاريخ الحلفاء في تونس.. إهمال من الاستعمار إلى الاستقلال
"الحلفاء" تلك النبتة السباسبية الجفافية اللينة والصلبة المنتشرة بكثافة في سفوح الظهرية التونسية بجهات الوسط الغربي والمستعملة منذ قرون طويلة في الحياة اليومية للتونسيين. الحلفاء اقترن تاريخها بالاقتصاد المعيشي المحلي، ثم ارتبط في الفترة المعاصرة بحركة التجارة العالمية، وذلك مع الاكتشافات الأولى لمادة عجين الورق مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين

"القرش الأسود".. نجاح تونسي في تصفيات كأس العالم للروبوتات القتالية
مهندس الروبوتات عبد السلام جرّاي: وضعية المهندس التونسي صعبة وهناك بعض الجحود، رغم وجود جهود لتحسين الأوضاع من حيث الأجور وظروف العمل..

حوار| هند بن هيمان.. من المحاسبة إلى ابتكار "الجير العربي" الإيكولوجي
شخصية جمعت بين دقة التحليل المالي وطموح الابتكار البيئي، لتصنع قصة نجاح ملهمة تتجاوز حدود التخصص التقليدي. التقى "الترا تونس" بهند بن هيمان، التي بدأت مسيرتها بخلفية أكاديمية متينة، حيث حصلت على شهادة خبير محاسب ثم ماجستير في القانون الضريبي، لكنها لم تكتفِ بالعمل في المكاتب، بل فضلت الدخول في عالم الاستشارات الإدارية لتكتشف نقاط القوة الكامنة في الشركات وتساعدها على النمو والهيكلة

طقس تونس.. رياح قوية وأمطار غزيرة في بعض المناطق
أفاد المعهد الوطني للرصد الجوي بأنّ طقس تونس يوم الأحد 15 فيفري 2026، سيكون أحيانًا كثيف السحب مع أمطار متفرقة بالشمال ومحليًا الوسط، وتكون مؤقتًا رعدية وأحيانًا غزيرة بأقصى الشمال الغربي، مع إمكانية تساقط البرد بأماكن محدودة

وسام الصغير: قمع الحقوق والحريات من أركان الاستبداد والفشل الاجتماعي والاقتصادي
وسام الصغير لـ"الترا تونس": تقييم الأنظمة بالمساندة أو بالنقد لا يكون بشكل دغمائي عبثي، بل يقوم على تقييم المنجز من عدمه.. وبمرور 3 سنوات على وجود السياسيين في السجون، فإنّ الأوضاع تراوح مكانها وكلّ القطاعات تعاني أزمة

جبهة الخلاص: السلطة كثّفت من حملة استهداف حرية التعبير معتمدة تطويع القانون
جبهة الخلاص الوطني: "نطالب بالإفراج عن المعتقلين السّياسيّين ونعبّر عن انخراطنا الكامل في النّضال المدني السّلمي من أجل إنهاء المظلمة المسلّطة عليهم وقد افتتح بعضهم العام الرّابع خلف القضبان دون تهمة ولا ذنب"

الرصد الجوي: درجة إنذار كبيرة بعدة ولايات وتحذيرات من رياح قوية جدًا
معهد الرصد الجوي: ندعو إلى اتخاذ جملة من الإجراءات من بينها، توخي الحذر في حركة التنقل وفي الأنشطة ذات العلاقة بالنقل الجوي والبحري، مع تجنب القيام بأنشطة ترفيهية في الخارج

