حوار| كيف تهدد الحرائق الحياة في البحر؟ مختص في البيئة يوضّح
1 أغسطس 2026
في كل صيف، تعود حرائق الغابات لتتصدر المشهد البيئي في تونس، مخلفة آلاف الهكتارات المحترقة وخسائر جسيمة في الغطاء النباتي والتنوع البيولوجي. غير أن الأضرار لا تتوقف عند حدود اليابسة، إذ تمتد آثار الحرائق إلى البحر عبر الرماد والرواسب والملوثات التي تجرفها الأمطار والسيول نحو السواحل، لتشكل تهديدًا صامتًا للأنظمة البيئية البحرية.
وتؤكد تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) أن البحر الأبيض المتوسط، رغم أنه لا يمثل سوى أقل من 1% من مساحة محيطات العالم، فإنه يحتضن ما يصل إلى 18% من الأنواع البحرية المعروفة عالميًا، ما يجعله من أغنى البحار بالتنوع البيولوجي وأكثرها هشاشة في مواجهة الضغوط البيئية.
وتحذر الدراسات من أن حرائق الغابات، إلى جانب التغيرات المناخية والتلوث، تسرّع تدهور الموائل البحرية الحساسة، وعلى رأسها معشبات البوسيدونيا (Posidonia oceanica)، التي توصف بـ"رئة البحر الأبيض المتوسط" لدورها الحيوي في إنتاج الأكسجين، وتخزين الكربون، وتوفير موائل وحضانات طبيعية لعدد كبير من الكائنات البحرية. وتشير معطيات برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن ما بين 20 و30% من الأنواع البحرية في المتوسط متوطنة، بينما تتوقع السيناريوهات المناخية فقدان نحو 70% من موائل البوسيدونيا بحلول عام 2050 إذا استمرت الضغوط الحالية.
في كل صيف، تعود حرائق الغابات لتتصدر المشهد البيئي في تونس، مخلفة آلاف الهكتارات المحترقة وخسائر جسيمة في الغطاء النباتي والتنوع البيولوجي. غير أن الأضرار لا تتوقف عند حدود اليابسة، إذ تمتد آثار الحرائق إلى البحر
وفي تونس، تعاني نحو 44% من السواحل من ظاهرة الانجراف البحري، ما يجعل فقدان الغطاء النباتي الساحلي عاملًا إضافيًا يسرّع تآكل الشواطئ ويزيد من هشاشة المنظومة الساحلية.
وفي هذا السياق، حاور "الترا تونس" رئيس جمعية "TunSea" للعلوم التشاركية، ياسين رمزي الصغير، للحديث عن الكيفية التي تنتقل بها آثار حرائق الغابات من اليابسة إلى البحر، وانعكاساتها على السواحل ومعشبات البوسيدونيا والثروة السمكية، وأهمية حماية الغابات الساحلية التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حماية المنظومة البحرية والاقتصاد الأزرق.
كيف تؤثر حرائق الغابات في البحر رغم أنها تقع على اليابسة؟
البحر واليابسة منظومة واحدة، وكل ما يحدث على اليابسة ينعكس على البحر. وأفضل مثال على ذلك أن حوالي 80 بالمائة من التلوث البحري مصدره اليابسة، سواء تعلق الأمر بالبلاستيك أو التلوث الكيميائي أو مياه الصرف وغيرها.
اقرأ/ي أيضًا: حرائق صائفة 2026 في تونس.. أكثر من 12 ألف هكتار التهمتها النيران
الأمر نفسه ينطبق على حرائق الغابات. فعندما تندلع الحرائق لا تحترق الأشجار فقط، بل تحترق أيضًا النفايات الموجودة داخل الغابة، مثل البلاستيك وغيرها من المواد. وبعد أولى الأمطار، تُجرف بقايا الاحتراق والرماد والملوثات نحو الأودية ثم إلى البحر، وقد تصل مباشرة إلى السواحل، لذلك فإن آثار الحرائق لا تبقى محصورة في اليابسة.
لماذا تمثل الأمطار الأولى بعد الحريق مرحلة حساسة؟
لأن الأمطار الأولى تحمل معها الرماد والرواسب وكل ما خلّفه الحريق. وإذا تهاطلت الأمطار مباشرة بعد اندلاع الحريق فإنها تنقل كميات أكبر من الملوثات إلى البحر، في حين أن مرور بعض الوقت يسمح لجزء منها بالاستقرار داخل التربة. لذلك تبقى الفترة التي تلي الحريق مباشرة الأكثر خطورة على البيئة البحرية.
ما الدور الذي تؤديه الغابات الساحلية في حماية السواحل؟
الغابات الساحلية تقدم خدمات بيئية مهمة جدًا. فجذور الأشجار والنباتات تثبت التربة والكثبان الرملية وتحميها من الانجراف. وعندما تحترق هذه الغابات نفقد هذه الخدمات، فتزداد هشاشة السواحل.
رئيس جمعية "TunSea" لـ"الترا تونس": كل ما يحدث على اليابسة ينعكس على البحر. وأفضل مثال على ذلك أن حوالي 80% من التلوث البحري مصدره اليابسة، سواء تعلق الأمر بالبلاستيك أو التلوث الكيميائي أو مياه الصرف والأمر نفسه ينطبق على حرائق الغابات
وتشير الدراسات إلى أن 44 بالمائة من السواحل التونسية تعاني من الانجراف البحري، لذلك فإن احتراق الغابات الساحلية يزيد من هذه الظاهرة، لأن الرياح والعوامل الطبيعية تصبح قادرة على نقل الرمال بسهولة بعد اختفاء الغطاء النباتي.
ولا يجب أن ننسى أيضًا أن الغابات تمثل موطنًا للطيور والحشرات والزواحف، كما تساهم في إنتاج الأكسجين وتخزين الكربون، فضلًا عن أنها تمثل مورد رزق لعدد من السكان.
من أكثر الكائنات البحرية تضررًا من آثار الحرائق؟
ليست الأسماك أول المتضررين، لأنها تستطيع الابتعاد عن المناطق الملوثة. أما الكائنات الثابتة الموجودة في قاع البحر فهي الأكثر عرضة للخطر، وفي مقدمتها معشبات البوسيدونيا.
هذه المعشبات تعد من أهم النظم البيئية في البحر الأبيض المتوسط، إذ تمثل مكانًا تنمو فيه الأسماك وتتكاثر، كما أن حوالي 25 بالمائة من الكائنات البحرية المعروفة في البحر الأبيض المتوسط تقضي جزءًا من دورة حياتها داخلها.
كيف يؤثر الرماد والرواسب في معشبات البوسيدونيا؟
عندما تصل كميات كبيرة من الرواسب إلى البحر فإنها قد تغطي معشبات البوسيدونيا بالكامل. وبما أنها نباتات تحتاج إلى الضوء، فإن زيادة الرواسب والعكارة تقلل كمية الضوء التي تصل إليها، وهو ما يؤثر فيها سلبًا.
اقرأ/ي أيضًا: حرائق 2026.. بفعل فاعل أم تغيّر مناخي؟
وعندما تتضرر البوسيدونيا يتضرر معها كل ما يعيش داخلها، سواء الأسماك أو بقية الكائنات البحرية التي تعتمد عليها كمأوى أو كمكان للتكاثر.
هل يقتصر التأثير على الجانب البيئي؟
لا، لأن الغابات الساحلية تقدم خدمات بيئية واقتصادية للمجتمعات المحلية، مثل حماية السواحل، ودعم تربية النحل، وغيرها من الأنشطة المرتبطة بالغابة.
رئيس جمعية "TunSea" لـ"الترا تونس": تشير الدراسات إلى أن 44% من السواحل التونسية تعاني من الانجراف البحري، لذلك فإن احتراق الغابات الساحلية يزيد من هذه الظاهرة، لأن الرياح والعوامل الطبيعية تصبح قادرة على نقل الرمال بسهولة بعد اختفاء الغطاء النباتي
كما أن البوسيدونيا تقدم خدمات بيئية مهمة جدًا، فهي تدعم الصيد الساحلي، وتحسن جودة المياه، وتساهم في تثبيت الكربون، لذلك فإن خسارتها ستكون لها انعكاسات بيئية واقتصادية.
هل يمكن تعويض هذه الخسائر بسرعة؟
لا، لأن الغابات لا تستعاد في وقت قصير. إذا زرعنا شجرة اليوم فإنها تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تستعيد الغابة وظائفها البيئية، وفي ظل التغيرات المناخية والانجراف البحري يصبح الأمر أكثر صعوبة.
أمام هذا الترابط بين الغابات الساحلية والبحر، ما الدعوة التي توجهونها اليوم للحفاظ على هذه المنظومة البيئية؟
يجب أن ندرك أن الغابة الساحلية والغابة الموجودة تحت الماء، أي معشبات البوسيدونيا، مرتبطتان ببعضهما. عندما نخسر الغابة على اليابسة فإننا نخسر أيضًا جزءًا من الغابة الموجودة تحت الماء، لأن احتراق الأشجار يؤدي إلى انتقال الرمال والرواسب والملوثات إلى البحر، وهو ما يؤثر في البوسيدونيا وفي الكائنات التي تعيش داخلها.
قد نرى آثار الحرائق فوق اليابسة، لكن ما يحدث تحت الماء لا نلاحظه بسهولة، رغم أن له أهمية بيئية واقتصادية كبيرة. لذلك فإن حماية الغابات الساحلية هي أيضًا حماية للبحر وللثروة البحرية.
الكلمات المفتاحية

حوار| العالم التونسي سالم شعيب.. رحلة من الشابة إلى قمة البحث العلمي العالمي
كرّس الدكتور سالم شعيب، بمسيرة أكاديمية وبحثية تمتد لعقود، جهوده لفهم التفاعلات المعقدة بين الجهاز المناعي والخلايا السرطانية، مساهمًا بإنتاجه العلمي الغزير -الذي يتجاوز 300 ورقة بحثية- في تطوير استراتيجيات علاجية مبتكرة

حوار| ألفة الكرّاي أم تروي قصة تحقيق حلم البكالوريا بعد 29 عامًا
الناجحة في البكالوريا ألفة الكرّاي: التعليم ليس له سن محدد، والنجاح لا يعرف عمرًا. والإصرار هو الوقود الحقيقي لكل حلم

حوار| د. غازي الجربي: تصاعد أرقام الأورام في تونس.. وسرطان الثدي والرئة في الصدارة
الدكتور غازي الجربي، رئيس جمعية نوران للوقاية من الأمراض السرطانية، يتحدث لـ"الترا تونس" عن النسخة الاستثنائية للمؤتمر الدولي الخامس للأورام المعاصرة (5ᵉ ICCO)، الذي تحتضنه الحمامات يومي 26 و27 جوان 2026 بتنظيم مشترك بين جمعية "نوران" ومصحة حنبعل وبشراكة عالمية مع معهد "غوستاف روسي" الفرنسي

درجة إنذار تتطلب الحذر.. أمطار رعدية ورياح قوية تشمل 18 ولاية تونسية
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تصل إلى 41 درجة بالجنوب الغربي

تونس تحصد 17 ميدالية في البطولة العربية لألعاب القوى تحت 18 سنة
اختتمت تونس يوم الأربعاء 9 سبتمبر 2026 مشاركتها في البطولة العربية لألعاب القوى تحت 18 سنة، التي احتضنتها مصر من 5 إلى 9 سبتمبر الجاري، بحصيلة جملية ناهزت 17 ميدالية

جامعة التعليم العالي: ندعو إلى مفاوضات عاجلة والترفيع في منحة العودة الجامعية
الجامعة العامة للتعليم العالي: تنامي أعداد الدكاترة الباحثين العاطلين عن العمل يظل مؤشرًا آخر على غياب التخطيط الكفيل بتحقيق التوازن بين منظومة التكوين الجامعي وحاجيات سوق الشغل

طقس تونس.. درجات الحرارة في ارتفاع طفيف وتصل القصوى إلى 41 درجة
أعلن المعهد الوطني للرصد الجوي أن طقس اليوم الأربعاء 9 سبتمبر/أيلول 2026 سيكون قليل..



