حوار| عبد الرزاق حواص: ألف مليار دينار خسائر الطاقات المتجددة و38 ألف شركة تفلس سنويًا
6 مايو 2025
المؤسسات الصغرى والمتوسطة في قلب النسيج الاقتصادي التونسي، إذ يقدر عددها بنحو 890 ألف مؤسسة، لتشكل بذلك 97.5% من هذا الكيان الحيوي. ولكن تشير إحصائيات معهد الإحصاء إلى أن حوالي 38 ألف مؤسسة صغرى ومتوسطة تجد نفسها مرغمَة على مغادرة السوق سنويًا تحت وطأة الإفلاس.
الناطق الرسمي باسم الجمعية الوطنية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة عبد الرزاق حواص، يتناول في هذا الحوار ملفات تهم مستقبل الاقتصاد التونسي، بدءًا من التحفظات العميقة حول إدارة ملف الطاقة المتجددة، مرورًا بتحديات التمويل التي تواجه المؤسسات الصغرى والمتوسطة، وصولًا إلى تقييم القانون الجديد للشيكات وتداعياته على أرض الواقع.
أصدرتم مؤخرًا بيانًا دعوتم فيه إلى ضرورة فتح تحقيق فيما يتعلق بملف الطاقات المتجددة، لو توضح لنا الأسباب؟
فعلًا أصدرنا بيانًا دعونا فيه إلى ضرورة فتح تحقيق عاجل في ملف الطاقة المتجددة، وذلك لما نرصده من تجاوزات خطيرة في طريقة إدارة هذا الملف السيادي من قبل وزارة الصناعة والمناجم والطاقة. إن هذه التجاوزات، من وجهة نظر الجمعية الوطنية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة، لا تخدم المصلحة العامة لبلادنا، بل تشكل انحرافًا خطيرًا يصب في مصلحة شركات أجنبية خاصة على حساب دافعي الضرائب والشركات التونسية الناشئة.
الناطق باسم جمعية المؤسسات الصغرى والمتوسطة لـ"الترا تونس": منح شركات أجنبية امتيازات غير قانونية عبر تمديد مدة استغلال مشاريع الطاقة المتجددة، كبّد الدولة خسائر مالية فادحة تقدر بأكثر من 1000 مليار دينار
لقد سجلنا خروقات واضحة لقانون اللزمات، تمثلت في منح شركات أجنبية امتيازات غير قانونية عبر تمديد مدة استغلال مشاريع الطاقة المتجددة دون أي سند قانوني. والدولة تكبدت خسائر مالية فادحة تقدر بأكثر من 1000 مليار دينار، وهي خسائر متراكمة مباشرة وغير مباشرة بسبب عدم اتخاذ القرارات اللازمة طيلة نحو 25 سنة.
إلى جانب ذلك، نشير إلى التفريط في رصيد الكربون التونسي، وهو ملك عام وسيادي، دون وضع آليات تضمن تقاسم الأرباح بشكل عادل مع الدولة. وقد حرم هذا الإجراء الشركة التونسية للكهرباء والغاز "الستاغ" من مداخيل تقدر بنحو 240 مليار دينار.
لتوضيح الصورة أكثر، يمكننا الاستشهاد بتجربة نيجيريا التي تكشف عن طبيعة هذه العمليات. ففي قطاع الطاقة المتجددة، يبدو أن الشركات الأجنبية هي المستفيد الوحيد من الاستثمار. فهي تشترط التعامل مع شركات أجنبية أخرى، وتطالب الدولة التونسية بدفع مستحقاتها من القروض الممنوحة بالعملة الصعبة، علمًا وأن مقرات هذه الشركات تقع خارج تونس. والأدهى من ذلك، أن هذه الشركات ستقوم بتصدير الطاقة المتجددة المنتجة في تونس إلى الخارج، حيث ستحصل على عائداتها. وهذا يثير التساؤل: أين هو الاستثمار الحقيقي في تونس؟ الأموال تُمنح لبلادنا تحت مسمى الاستثمار، ولكنها سرعان ما تخرج منها بطرق غير مباشرة!
إن الشركة الوطنية للكهرباء والغاز، وهي مكسب وطني، تعاني من عدم القدرة على تجديد معداتها وبنيتها التحتية لاستيعاب الطاقة الشمسية. فلماذا لا يتم توجيه القروض المتاحة لهذه الشركة الوطنية لتمكينها من تطوير بنيتها التحتية وتجهيزها لاستيعاب وإنتاج الطاقة المتجددة، ومن ثم تصديرها مباشرة إلى أوروبا؟
إن الشركات الأجنبية المعلنة عن هذه المشاريع لديها هدف واضح وهو تخفيض استهلاك الطاقة في الدول الأوروبية بنسبة 10% من خلال استغلال إمكانيات الطاقة المتجددة في تونس والمغرب والجزائر. فهل من المنطقي أن تخدم بلادنا هذه الأهداف بالطريقة التي تمليها هذه الشركات؟ أليس من الأجدر بنا كدولة أن ننتج نحن الطاقة المتجددة ونسوّقها ونصدّرها بأنفسنا؟
صحيح أن هذه الدول قد ترى أننا لا نمتلك التكنولوجيا اللازمة، ولكننا أيضًا لا نمتلك الأموال الكافية. لذا، فإن الحل لا يكمن في الخضوع لشروطهم المجحفة. يجب علينا أن نكون أكثر جرأة وأن نتجه نحو بدائل أخرى، كالتعاون مع الصين مثلًا، للبحث عن عروض أفضل، خاصة وأننا نحن من نمتلك هذا المورد الطبيعي.
أما بالنسبة لدور الشركات الصغرى والمتوسطة في هذا الملف الحيوي، فمن الضروري توفير خطوط تمويل طويلة الأجل وتشجيع هذه الشركات على التصنيع المحلي لمكونات الطاقة المتجددة.
لقد كان لدينا في السابق 12 مؤسسة تونسية تقوم بتصنيع الألواح الشمسية، ولم يتبق منها سوى شركتين فقط، إحداهما تعاني من صعوبات مالية والأخرى تعمل بشكل أساسي في السوق الإفريقية. والسبب الرئيسي في تدهور هذا القطاع هو القانون الذي سمح بدخول الألواح الضوئية الجاهزة بأسعار أقل من تكلفة إنتاج الألواح محليًا وتجميعها في تونس. إن عملية التجميع كانت يمكن أن تكون نقطة انطلاق حقيقية نحو التصنيع الكامل، كما فعلت الصين في بداياتها.
ما الذي يحول دون قيام البنوك بدورها الكامل في هذا المجال؟
إن الوصول إلى التمويل يمثل عصب الحياة بالنسبة للمؤسسات الصغرى والمتوسطة، وهو المحرك الأساسي لقدرتها على النمو والمساهمة الفعالة في الدورة الاقتصادية. فبدلًا من أن يكون التمويل مجرد أرقام يتم تداولها في النظام المصرفي لتنشيط السوق وتحقيق المنفعة للجميع، نجد أن هناك تحديات هيكلية تعيق هذا الدور.
عبد الرزاق حواص لـ"الترا تونس": المؤسسات الصغرى والمتوسطة، غالبًا ما يُمنح لها مجرد دفتر شيكات، وهو ما يمكن وصفه بـ"اقتصاد وهمي"، حيث يعتمد بقاؤها ونجاحها بشكل كامل على أدائها في السوق، بينما تتحمل وحدها تبعات الخسارة التي قد تؤدي إلى إفلاسها
تتجلى هذه التحديات بوضوح في التقارير التي تشير إلى استحواذ ثلاث مجموعات اقتصادية كبرى على حصة الأسد من التمويل البنكي، تصل إلى 70%. هذا التركز الشديد يهمش المؤسسات الصغرى والمتوسطة ويحد من قدرتها على الحصول على الموارد المالية الضرورية لتطوير مشاريعها.
في المقابل، يبدو أن هناك فئة أخرى من رجال الأعمال تتمتع بامتيازات تمكنها من الحصول على القروض بسهولة وسحب الأموال نقدًا، مما يمثل اقتصادًا حقيقيًا بالنسبة لهم.
أما المؤسسات الصغرى والمتوسطة، فغالبًا ما يُمنح لها مجرد دفتر شيكات، وهو ما يمكن وصفه بـ"اقتصاد وهمي"؛ حيث يعتمد بقاؤها ونجاحها بشكل كامل على أدائها في السوق، بينما تتحمل وحدها تبعات الخسارة التي قد تؤدي إلى إفلاسها.
هذا الواقع يثير تساؤلات حول عدالة النظام المالي ودوره في دعم مختلف شرائح الاقتصاد. فبدلًا من أن تكون البنوك شريكًا حقيقيًا في النمو، يبدو أنها تفضل التركيز على تمويل الكيانات الكبرى، مما قد يضعف التنوع الاقتصادي ويقلل من فرص النمو المستدام الذي يمكن أن تحققه المؤسسات الصغرى والمتوسطة إذا ما توفر لها الدعم المالي اللازم.
لذا، يصبح من الضروري إعادة التفكير في آليات التمويل المتاحة للمؤسسات الصغرى والمتوسطة، وتشجيع البنوك على تبني استراتيجيات أكثر شمولية وعدالة في توزيع التمويل. يتطلب ذلك تطوير أدوات تقييم مخاطر تتناسب مع طبيعة هذه المؤسسات، وتوفير ضمانات بديلة، وتسهيل الإجراءات البنكية، بهدف تمكين هذه الشركات من الحصول على التمويل الذي تستحقه والمساهمة بفاعلية في بناء اقتصاد وطني قوي ومتنوع.
كنتم من المطالبين بقانون جديد للشيكات ما تقييمكم له بعد دخوله حيز التنفيذ خصوصًا مع بروز أصوات تنادي بضرورة مراجعته؟
أولًا، فيما يتعلق بتحديد السوق والاعتماد على المنصة الإلكترونية. فإن هذه الأخيرة غالبًا ما تستخدم من قبل مجموعة محددة من الأشخاص. على سبيل المثال، قد يتوجه شخص غير معروف إلى مؤسسة ما لشراء جهاز تكييف ويقدم شيك عندها يقوم البائع باعتماد المنصة.
ثانيًا، نشير إلى الانخفاض الملحوظ في حجم التداول بنسبة 30%. اللافت للانتباه هو أن هذا النقص تم تعويضه بشكل كبير باللجوء إلى الكمبيالات، التي ارتفعت قيمتها بنسبة 200% وفقًا لنشرية البنك المركزي.
الناطق باسم جمعية المؤسسات الصغرى والمتوسطة لـ"الترا تونس": من غير الممكن الوفاء بالالتزامات المالية حتى لو تم منحنا فترة سداد طويلة تصل إلى 17 عامًا، والحل الجذري هو في مراجعة تصنيف الشركات لدى البنك المركزي
ثالثًا، بالنسبة للمعاملات بين المؤسسات التي تربطها علاقات تجارية مباشرة في السوق، فإنها غالبًا ما تتجاوز المنصة الإلكترونية للتحقق من الرصيد. بل يتم إيداع الشيكات مباشرة في البنك، وفي حال عدم توفر الأموال بشكل فوري، يقوم البنك بمنح المبلغ (في الروج) كتسهيل.
رابعًا، التحدي الأكبر الذي نواجهه يكمن في الانتقال من القانون القديم إلى القانون الجديد دون إصدار عفو شامل. لقد تم اعتماد آلية "الحجة العادلة" لمدة ثلاث سنوات، ولكننا نرى أنها غير كافية لحل الإشكاليات العالقة.
خامسًا، في ظل الوضع الاقتصادي الراهن، ترى جمعيتنا أنه من غير الممكن الوفاء بالالتزامات المالية حتى لو تم منحنا فترة سداد طويلة تصل إلى 17 عامًا. لذلك، نؤكد أن الحل الجذري يكمن في مراجعة تصنيف الشركات لدى البنك المركزي، بحيث تتضمن هذه المراجعة إصدار عفو يمكّن الشركات من استئناف نشاطها بشكل طبيعي. وقد تم التأكيد على هذا المطلب مؤخرًا خلال جلسة لجنة التشريع العام.
هل يمكن أن تقدم لنا بالأرقام عدد الشركات الصغرى والمتوسطة في النسيج الاقتصادي؟
ما يقارب 890 ألف شركة صغرى ومتوسطة يمثلون 97.5% من الاقتصاد التونسي وحسب معهد الإحصاء فإنّ حوالي 38 ألف يفلسون ويغادرون السوق سنويًا.
الكلمات المفتاحية
حوار| كيف ينظم القانون أموال الجالية التونسية بالخارج؟ مستشار جبائي يوضّح
تساؤلات عديدة متعلقة بالواجبات الجبائية والقانونية المحمولة على التونسيين المقيمين بالخارج خاصة فيما يتعلق بضرورة التصريح بهذه الأصول، ومدى خضوع عائداتها للضريبة، والعلاقة بين التشريع الجبائي وقانون الصرف
حوار | مستشار جبائي: المواطن يميل للاحتفاظ بـ"الكاش" والدفع الإلكتروني محدود
في وقت يعاني فيه الاقتصاد التونسي من اختلالات مالية متعددة، بات موضوع ارتفاع السيولة النقدية المتداولة خارج النظام البنكي في قلب الجدل الاقتصادي.. "الترا تونس" سلّط الضوء على الموضوع في حوار خاص مع المستشار الجبائي أنيس بن سعيد
حوار| مستشار جبائي: ضغط جبائي مرتفع وتشجيع الاستثمار غائب في مشروع قانون المالية 2026
المستشار الجبائي أنيس بن سعيد لـ"الترا تونس": الضغط الجبائي في تونس مرتفع ويتجاوز 25%، ولا يمكن المواصلة في اتجاه زيادة الضغط الجبائي على المواطن التونسي
معهد الرصد الجوي يكشف الولايات المعنيّة بنزول أمطار غزيرة يوم الجمعة
معهد الرصد الجوي: يتواصل نزول أمطار متفرقة ومؤقتًا رعدية يوم الغد السبت 10 أكتوبر 2026 بالمناطق الساحلية الشمالية
الإمارات تفرض البطاقة عدد 3 على التونسيين الراغبين في العمل بها
بالنسبة إلى المواطنين التونسيين الموجودين بدولة الإمارات بتأشيرات زيارة، الذين تحصلوا على فرص عمل ويرغبون في تسوية وضعياتهم القانونية واستكمال إجراءات الحصول على تأشيرات عمل، أفادت القنصلية بأنهم يتمتعون بمهلة قدرها 45 يومًا من تاريخ دخول القرار حيز التنفيذ.
طقس تونس.. الحرارة في انخفاض ملحوظ مع أمطار غزيرة بعدد من الجهات
معهد الرصد الجوي: الريح تكون قوية نسبيًا فتدريجيًا قوية قرب السواحل الشرقية وبالجنوب حيث تثير محليًا الرمال والأتربة وضعيفة فمعتدلة ببقية الجهات
قضية اغتصاب قاصر بالملاسين.. إصدار بطاقات إيداع بالسجن في حق 10 متهمين
عرفت التطورات القضائية أيضًا، الإفراج عن وسيط عقاري "سمسار" قام بتأجير منزل لمتهمين اثنين قبل أن تكشف الأبحاث عدم معرفته بهما