ultracheck
منوعات

حوار| رضوان حدادي: تاريخ الحلفاء في تونس.. إهمال من الاستعمار إلى الاستقلال

14 ديسمبر 2025
حوار رضوان حدادي تاريخ الحلفاء في تونس.. إهمال من الاستعمار إلى الاستقلال
رضوان حدادي: لم تهتم دولة الاستقلال بقطاع الحلفاء الاهتمام اللازم والكافي، رغم أهميته ودوره في تغذية موارد الدولة (رمزي العياري/الترا تونس)
رمزي العياري
رمزي العياريصحفي من تونس

                                                                                                         "الحَلفاء ما طيب كان بالرّزام"

                                                                                                           (مثل شعبي تونسي قديم)

"الحلفاء" تلك النبتة السباسبية الجفافية اللينة والصلبة المنتشرة بكثافة في سفوح الظهرية التونسية بجهات الوسط الغربي والمستعملة منذ قرون طويلة في الحياة اليومية للتونسيين. الحلفاء اقترن تاريخها بالاقتصاد المعيشي المحلي، ثم ارتبط في الفترة المعاصرة بحركة التجارة العالمية، وذلك مع الاكتشافات الأولى لمادة عجين الورق مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. لكن لهذا النبات الثمين ارتباطات أخرى تهم أساسًا التاريخ السياسي والاجتماعي والثقافي التونسي، وهي جوانب من التاريخ آخذة في النسيان نتيجة تغييبها من قبل المؤسسات الرسمية المختصة وإهمالها من قبل الباحثين بالجامعة التونسية والمؤرخين والمشتغلين المستقلين بالتوثيق الثقافي من كتاب وسينمائيين وموسيقيين.

ضمن هذا النسيان الكبير للتاريخ الطويل والثري "للحلفاء" كثروة طبيعية تونسية استغلها الإنسان التونسي وأسهمت في ترتيب حياته وراكمت زخمها من التاريخ، ناقشت الجامعة التونسية مؤخرًا أول بحث في مستوى الدكتوراه يتعلق بالحلفاء في جوانب اقتصادية وأيضًا في مستوى تاريخها الأنثروبولوجي وما تركته من إرث ثقافي واجتماعي وفني.

جاء بحث رضوان حدادي تحت عنوان "استغلال الحلفاء بالبلاد التونسية"،  وقد اختار موضوع الحلفاء لأنها مورد محلي تونسي اعتمدت عليه لقرون طويلة قبائل الوسط التونسي

البحث أنجزه الأستاذ "رضوان حدادي" وهو باحث في التاريخ المعاصر بالجامعة التونسية، وقد جاء بحثه تحت عنوان "استغلال الحلفاء بالبلاد التونسية"، وأشرف على هذه الأطروحة الأستاذ محمد صالح الغربي. وقد اختار موضوع الحلفاء لأنها مورد محلي تونسي اعتمدت عليه لقرون طويلة قبائل الوسط التونسي، وهم بالأساس قبيلتي "الفراشيش" و"الهمامة". هذا البحث الهام هو رحلة علمية وتاريخية متعلقة بنبتة الحلفاء في مستوى الجذور التاريخية لاستغلالها والفاعلين في المجال، كما خصص جانبًا من البحث إلى مسائل أنثروبولوجية في علاقة بالحرف والصناعات المحلية المنتجة من الحلفاء وما حف بها فنون.

عجين الورق المستخرج من الحلفاء يقدم أجود وأفخم أنواع الورق في العالم

 

"الترا تونس" التقى الأستاذ الجامعي والباحث "رضوان حدادي" وخاض معه حول تاريخ الحلفاء في تونس انطلاقًا من رحلة البحث العلمي التي قام بها، والإضاءات والنتائج التي توصل إليها من خلال بحثه المتفرد، وهو ما سيجعلنا نتعرف على العديد من التفاصيل التاريخية الهامة، منها التصرف في المجال قديمًا والاستغلال الفاحش للثروة الطبيعية من قبل الاستعمار وسلطة البايات.

لماذا تأخرت الجامعة التونسية في بحوثها العلمية حول تاريخ الحلفاء؟

هناك بحوث صغيرة ومقالات علمية منشورة تعلقت بتاريخ الحلفاء، لكنها جهود بحثية مهمة تبقى غير كافية إذا ما نظرنا للتاريخ الكبير والطويل المرتبط بهذه المادة الطبيعية. والجامعة التونسية بمختلف اختصاصاتها ومراكز بحثها لا تعتبر مقصرة في ذلك، لأنها منفتحة بحرية على كل الاقتراحات التي ترد عليها من قبل الباحثين. وشخصيًا اخترت أن أبحث في تاريخ الحلفاء لأهمية هذا الموضوع سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، زد على ذلك أن هذا المورد الطبيعي الهام الذي تتميز به الجغرافيا التونسية لم ينل حظه الكافي من البحث العلمي.

 

تمثل مناطق الحلفاء بالبلاد التونسية امتدادًا لحقول الحلفاء بالشرق الجزائري (رمزي العياري/الترا تونس)

 

متى اكتشف التونسيون الحلفاء وأهميتها وتحويلها إلى مصدر من مصادر العيش؟

إلى حدود نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، لا زال المجتمع التونسي زراعيًا بامتياز، وبالتالي فإن منظومة استغلال الحلفاء كانت بالأساس في الرعي وبعض المشاغل اليدوية للاستغلال في الحياة اليومية. لكن، ومع تقدم البحوث العلمية والميكانيكية المتعلقة بصناعة الورق في عدة بلدان أوروبية على غرار ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، وخاصة نجاح التجارب الإنجليزية في مجال تطوير عجين الورق المخصص للطباعة واكتشاف مادة "السليلوز" ضمن التركيبة الكيميائية لنبتة الحلفاء، والتي تصل إلى 61 بالمائة مقارنة بباقي النباتات وأنواع الخشب التي اختبرت، وكان ذلك سنة 1861، وتبين فيما بعد أن عجين الورق المستخرج من الحلفاء يقدم أجود وأفخم أنواع الورق في العالم. فتوجهت الشركات الإنجليزية التي تنتج الورق بليفربول ومانشستر إلى البلدان التي تنتج الحلفاء القريبة من أوروبا، ومن بينها تونس والجزائر والمغرب، ثم إسبانيا بدرجة ثانية.

لو تحدثنا عن جغرافيا الحلفاء في تونس؟

تمثل مناطق الحلفاء بالبلاد التونسية امتدادًا لحقول الحلفاء بالشرق الجزائري (من مناطق قسنطينة إلى تبسة)، وتنتشر في تونس من مدينة الكاف بالشمال الغربي إلى مدن سبيطلة وتالة وفريانة وماجل بالعباس وحاسي الفريد بالوسط الغربي، وينزل حدها إلى الجنوب الغربي التونسي نحو مدينة قفصة وجبل الزيتون، لتمتد إلى الجنوب الشرقي (قابس ومدنين وتطاوين) وغير بعيد عن الساحل نحو هضاب مطماطة والهواية. ويمكن أن تنقسم مناطق الإنتاج في تونس إلى قسمين: مساحات مستثمرة وكثيفة، وهي تنحصر في الهضاب العليا بين فريانة وقفصة (جبل زيتون، جبل يونس، جبل بورملة، جبل ثلاقة، المتلوى، الرديف، جبل عرباطة، القطار..)، وقسم ثانٍ هو عبارة عن رقع متفرقة وتنحصر في سرر الأنهار الموجودة في تطاوين وقابس (وادي حلوف، وادي بن رشب، وادي سمرتن، برج الزميط، وادي القصيرة، وادي الفاسي، غمراسن، الدويرات، بئر علي، الذهيبة..).

تمثل مناطق الحلفاء بتونس امتدادًا لحقول الحلفاء بالشرق الجزائري، وتنتشر من مدينة الكاف بالشمال الغربي إلى مدن سبيطلة وتالة وفريانة وماجل بالعباس وحاسي الفريد بالوسط الغربي

وتجدر الإشارة هنا أن المساحة التي تنتج الحلفاء في تونس في النصف الأول من القرن العشرين هي ما يقارب المليون ومائتين وإحدى خمسين ألف هكتار من الأراضي، وتحتل منطقة السباسب العليا بالقصرين المرتبة الأولى من حيث المساحة (179.235 هكتار). أما الآن، فإن هذه المساحة قد تراجعت كثيرًا بنسبة الثلث، وذلك لأسباب عديدة، منها ما تعلق بالتغيرات المناخية، ومنها ما تعلق بسوء تصرف الإنسان مع الطبيعة.

متى بدأ الاستغلال الاستعماري الفرنسي والإنجليزي لثروة مادة الحلفاء في تونس، وما هي حيثيات دخولهم مجال القبائل التونسية آنذاك؟

كان النظام الاقتصادي لتونس زمن البايات الحسينيين نظامًا ريعيا يقوم على منظومة اللزمات، واللزمة تمنح حسب الولاء وعمق العلاقات الخارجية مقابل نصيب للدولة والباي وعائلته. وقد منحت لزمة الحلفاء لأول مرة لشركة فرنسية صاحبها "روني دي ليبسيس"، ووقع اللزمة مع باي تونس سنة 1882. لكن، وبعد أشهر قليلة، عرفت هذه الشركة صعوبة اقتصادية فادحة دفعتها للتخلي عن عقد اللزمة لصالح شركة إنجليزية ذات صيت عالمي، ومختصة في إنتاج عجين الحلفاء. كما ثبت أيضًا أن الشركة الفرنسية لم تفي بالتزاماتها تجاه الدولة التونسية، وخاصة البند المتعلق بمد السكة الحديدية في جهة الوسط الغربي، لذلك وافقت السلطات التونسية على تمرير اللزمة إلى الشركة الإنجليزية. وأيضًا ثبت الإخلال بالبند المتعلق بحجم كمية التصدير، التي يجب أن تفوق إنتاج 30 ألف هكتار في السنة.

اقرأ أيضًا: صناعة الحلفاء في القصرين.. كنز مكنون ينتظر عناية جادّة

 

 كانت الحلفاء تباع في الأسواق الأسبوعية في المدن والقرى وخاصة بجهة الساحل وبتونس العاصمة والشمال الغربي 

 

 

ضمن هذا الإطار، ودرءًا للإخلالات المذكورة، تكفلت "شركة فسفاط قفصة" الفرنسية بمد السكك الحديدية في الوسط الغربي بدل الشركة الفرنسية المستغلة للحلفاء، وذلك من هنشير السواطير بالوسط الغربي إلى مدينة سوسة الساحلية، وارتبط الخط الحديدي أساسًا بتصدير الحلفاء، ثم أضافت إليها فرنسا فيما بعد مادة الفسفاط القادمة من الحوض المنجمي بالجنوب الغربي، ثم الحبوب، فضلا عن نقل المسافرين.

قبل اكتشاف عجين الورق المستخرج من الحلفاء أواخر القرن 19، كيف كان شكل المجال وطبيعة العلاقات الاجتماعية والممارسات الاقتصادية على أرض الحلفاء في تونس؟

كانت نبتة الحلفاء تستعمل في ثلاث مجالات أساسية: أولها المجال الحرفي بأساليب تقليدية متوارثة، والمتعلقة أساسًا بالاستعمالات اليومية مثل إنتاج الحصير والسجاجيد المتنوعة (للمنازل والمساجد والمدارس والمقاهي..)، والقفاف المنزلية، والسنانيج الفلاحية، والشوامي المستعملة في معاصر الزيتون والحبال. ولم يحتكر أبناء السباسب من قبائل الفراشيش والهمامة هذه الصناعات، بل كانت الحلفاء تباع في الأسواق الأسبوعية في المدن والقرى المجاورة، وخاصة بجهة الساحل التونسي وبتونس العاصمة والشمال الغربي. كما كانت تستعمل في مجال التطبيب كنوع من الشاي الساخن، خاصة في أمراض الجهاز الهضمي، وكمرهم لمداواة الجروح العميقة، وأيضًا في مجال الرعي بالنسبة لتربية الإبل والماعز وللتدفئة.

حدثنا عن أثر الشركة الإنجليزية في المجتمع المحلي باعتبار أنها كانت أول من استغل مادة الحلفاء التونسية استغلالًا صناعيًا؟

الشركة الإنجليزية التي تسلّمت اللزمة اسمها "الشركة الورقية الإنجليزية"، قامت منذ انتصابها بتونس بتأسيس شركة تابعة لها بالبلاد التونسية، رأس مالها 6.250.000 فرنك فرنسي، ولها مكتب يمثلها بمدينة صفاقس يديره السيد هوغه، وتشرف على ميناء الصخيرة كمكان لتصدير الحلفاء. وقد سيطرت الشركة على كامل مجال الحلفاء، الأمر الذي غيّر كل شيء في حياة التونسيين في ذلك الزمن، حيث أصبح كل الإنتاج تحت سيطرتهم وتصرفهم، مما أثر على الصناعات التقليدية المحلية، فتراجع حضورها في الأسواق وغلا ثمنها. 

رضوان حدادي: مارست الشركة الإنجليزية سياسة تهميش القبائل التي تعيش فوق أرض الحلفاء، الأمر الذي دفع قبيلة الهمامة إلى رفع العديد من الشكايات إلى سلطة الباي

وقد مارست الشركة الإنجليزية سياسة تهميش القبائل التي تعيش فوق أرض الحلفاء، الأمر الذي دفع قبيلة الهمامة إلى رفع العديد من الشكايات إلى سلطة الباي متذمرة من ممارسات الشركة الإنجليزية. وقد استعملت القبيلة الكتابات في الصحف لأول مرة في تاريخها من أجل كشف التجاوزات التي تقوم بها الشركة والتنديد بها، وخاصة استغلالها الفاحش للمجال الجغرافي والتأجير السيء للعمال التونسيين من أبناء القبائل، وتراجع ثمن كيلوغرام الحلفاء من 60 فرنكًا إلى ما تحت 30 فرنكًا. كما كانت الشركة الإنجليزية المستغلة تفاضل بين القبائل في المعاملة والتأجير، وذلك حتى لا تتوحد هذه القبائل ضدها.

 

من أشهر الأسواق التي تعرض الحلفاء نجد أسواق كل من: فريانة، ماجل بالعباس، سبيطلة (القصرين)، حاجب العيون (القيروان)، مارث (قابس)

 

 

لكن بعد تململ القبائل التونسية التي تسكن في مناطق الحلفاء، ألغى الباي امتياز اللزمة في 31 جويلية/يولبو 1887، محررًا الحلفاء من قبضة الشركة الإنجليزية. لكن فرنسا ظلت مهتمة بالحلفاء، فتوسطت لعدة شركات أخرى، ففي سنة 1926 انتصبت شركة إنجليزية تحمل اسم "تصدير من شمال إفريقيا" لصاحبيها تيدور بول (من لندن) والدكتور دافيد روسل (من اسكتلندا)، ويقيمان في الجزائر. قامت الشركة باستغلال مناشر الحلفاء بسبيطلة والقصرين وماجل بالعباس وتلابت وجلمة بالوسط الغربي للبلاد، وبوغرارة وجرجيس بالجنوب. وفي سنة 1937، وبدفع من الاحتلال الفرنسي، استقرت في سوق الحلفاء بالبلاد التونسية "الشركة العامة للحلفاء"، وهي شركة جزائرية فرنسية، وممثلها في تونس السيد جون حياة، وهو حلفائي فرنسي له بحوث علمية حول نبتة الحلفاء ويقيم في فريانة بالقصرين، وله دراية بالأسواق المحلية، ويملك مخازن للحلفاء.

كما فتحت عدة شركات أوروبية أخرى، وخاصة الإنجليزية، مكاتب لها بتونس محتكرة لعدة مناشر للحلفاء، وتشير الأرقام إلى أن استغلال هذه الشركات لمجال الحلفاء كان فاحشًا ومجحفًا وقاسيًا، ولم يراعِ العوامل المناخية أو الاجتماعية.

كيف يتم قلع الحلفاء، وهل هناك بروتوكول خاص بتقسيم العمل؟

كان هناك تقسيم في العمل فيما يشبه البروتوكول: يقوم أب العائلة بالقلع حسب قانون متوارث وواضح، ثم حملها في الشباك على ظهور الدواب. مهمة النساء كانت الفرز والنشر وتلوين الحلفاء، ومن ثمة ضفرها وصنع بعض المنتوجات للاستغلال المحلي وبيعها. وكان الأطفال يشاركون كمساعدين ليتعلموا مهنة الآباء. وللتوضيح، عملية تلوين الحلفاء تتم بمواد طبيعية على غرار الكركم للحصول على اللون الأصفر، والبيتراف (الشمندر) للحصول على اللون الوردي، ونبتة الحميضة وقشور الرمان للحصول على درجات مختلفة من اللون البني.

رضوان حدادي: يقوم أب العائلة بالقلع حسب قانون متوارث وواضح، ثم حملها في الشباك على ظهور الدواب. مهمة النساء كانت الفرز والنشر وتلوين الحلفاء، ومن ثمة ضفرها وصنع بعض المنتوجات للاستغلال المحلي

تاريخيًا، لا تخلو سوق تونسية من منتوجات الحلفاء، حدثنا عنها

من أشهر الأسواق التي تعرض الحلفاء نجد أسواق كل من: فريانة، ماجل بالعباس، سبيطلة (القصرين)، حاجب العيون (القيروان)، مارث (قابس). هذه الأسواق تقدم الحلفاء خامًا كما تقدمها شبه جاهزة للاستعمال في الصناعات التقليدية، وأيضًا تقدم النساء بعض الأعمال الحرفية الجاهزة. وكانت هناك دكاكين داخل هذه الأسواق تستقبل الحلفاء لتعيد بيعها للشركات، كما كانت هناك دكاكين تقايض أصحاب الحلفاء بمواد أخرى، وخاصة الحبوب والغلال والمواد الغذائية مثل الكسكسي والمحمص والبرخل ودقيق القمح وزيت الزيتون والعسل والسمن. وانتشرت أسواق الحلفاء بين 1934 و1937 وهي منظمة بأمران عليان من الباي: الأول في 1 جانفي 1927، والثاني في 11 ماي 1937.

لو نوضح بدايات تصدير الحلفاء من تونس إلى الخارج، وهل ثمة أرقام ومؤشرات تهم الكميات والوجهات؟

قبل الحرب العالمية الأولى كانت الحلفاء تُصدر أساسًا إلى بريطانيا، وتحديدًا إلى مصانع عجين الورق بليفربول ومانشستر عبر ميناء صفاقس، ثم تم تحويل التصدير إلى ميناء الصخيرة الذي أصبح اختصاصه تصدير الحلفاء فقط. وقد رافقت عملية الانتقال احتجاجات عملة رصيف ميناء صفاقس لأن مردودهم المالي قد تراجع. ما بين 1885 و1891، قامت الشركة الإنجليزية بتصدير ما يزيد عن 10 ملايين و653 ألف طن من الحلفاء الخام، وتصدرت بذلك المرتبة الأولى عالميًا من حيث الكمية. وفي نفس الفترة تم تصدير ما يقارب 419 ألف طن إلى فرنسا، وكان ميناء مرسيليا يستقبل كل هذه الكميات.

كما أصبحت هناك منافسة بين الحلفاء التونسية والإسبانية والجزائرية، علمًا أن إسبانيا تتصدر المرتبة الأولى عالميًا من حيث المساحة والإنتاج والتحويل، ثم الجزائر في المرتبة الثانية، لتأتي تونس في المرتبة الرابعة يليها المغرب في المرتبة الخامسة. لكن جودة الحلفاء تختلف من بلد إلى آخر، والحلفاء التونسية من النوع الجيد الذي ينتج عجينًا صلبًا يمكن تحويله إلى ورق فاخر.

الباحث رضوان حدادي: كانت الحلفاء تُصدر أساسًا إلى بريطانيا، وتحديدًا إلى مصانع عجين الورق بليفربول ومانشستر عبر ميناء صفاقس، ثم تم تحويل التصدير إلى ميناء الصخيرة الذي أصبح اختصاصه تصدير الحلفاء فقط

ما هو الوقت المناسب لقلع الحلفاء؟

لا تحصد الحلفاء إلا بعد اكتمال نموها وهي فترة البلوغ. تتكون ساق نبتة الحلفاء من جزئين: جزء ظاهر للعيان يتجاوز طوله المتر في بعض مناطق جهة القصرين بالوسط الغربي لتونس، وجزء باطن بباطن الأرض يسمى "الغمد"، وهو المسؤول عن تطور النبتة ونموها وتوسعها. النقطة الفاصلة بين الجزئين هي مفصل يسمى "المتين"، وعملية الجني المتمثلة في فصل الجزء العلوي من الغمد تتطلب خبرة وقوة بدنية حتى لا يقع الضرر للنبتة.

تقنيات قلع الحلفاء هي نفسها التي اخترعها الأجداد منذ القديم، وما زالت متواصلة حتى اليوم. تتطلب عملية اقتلاع الحلفاء دراية وقوة جسدية بواسطة عصا خشبية صلبة تسمى "القلاع" (لا يتجاوز طولها 40 صم)، حيث يلف حولها الجزء الظاهر من النبتة ثم يسحب بقوة من الغمد بتحريكها. القلع أغلبه في الخريف، لذلك نطلق على الفاعلين كلمة "الخرافة"، وهذا الدور تلعبه عادة النسوة، ثم الأبناء والرجال دورهم هو حمل الحلفاء ونشرها وخزنها وبيعها في الأسواق. هذا هو البروتوكول المتوارث منذ القدم.

في الفترة الاستعمارية، يعتبر يوم 6 فيفري/شباط من كل سنة بداية موسم الحلفاء في تونس، وينتهي في 6 ماي/آيار.

إلى جانب التاريخ الاقتصادي والاجتماعي الطويل للحلفاء، باعتبارها موردًا طبيعيًا لجزء من التونسيين على غرار قبائل الهمامة والفراشيش وماجل.. هل لها قيمة ثقافية؟

تقريبا كل الأشغال الفلاحية والحرفية في البرّ والبحر، والتي تتطلب جهدًا بدنيًا، كان يتم التغلب على قسوتها بالفن والغناء العفوي. فهي تولد غنائها وأشعارها وأهازيجها الخاصة بها من رحم تلك الأفعال القاسية. وقلع الحلفاء كان عملًا شاقًا، وبمرور الزمن أنتجت القلاعة رصيدها الخاص من الأهازيج والأغنيات التي تُغنى أثناء قطع الحلفاء، ولا زالت متوارثة إلى اليوم. ترددها الجبال المحاذية لتفيض على القلوب فتمسح عنها التعب. فعندما ينطلق الصوت الحزين، يطرب له كل القلاعة وتهتز النفوس فتشحذ الهمم وتقوى. هذه الأغاني تشحن القلاعة، وتقوي عزائمهم وترفعهم إلى ما بعد التعب الجسدي والظروف القاسية.

 

لم تهتم دولة الاستقلال بقطاع الحلفاء الاهتمام اللازم والكافي، رغم أهميته ودوره في تغذية موارد الدولة

 

 

أغاني الحلفاء، كغيرها من الأغاني الخاصة بموسم جني الزيتون أو مواسم الحصاد أو أغاني البحارة، تركز على الكلمات وعمق المعنى أكثر من تركيزها على الألحان والجانب الموسيقي. فهي لا ترافقها آلات، بل يتصدر الصوت الحزين ليقول كلمات حزينة، ليصنع في ذهن المتلقي مشهدًا دراميًا نابتا من أرض الواقع. إنها تسريد لقصص معاشة تحكي التعب والحب والظلم والمعاناة.

هناك أغنية تُغنى إلى اليوم في الوسط الغربي وقد سجلناها بصوت القلاع الطيب الهرهوري بهنشير الشرايع بالقصرين، وهي أغنية ترفع المعنويات تقول:

"نعيش نتمع ونعبي شباكي

نهرّ ونشق الزمنة ونرتع

ونهز الأمين يوزن ليّ.. الحلفاء غالية ومسميّة

الحلفاء قنطار غالي بيها تكسب عشرة لاف وميّا.."

وأغاني حزينة أخرى تروي قصة قلاعة شابة تزوجت بعيدًا عن أهلها:

"الحلفاء راكي عليتيني.. لا أميمة ولا أخية تجيني

الحلفاء سليتي عروقي ولا أميمة الحنانة عليّا توقي

لزتني عليك الهانة… طلي عليّا يا أميمة الحنانة.."

كما هناك أهازيج قديمة مرتبطة بأبناء الحلفاء، ذات النفس الحزين الحالم بتغيير المصير، وما زالت متداولة:

"الريح الغربي هب على إيدينا بردها.. مريضة ولا من فقدها

آه يا حصّاد جيتكم بالجاه، خلّو الحلة وأرووني بشربة من القلة

صوابع إيدي تمدو للبرد القاسي.. وجع القلب زادو راسي.."

وأغاني أهل الحلفاء تعكس الشقاء والتعب والضنى الذي تتعرض له القلاعة من النساء:

"ويا خرجت الصبحة، نبكّر نايا وقلاعي، والعيشة راهي من ذراعي..

ساري وإلا مصبح سلملي على خالي تربح.."

تظهر هذه الأغاني هموم المرأة وهواجسها، وتختزن العواطف والأحاسيس الإنسانية لتلك الفترة التاريخية. كما تتحول هذه الألحان والكلمات إلى وثائق شاهدة على الحياة اليومية للتونسي في لحظات تاريخية سابقة.

لم تهتم دولة الاستقلال بقطاع الحلفاء الاهتمام اللازم والكافي، رغم أهميته ودوره في تغذية موارد الدولة (رمزي العياري/الترا تونس)

 

 

كل هذا التراث الثقافي والتاريخ الاجتماعي التونسي المرتبط بمورد الحلفاء، لماذا لا يُجمع ويُهتم به في تظاهرة ثقافية تراثية؟

كانت هناك بادرة هامة تمثلت في مهرجان الحلفاء بسبيطلة بالقصرين، وقد عرفنا دورته الأولى في جويلية/يوليو 2011، وقد حضرت تلك الدورة وكانت الأحلام عالية.

وأذكر أن الشاعر البدوي الكبير "أحمد البناني" قد تغنى بالحلفاء قائلاً:

"في الحلفاء كلتها الهانة وما تسمع خصامها

كل حرة تعاون راجلها مكبوسة مجادلها

كل حرة ترتع في الزملة معبية شكابنها…"

ومن أشهر الأمثال المتداولة في تونس والمرتبطة بفعل الحلفاء نجد:

"كي الحلفاء ما طيب كان بالرزام"، والرزام هو العصا الغليظة وتستعمل لتليين المواد الصلبة…

الباحث رضوان حدادي: تقريبًا كل المناطق المنتجة لمادة الحلفاء بولاية القصرين وولاية سيدي بوزيد مشمولة بقانون الطوارئ، فتحولت إلى مناطق عسكرية مغلقة ضمن حرب تونس على الإرهاب

بعد الاستقلال أخذت تونس بزمام الأشياء على أراضيها، كيف كان التصرف في مادة الحلفاء؟ هل شملها التغيير؟

لم تهتم دولة الاستقلال بقطاع الحلفاء الاهتمام اللازم والكافي، رغم أهميته ودوره في تغذية موارد الدولة، حيث تم إهماله على حساب الاهتمام بقطاعات أخرى وجهات أخرى، فدخل التهميش وقد تم توحيد المصانع التي أنشأتها الشركة الإنجليزية والسلطات الاستعمارية في مدينة طبربة بمنوبة، ولم يتم استغلاله سوى للخزن ومصنع وادي زرود، وهي مصانع قرب مجاري مياه الأودية، وأيضًا درء للتهريب الذي يطال حلفاء الجزائر.

حتى أن مصنع القصرين تم تأسيسه سنة 1982، وهي في النهاية عملية دمج لشركتين منفصلتين، وهما الشركة الوطنية للسليلوز التي أنشأت سنة 1956 لتصنيع عجين الحلفاء، والشركة التونسية لصناعة الورق التي أنشأت سنة 1968.

الباحث رضوان حدادي: لم تهتم دولة الاستقلال بقطاع الحلفاء الاهتمام اللازم والكافي، رغم أهميته ودوره في تغذية موارد الدولة، حيث تم إهماله على حساب الاهتمام بقطاعات أخرى وجهات أخرى

والتهميش طال أيضًا الصناعات التقليدية المحلية التي تعتمد على مادة الحلفاء، والمرتبطة أساسًا بالمعاش اليومي للتونسيين بجهة السباسب وبعض جهات الجنوب التونسي، وأقصيت منتوجات الصناعات التقليدية المنجزة من الحلفاء من مسالك السياحة.

كيف هو وضع الحلفاء الآن؟

تقريبًا كل المناطق المنتجة لمادة الحلفاء بولاية القصرين وولاية سيدي بوزيد مشمولة بقانون الطوارئ، فتحولت إلى مناطق عسكرية مغلقة ضمن حرب تونس على الإرهاب.

كيف ترى مستقبل مادة الحلفاء في تونس؟

الحلفاء مورد طبيعي هام، لا بد من وضع خطة استراتيجية من أجل استغلاله الاستغلال الحسن. كما لا بد من صيانة ذاكرته وتراثه من خلال إنشاء متحف وبعث تظاهرات ثقافية وعلمية وفنية تراثية تحيي الحلفاء والحلفائيين في تونس.

الكلمات المفتاحية

القرش الأسود Black Shark

"القرش الأسود".. نجاح تونسي في تصفيات كأس العالم للروبوتات القتالية

مهندس الروبوتات عبد السلام جرّاي: وضعية المهندس التونسي صعبة وهناك بعض الجحود، رغم وجود جهود لتحسين الأوضاع من حيث الأجور وظروف العمل..


 حوار | هند بن هيمان: من المحاسبة إلى ابتكار "الجير العربي" الإيكولوجي

حوار| هند بن هيمان.. من المحاسبة إلى ابتكار "الجير العربي" الإيكولوجي

شخصية جمعت بين دقة التحليل المالي وطموح الابتكار البيئي، لتصنع قصة نجاح ملهمة تتجاوز حدود التخصص التقليدي. التقى "الترا تونس" بهند بن هيمان، التي بدأت مسيرتها بخلفية أكاديمية متينة، حيث حصلت على شهادة خبير محاسب ثم ماجستير في القانون الضريبي، لكنها لم تكتفِ بالعمل في المكاتب، بل فضلت الدخول في عالم الاستشارات الإدارية لتكتشف نقاط القوة الكامنة في الشركات وتساعدها على النمو والهيكلة


لسعد جردة الشابي متمسك بالتعويل على المدرب التونسي.. وهناك استخفاف به رغم كفاءته.png

حوار| لسعد جردة: متمسك بالتعويل على المدرب التونسي وهناك استخفاف به رغم كفاءته

لسعد جردة لـ"الترا تونس": من باب حسن التدبير أن نجمع في اختيار مدرب للمنتخب التونسي، بين القيمة الفنيّة والإمكانيّات الماديّة


علياء المنشاري أول قائدة طائرة.jpg

التونسية علياء المنشاري.. هذه قصة أول قائدة طائرة في العالم العربي

مقابلة لـ"الترا تونس" مع علياء المنشاري أوّل امرأة في تونس والعالم  العربي والإفريقي تقود الطائرة.

تقلبات جوية منتظرة.. رياح قوية جدًا تصل إلى 100 كلم/س مع أمطار غزيرة
منوعات

طقس تونس.. رياح قوية وأمطار رعدية في بعض المناطق

أفاد المعهد الوطني للرصد الجوي بأنّ طقس تونس يوم الجمعة 13 فيفري 2026 يتميز بسحب عابرة تكون أحيانًا كثيفة تدريجيًا آخر النهار بالمناطق الغربية للشمال والوسط، مع أمطار متفرقة ومؤقتًا رعدية، لتشمل محليًا الجهات الشرقية أثناء الليل

عمال شركة سانوفي يقرّون إضرابًا إثر اعتزام الشركة إيقاف نشاطها بتونس
مجتمع

عمال شركة "Sanofi" يقرّون إضرابًا إثر اعتزام الشركة إيقاف نشاطها بتونس

الاتحاد الجهوي للشغل بتونس يمدّد بقرار شركة "سانوفي أفانتيس تونس" (Sanofi) إيقاف نشاطها في تونس، وهو القرار الذي وصفته الهياكل النقابية بالتعسفي وغير المبرر اقتصاديًا


هل تدق أمطار 2026 صفارة الإنذار؟ مختصّون يفكّكون أزمة التخطيط في تونس
مجتمع

هل تدق أمطار 2026 صفارة الإنذار؟ مختصّون يفكّكون أزمة التخطيط في تونس

رئيس غرفة الباعثين العقاريين لـ"الترا تونس": المشكل الأساسي يكمن في تفشي البناء العشوائي، الذي تمثّل نسبته 54% من البنايات المنجزة دون رخصة بناء.. وأصغر مثال تهيئة في تونس عمره 16 سنة

قصر صقانس المنستير متحف الحبيب بورقيبة
منوعات

قصر صقانس بالمنستير.. ذاكرة التحديث في تونس البورقيبية

قصر صقانس بالمنستير جاء تشييده في سياق الرؤية التحديثيّة التي كانت تسكن العقل السياسي للزعيم الحبيب بورقيبة، وقد صرّح بذلك في أكثر من مكان. وقد حازت مدينة المنستير مسقط رأس الزعيم النصيب الأوفر من إنجازات المهندس المعماري "كاكوب".

الأكثر قراءة

1
اقتصاد

حوار | مستشار جبائي: المواطن يميل للاحتفاظ بـ"الكاش" والدفع الإلكتروني محدود


2
سیاسة

محاكمة أحمد صواب.. دعوات متجددة للإفراج عنه تزامنًا مع أولى جلسات الاستئناف


3
اقتصاد

البنك المركزي يُبقي على نسبة الفائدة دون تغيير.. ما التداعيات الممكنة؟


4
سیاسة

نقابيون معارضون: نسبة نجاح المؤتمر القادم لاتحاد الشغل ضعيفة جدًا


5
منوعات

صبري اللموشي: فخور بتدريب منتخب تونس وهذا أكبر تحدٍ لي