حوار| المقاوم حمادي غرس يتحدث عن الصراع اليوسفي البورقيبي والاستقلال وما بعده

حوار| المقاوم حمادي غرس يتحدث عن الصراع اليوسفي البورقيبي والاستقلال وما بعده

حكم على حمادي غرس بالسجن لمقاومته الاحتلال الفرنسي، وقضى فيه سنوات بعد الاستقلال في إطار تصفية بورقيبة للمعارضة (رجاء غرسة/ الترا تونس)

 

عملية أشبه برحلة عبر الزمن لعقود إلى الوراء وتحديدًا فترة الاحتلال الفرنسي لتونس، جرائم فرنسا وبداية الكفاح المسلح ومفاوضات الاستقلال الداخلي ثم إعلان الاستقلال التام وبروز الشرخ بين رمزي الحركة التحريرية في تونس بورقيبة وصالح بن يوسف وأثرها.  

هي فترة يستحضرها ضيفنا المناضل الوطني محمد صالح غرس المعروف بحمادي غرس كأنها وقعت بالأمس. حكم عليه بالسجن لمقاومته الاحتلال الفرنسي، وقضى فيه سنوات بعد الاستقلال في إطار تصفية بورقيبة للمعارضة.

الشاهد على العصر، لم يخف حسرة على مرحلة كفاح استقلال منقوصة لم تكتمل وغيرة على تاريخ أُسقط جزء منه وغضبًا على نكران متواصل لنضالات شهداء الوطن واسم قاتل الآلاف منهم معلّق في عدة شوارع تونسية.  

 هذه المحاور وغيرها كانت موضوع الحوار التالي لـ"الترا تونس":

  • يرجع البعض جذور الصراع اليوسفي البورقيبي إلى طموح سياسي لدى صالح بن يوسف لخلافة بورقيبة في رئاسة الحزب، هل هذا صحيح؟

لا أبدًا، هذا الكلام مجانب للصواب، لأن الخلاف هو حضاري وهووي، راجع إلى أن بورقيبة خلال المفاوضات السرية مع فرنسا سنة 1955 أراد الزج بتونس في الوحدة الفرنسية. لكن صالح بن يوسف رفض ذلك وتمسّك بأن تكون تونس في فلكها المغاربي والعربي والإسلامي.

  • سنة 1952 كانت سنة مفصلية في مسار المقاومة للاحتلال الفرنسي؟  

العملية بدأت إثر رد فرنسا على وزارة الخارجية يوم 15 ديسمبر/كانون الأول 1951 برفض إصلاحات  طلبها الوزير محمد شنيق من الحكومة الفرنسية الوزير.   

حمادي غرس: بورقيبة خلال المفاوضات السرية مع فرنسا سنة 1955 أراد الزج بتونس في الوحدة الفرنسية، لكن صالح بن يوسف رفض ذلك وتمسّك بأن تكون تونس في فلكها المغاربي والعربي والإسلامي

أزعج هذا الرفض الوطنين وخاصة الحزب الحر الدستوري التونسي بقيادة الزعيم الحبيب برقيبة. هذا الرفض اعتبروه تحديًا وإهانة واحتقارًا للتونسية، وإنكارًا لصوتهم وحقهم.

قرر الحزب لذلك عقد مؤتمر يوم 15 جانفي/ يناير 1952 وقرر بعده الدخول في المطالبة الجدية بالحقوق سواء عن طريق المظاهرات أو بطرق نضالية مختلفة.

وقرر أيضًا تقديم قضية ضد السلط الفرنسية لمجلس الأمم المتحدة المنعقد في باريس فكلفوا صالح بن يوسف الأمين العام للحزب الحر الدستوري التونسي وكذلك حمادي بدرة عضوًا في الحزب القديم للقيام بالمهمة.  فرنسا شعرت بحركة التونسيين فأرسلت مقيمًا عامًا جديدًا قدم على متن سفينة عسكرية وأبدى مظهر القوة. وهدد الأمين باي وطلب منه إقالة الوزارة لكنه رفض. فتجاهل الباي وقرر اعتقال وزراء ومسؤولين في الحزب. فكانت تلك بداية المشكل والشرارة.

في الأثناء، كان مؤتمر الحزب سريًا واللائحة التي خرجت بأنه حان الوقت لأن يطلب التونسيون حقوقهم بأي طريقة كانت خاصة وأن هناك اقتناع وأن السلط الفرنسية لا تبدي أي باب للتفاهم. وخرجت أوامر الحزب عن طريق الشعب لجميع الدستوريين للأخذ بزمام الأمور والنزول للميدان للتعبير عن السخط من التجاهل الفرنسي ولم يكن هناك تحضير مسبق.

اقرأ/ي أيضًا: عبد العزيز الثعالبي.. مؤسس الحزب الدستوري ورائد الحركة الإصلاحية في تونس

لكن المقيم العام جون دو هوت كلوك ورئيس أركانه قاربي قرّرا مواجهة المظاهرات والإضرابات بالعنف لرعب المتظاهرين. وقتل في المظاهرات ثلاثة مسؤولين عسكريين فرنسيين في سوسة ومنزل تميم وفي غار الملح، خلال تصدّيهم للمظاهرات.

ردة فعل الفرنسيين كانت لا تطاق فذهبت قوات عسكرية إلى تازركة وأخرجوا الرجال من بيوتهم وجمعوهم في الساحة تحت حراسة مشددة وانتهكوا حرمة البيوت واغتصبوا النساء وقتلوا 3 أو 4 رضّع وهو ما لم يحصل من قبل، وقتلوا من حاول نجدة النساء رميًا بالرصاص، عبثوا بالمؤن ونسفوا عددًا من المنازل. وثّقت هذه العملية في كتاب الأمم المتحدة، بعد معاينة خبراء للواقعة.

وأعتقد شخصيًا أن الاختيار على هذه المدينة يعود إلى أنه لم يكن فيها فرنسيين، مع العلم أن العملية تكرّرت في مناطق أخرى ولكن بوحشية أقل.  

خيّل لفرنسا أن هذه العملية ستؤثر على الوطنين وتردع تصرفاتهم ولكنها بالعكس، شنجت الشعب وكانت اليقين والقناعة بمقولة "نموت نموت ويحيا الوطن". فلا يمكن بطبيعة الحال للمظاهرات والإضرابات أن تضع حدًا لإجرام من هذا النمط.

وهنا جاءت الفكرة في جمع السلاح وتكوين فرق للمقاومة سواء في المدن أو في الجبال.

وكان هناك من هو مكلف بتحضير المفرقعات التي كانت بسيطة وصُنعت من الديناميت ومواد أخرى، يوفرها بعض الصيادين وأصحاب مقاطع الحجارة وكذلك فضلة باي والناصر باي.

كيف كانت الاغتيالات السياسية سلاحًا لدى الاحتلال الفرنسي لضرب المقاومة؟

كان التركيز على القضاء على المسؤولين الوطنيين في تونس، في ديسمبر/كانون الأول 1952 اليد الحمراء تغتال الشهيد فرحات حشاد لتفطنهم بأنه كان على اتصال بالأوساط الحزبية ولم يتمكنوا من اعتقاله لاتصاله بالمنظمات العالمية لذلك اغتيل. وكان الاغتيال شرارة أخرى للثورة.

حمادي غرس: بعد الاستقلال تم القبض على أفراد من عصابة اليد الحمراء لكن بطلب من بورقيبة تم إطلاق سراحهم وترحيلهم إلى فرنسا، رغم تورطهم في قتل زعماء ومسؤولين وطنيين

في 7 أو 8 جويلية/يوليو 1953، قُتل الدكتور عبد الرحمن مامي. كان طبيب الملك محمد الأمين واكتشفوا أنه في آن واحد مستشاره وباتصال مع الحزب وجلبه للوطنية وللوطنيين.

قتلت أيضًا الهادي شاكر وأولاد حفوز.

للأسف بعد الاستقلال، تم القبض على أفراد من عصابة اليد الحمراء لكن بطلب من بورقيبة تم إطلاق سراحهم وترحيلهم إلى فرنسا، رغم تورطهم في قتل زعماء ومسؤولين وطنيين.

  • كيف كان تأثير المقاومة المسلحة وخاصة الصعود للجبال على السلطات الاستعمارية؟

الصعود إلى الجبل كان تقريبًا في جوان/يونيو أو جولية/يوليو 1953، هذا ما علمنا به نحن في المدن، بلغ إلى مسامعنا، أنا والساسي لسود والأزهر الشرايطي والطيب الزلاق والطاهر الأسود، ولم يكن هناك أي اتصال فيما بيننا.

سنة 1954، كنا نحن فريق المرحوم القائد رضا بن عمار الوطني والدستوري الذي يؤمن بوحدة المغرب العربي وله علاقة متينة ببن بلة. ألقي القبض علينا وتم سجننا في تونس ثم باردو في سجن الزندالة قبل أن نتمكن من الهرب بحفر حائط بسمك أكثر من مترين.

وبعد تعذر العودة للمقاومة في ولاية سوسة كانت فكرة الحزب في تهريبنا إلى طرابلس والاتصال برئيس مكتب في طرابلس علي الزليطني، ثم الذهاب إلى مصر للتدرب على تدريب المقاومين بين مارس/آذار وجويلية/يوليو 1954  في انتظار أوامر إدارة الحزب في تونس للعودة لتدريب المقاومين في الجبهات وتحديد الوجهة.

في الأثناء، بلغنا أن الحكومة الفرنسية اتصلت ببورقيبة لإيجاد حل في تونس.

من جويلية/يوليو 1953 إلى جويلية/يوليو 1954، صعود المقاومين للجبل والنظام الذي حصل في المدن أدخل الرعب في الجالية الفرنسية في تونس وهذا ما دفع رئيس الحكومة الفرنسية للتنازل وطلب إيجاد حل سلمي للموضوع من بورقيبة.

بعد اغتيال الدكتور مامي تم يوم 23 جويلية/يوليو قتل الكولونيل دو لا بايون المشرف على جيوش الملك. وصلنا لدرجة في تونس أن عملية القتل يُردّ عليها بعملية قتل، وهذا ما أرعب الجالية ودفع فرنسا للتفاوض على حل سلمي مع بورقيبة.

لكن هناك شيء ذو أهمية يفسر اقتناع فرنسا بالتفاوض مع بورقيبة أيضًا هو أن المقاومين التونسيين الذين حكم عليهم بالإعدام وخلال تنفيذ الحكم عليهم في السيجومي ينطقون بالشهادة سرًّا ويصيحون "يحيا بورقيبة" خلال إطلاق النار عليهم وهو ما جعل فرنسا تقتنع أن الثورة تحت بورقيبة.

حمادي غرس: منداس فرانس اتصل ببورقيبة وأخرجه من إقامته الجبرية في جزيرة غروا في فرنسا واعتبره المفاوض بالرغم من أنه لم يكن لديه أي موقع رسمي، كان فقط رئيس حزب غير معترف به في فرنسا من الأساس

ويجب التذكير بأن بورقيبة ناضل طيلة 20 سنة منذ 1934 ولم توله فرنسا أي اهتمام أو قيمة نظرًا لأن رؤساء الجالية في تونس لديهم اتصالات مع اليمينيين في برلمان باريس ويفرضون على الحكومة كي لا يتم الاتفاق مع الدستوريين وخاصة مع بورقيبة كان لهم عدو رغم أن بورقيبة كان يبدي لينًا.

اندهشنا عندما سمعنا أن رئيس الحكومة الفرنسي رأسًا هو من بادر بطلب مفاوضة بورقيبة، وهو مؤشر على حجم الخطر. المفارقة هو أنه في 15 جانفي/يناير 1951 قالوا لنا إنها كانت مجرد رسالة وليس هناك اتفاق.

منداس فرانس اتصل ببورقيبة وأخرجه من إقامته الجبرية في جزيرة غروا في فرنسا وأسكنه في قصر في باريس واعتبره هو المفاوض بالرغم من أنه لم يكن لديه أي موقع رسمي، كان فقط رئيس حزب غير معترف به في فرنسا من الأساس، متجاهلين الباي والحكومة الرسمية.

  • ماهي المؤاخذات التي كانت على هذه المفاوضات؟

ما ستكشفه الأحداث فيما بعد، وهو ما يثير التساؤل، هو أن بورقيبة دخل في مفاوضات وهو رئيس الحزب الذي يتضمن أيضًا مسؤولين آخرين لم يطلب مشاركة أحدهم وكان منداس فرانس مرفوقًا بمجموعة. هذه المفاوضات سرية أو شبه سرية لم يتم الإعلان عنها. تمت بين 20 و30 جويلية/يوليو 1954، يوم 31 جويلية/يوليو منداس فرانس يذهب للملك ويعلن قرار فرنسا منح تونس الحكم الذاتي.

بورقيبة في باريس قدم تصريحًا يوم 3 أوت/أغسطس 1954 لإذاعة لوكسبورغ بأن الدول التي كانت تحت الاستعمار لا يمكن لها الاستقلال تمامًا لا بد من ترك نصيب وافر من سيادتهم للدولة التي كانت مستعمرتهم مقابل أن تساعدهم على البناء، بمعنى أن التونسيين ليسوا أهلًا ليكونوا أحرارًا أو ليتحكموا في مصيرهم. بمعنى أن بورقيبة قرر التخلي على جزء من السيادة لتساعد فرنسا التونسيين.

وهو ما لا يقبل من جميع نواحيه وخاصة وهو رئيس حزب ليست لديه أي خطة رسمية.

اقرأ/ي أيضًا: عن السينما التونسية وملاحم الذاكرة الوطنية

يوم 4 أوت/أغسطس قدم بورقيبة تصريحًا لجريدة لوموند بأن "الفلاقة" لم يعد لديهم سبب للجهاد، وتجدر الإشارة إلى أنه لم يكن لدينا أبدًا فلاقة في تونس وكل المقاومين في الجبال هم لبوا دعوة 18 جانفي/يناير 1952، وفرنسا هي التي كانت تطلق عليهم اسم "فلاقة" بنية تقزيمهم.

ومن المستحيل أن يقبل المقاوم التونسي صفة "فلاق".

بقية التصريح يوجه فيه رسالة إلى الجالية الفرنسية في تونس لتطمينهم بسلامتهم وسلامة أرزاقهم، في حين كانت ثلاثة أرباع أرزاقهم وأملاكهم سرقة وخطف ونهب لممتلكات التونسيين.

حمادي غرس: الاستقلال كان مجرد حبر على ورق. وقد فرض بورقيبة على الطاهر بن عمار والباهي الأدغم أن يوقعوا للفرنسيين على وثيقة الاستقلال الداخلي

هذا كان مثيرًا للاستغراب، بورقيبة عوض أن يهنئ التونسيين الذين تحمّلوا أعباء المقاومة وإجرام الفرنسيين، يهنئ الأعداء، في حين أن الثوار والمقاومين مازالوا في الجبال آنذاك، وهو ما دفع لمعارضته.

حسب رأيي المدة التي شهدت لقاءات بين بورقيبة ومنداس فرانس لم تكن هناك مفاوضات، بل كانت صفقة بالاعتراف به كجهة رسمية للتفاوض والاعتراف بحزبه الذي كان محجّرًا مقابل التخلي على سيادة تونس. وهو سببُ بداية الشرخ في صفوف التونسيين.

المعارضة كانت تعتبرها مسألة سيادة وطنية ومسألة أخلاقية وكرامة.

  • هل كان ذلك تقديمًا لما ستتضمنه اتفاقيات الاستقلال الداخلي؟

تم تكليف 3 مسؤولين بالتفاوض على أن يبقى بورقيبة في باريس كمسؤول على التفاوض.

كنا في طرابلس في انتظار أوامر الانضمام للمقاومة في تونس والمعلومات حول المفاوضات كانت منعدمة. فجأة بلغنا في شهر ديسمبر/كانون الأول 1954 أن المجاهدين سلموا السلاح للقوات الفرنسية وكان ذلك شرطًا للتفاوض.

كانت صدمة كبيرة، والأدهى والأمرّ أن مفاوضات التسليم تمت في السفارة الفرنسية في أول أسبوع في شهر ديسمبر/كانون الأول 1954، بعد شهر من اندلاع الثورة الجزائرية التي كنا في انتظارها بتاريخ 1 نوفمبر/تشرين الثاني.

وتسببت هذه الواقعة في عدة مشاكل لاحقًا.  

  • كيف كان وقع اتفاقيات الاستقلال الداخلي على التونسيين؟

بقيت المسألة سرًّا والتفاوض بخصوص اتفاقيات 3 جوان/يونيو 1955 التي انطلقت في سبتمبر/أيلول 1954 ولم يطّلع عليها أحد باستثناء بورقيبة والمفاوضين الثلاثة. لم يتم الإفصاح عن أي معطيات إلى حين صدورها في الرائد الرسمي سبتمبر/أيلول 1955 ليكتشف التونسيون حقيقة هذا الاستقلال. وهو في الحقيقة خطوة للوراء لأن هناك بنودًا في اتفاقية باردو عام 1881 تم تعزيزها.

لا يوجد جيش تونسي، بينما فرنسا لديها كل الإمكانيات من دفاع وتمثيل دبلوماسي وجمارك وقضاء. حتى أن اللغة الرسمية في بنزرت، وفي منطقة أخرى في الجنوب، كانت آنذاك اللغة الفرنسية.

الاستقلال كان مجرد حبر على ورق.

وكان بورقيبة، كرئيس حزب، قد فرض على الطاهر بن عمار وعلى الباهي الأدغم الأمين العام للحزب أن يوقعوا للفرنسيين على وثيقة الاستقلال الداخلي.

حمادي غرس: إلى حد اليوم لا أستطيع الاحتفال، أشعر أن الاستقلال منقوص، لأنه تم العبث بهوية تونس وحضارتها لمدة ستين عامًا

وكان ذلك بمثابة الغدر لتونس وللتونسيين. وبقيت بنزرت محتلة بعد التوقيع على وثيقة الاستقلال الداخلي بـ 5 سنوات، سقط خلالها أكثر من 10 آلاف بين شهداء وجرحى ومفقودين.

اقرأ/ي أيضًا: راضية الحدّاد.. سراج النسوية الوهّاج

صالح بن يوسف عاد إلى تونس وأسس الأمانة العامة وبعث المعارضة إلى غاية 28 جانفي/يناير.

وعادت المقاومة في المدن والجبال بقيادة الطيب الزلاق والطاهر الأسود ومحمد قرفة. واندلعت ثورة من جديد، خطورتها أقوى من الأولى خاصة وقد كان قادتها في اتصال مباشر بالأشقاء الجزائرين.

ولم يرد الفرنسيون آنذاك التورط مع المعارضين، فمكنوا بورقيبة من السلاح. وصارت تتبعات وفظاعات، وتم العمل على القضاء على المعارضة في البلاد خاصة مع التحضير لمجلس تأسيسي. عندها تم تنصيب "صباط الظلام".

وكان حوالي 80 % ممن في الحزب يدعمون صالح بن يوسف، في حين مارس البقية تصفية الحسابات والتعذيب ضد المعارضة.

  • أنت كنت جزءًا من تلك الفترة، هل تعتبر أن بورقيبة خان المقاومين والقضية الوطنية؟

الباهي الأدغم الذي كان في وقت من الأوقات الوزير الأول لبورقيبة قال إن بورقيبة ارتكب خيانة عظمى.  

لكن بالنسبة لي فأقول إن بورقيبة كان سيء النوايا منذ البداية، وغدر بالمقاومة.

  • هل تعتقد أن الرواية الرسمية أمينة للحقيقة التاريخية؟

الفترة الممتدة من 29 جانفي/ يناير إلى 20 مارس/آذار 1956، هي عبارة عن  فترة تاريخية ممحية وغير موجودة. لم يكن هناك حديث عن ثورة أو مقاومين أو عن ثوار في الميدان أو عن استئصال فرنسا المعارضين وملاحقتهم.

كما لم يكن هناك حديث عن منح فرنسا استقلال تونس التام بعد 8 أشهر من اتفاقيات الاستقلال الداخلي، بسبب تخوفها من الاتصال الذي حصل بين المقاومين التونسيين والجزائريين وما من شأن ذلك أن يمثله من خطورة على كامل جبهة شمال إفريقيا.

  • هل في إحياء ذكرى مختلف محطات معركة الاستقلال رد اعتبار للمناضلين برأيك؟

أنا إلى حد اليوم لا أستطيع الاحتفال، أشعر أن الاستقلال منقوص، لأنه تم العبث بهوية تونس وحضارتها لمدة ستين عامًا. أتمنى إنصاف الشهداء وإنصاف تونس.

حمادي غرس: آمل أن تتم إزالة اسم مجرم الحرب "شارل ديغول" من العاصمة ومن بقية الشوارع، فتخليد اسمه نكران لتضحيات الشهداء ودمائهم

كما آمل أن تتم إزالة اسم مجرم الحرب "شارل ديغول" من العاصمة ومن بقية الشوارع، فتخليد اسمه نكران لتضحيات الشهداء ودمائهم.  


نسخة من مطلب بتغيير اسم "نهج شارل ديغول" وجهه غرس لبلدية تونس في ديسمبر 2011 (رجاء غرسة/الترا تونس)

هذا الاسم الذي فرض علينا تخليده من النظام الاستعماري سنة 1945.  وجوده وصمة عار للتونسيين، خاصة وهو الذي أمر جنوده الفرنسيين خلال أحداث بنزرت سنة 1961، عندما كان رئيس حكومة بأن يضربوا بقوة وسريعًا، وهو ما سبب سقوط آلاف التونسيين بسبب استعمال أسلحة محظورة دوليًا وقنابل محرقة وعنقودية، ثم بعد ذلك يهنئ جنوده بالشجاعة التي أبدوها في قتل التونسيين.

بعد الثورة، تقدمت بثلاثة مطالب بتغيير اسم "نهج شارل ديغول" لبلدية تونس، ولم يتم الرد عليها. وتقدمت بقضايا لدى المحكمة الإدارية ومازلت في انتظار إنصاف الشهداء والضحايا الذين أدين لهم بالولاء منذ أن أديت اليمين بالإخلاص لتونس ولزملائي المقاومين عام 1952.

دون أن ننكر دور السياسيين، يرجع فضل الاستقلال إلى الشهداء والمجاهدين الذين دفعوا فرنسا إلى إعلان الاستقلال التام خلال 8 أشهر من اتفاقية 1955. لذا من أوكد الواجبات الاعتراف بجميلهم.

  • كيف تقرأ الأزمة السياسية الحالية؟

أعتقد أن الفتنة التي بدأت سنوات 54 و55 و56 تواصلت 30 سنة خلال فترة حكم بورقيبة وأكثر من عشرين سنة خلال فترة حكم بن علي.

وكما تم الركوب على شهداء التحرير سابقًا يتم اليوم الركوب على شهداء الثورة.

لا بدّ من رجوع الحكماء وإعادة التأمل وتحليل التاريخ ودراسته بصفة موضوعية وعقلانية.


مراسلة "الترا تونس" رجاء غرسة في مقابلة مع المناضل الوطني حمادي غرس 

 

اقرأ/ي أيضًا:

ربح الشرايطي: نناشد رئيس الدولة تمكيننا من رفات المناضل الأزهر الشرايطي (حوار)

الدعم التونسي للثورة الجزائرية.. تاريخ من النضال المشترك بين البلدين