حوار| المؤرخ عبد الجليل بوقرة: على اتحاد الشغل الثورة على "عقلية المغانم" وإلا فالاندثار
2 يناير 2026
يعدّ الاتحاد العام التونسي للشغل واحدًا من أعرق القلاع النقابية واللاعب التاريخي الذي طالما صاغ التوازنات الكبرى في تونس منذ الاستعمار وصولًا إلى "ربيع 2011"، لكن المنظمة اليوم تجد نفسها أمام مفترق طرق تاريخي، وسط عاصفة من التحديات التي تتجاوز مجرد الصراع مع السلطة لتطال بنية العمل النقابي وجدواه في العصر الحديث.
لفهم أبعاد هذه الأزمة ومآلاتها، نلتقي بالدكتور عبد الجليل بوقرة، المؤرخ الذي سبر أغوار الذاكرة الوطنية التونسية ووثّق منعرجات الحركة النقابية في تونس.
ولا يكتفي الدكتور بوقرة في هذا الحوار بسرد الوقائع، بل يشرّح الأزمة واصفًا إياها بـ "الأزمة الهيكلية" التي تتجاوز أسماء القيادات لتطال "الفلسفة والمنهج".
في هذا الحوار، يفتح بوقرة ملفات شائكة: من "وهم الشراكة" مع السلطة، إلى "فشل التفرغ النقابي"، وصولًا إلى "القطيعة" بين المنظمة وجيل الثورة التكنولوجية، في رؤية نقدية تضع اتحاد الشغل أمام خيارين لا ثالث لهما: إما المراجعة الجذرية أو الانحدار نحو الاندثار.
وصفت الأزمة داخل الاتحاد بأنها أزمة هيكلية وليست مجرد أزمة قيادة. هل يمكن أن تشرح لنا ما الذي يجعلها هيكلية في رأيك؟
إن الأزمة التي يمر بها الاتحاد هي أزمة عميقة، قديمة، وهيكلية بامتياز، تكمن جذورها في عدة مسببات جوهرية:
أولًا: لقد قام الاتحاد العام التونسي للشغل منذ تأسيسه عام 1946 على عقيدة "الشراكة" مع الحزب الدستوري الحر الجديد في معركة النضال الوطني، وكان اغتيال الشهيد فرحات حشاد عام 1952 خير دليل على الدور الوطني المحوري الذي لعبه الاتحاد إثر اعتقال قادة الحركة الوطنية.
واستمرت هذه الشراكة بعد الاستقلال، حيث أصبح الاتحاد طرفًا في الحكم بتمثيلية وزارية واسعة، بلغت ذروتها بتكليف الأمين العام آنذاك، أحمد بن صالح، بحقائب وزارية عدة جعلت منه الرجل الأهم في الحكومة طيلة الستينيات.
المؤرخ عبد الجليل بوقرة لـ"الترا تونس": الأزمة التي يمر بها اتحاد الشغل هي أزمة عميقة وقديمة، وهيكلية بامتياز.. الاتحاد أخفق في استيعاب المتغيرات، وظل حبيس عقلية الستينيات والسبعينيات ولم يطور استراتيجيته لمخاطبة الجيل الجديد
إلا أن هذا الدور انتهى جذريًا عام 1970 مع صعود الهادي نويرة، الذي تبنى رؤية مغايرة ترى في الاتحاد مجرد مكون من مكونات المجتمع المدني مثله مثل اتحاد الصناعة أو اتحاد الفلاحين يخضع لـ "ميثاق اجتماعي" تحت إشراف الدولة.
لكن الرعيل الأول من النقابيين، وعلى رأسهم الحبيب عاشور، لم يستوعبوا هذا التحول الجذري، وأصروا على التمسك بمنطق الشراكة مع الحزب الحاكم.
ورغم محاولات الإحياء المتعثرة لهذه العلاقة في الثمانينيات، إلا أنها انقطعت تمامًا بوصول زين العابدين بن علي للسلطة عام 1987، حيث استقر دور الاتحاد في خانة "المفاوض الاجتماعي" الذي يكتفي بانتزاع زيادات في الأجور كل ثلاث سنوات، وهو واقع يبدو أن النقابيين قد تأقلموا معه وقبلوه طيلة عقود.
اقرأ/ي أيضًا: استقالة نور الدين الطبوبي.. ماذا حدث داخل اتحاد الشغل وأي انعكاسات محتملة؟
استمر هذا الوضع حتى عام 2011، حين اندلعت ما يسمى بالثورة التونسية وأطاحت بنظام بن علي. ولا يمكن لأحد أن ينكر الدور الحاسم الذي لعبه الاتحاد العام التونسي للشغل في تقويض أركان ذلك النظام؛ إذ تحولت مقراته الجهوية إلى منصات لانطلاق المظاهرات، وتوج الاتحاد مساره النضالي آنذاك بإقرار إضرابات عامة في عدة جهات، ختمها بالإضراب العام في تونس العاصمة يوم 14 جانفي/يناير.
بيد أن الاتحاد، غداة سقوط النظام، سعى لاستعادة دور سياسي عبر الوساطة فيما عُرف بـ "الحوار الوطني"، وهو ما أعتبره نوعًا من "الهروب إلى الأمام"؛ فبدلًا من مراجعة دوره الوظيفي في ظل التحولات العالمية، استمر في نهجه القديم.
لقد أحدثت الثورة التكنولوجية تغييرًا جذريًا في بنية الطبقة الشغيلة، فلم نعد اليوم أمام عمال يعانون الأمية، كما تراجع ثقل القطاعين الفلاحي والصناعي لصالح تضخم قطاع الخدمات، من بنوك وتأمين وإعلام وإشهار.
ومع ذلك، أخفق الاتحاد في استيعاب هذه المتغيرات، وظل حبيس عقلية الستينيات والسبعينيات، متوهمًا أن الشغالين هم فقط عمال المناجم ومصانع الفولاذ والنقل، رغم ما تعانيه هذه القطاعات التقليدية من أزمات عميقة. إن الاتحاد لم يطور استراتيجيته لمخاطبة الجيل الجديد من "عمال الذكاء الاصطناعي" أو أولئك الذين يعملون عن بُعد مع شركات عالمية كبرى؛ فهل يجد هؤلاء مكانًا لهم داخل المنظمة؟
المؤرخ عبد الجليل بوقرة لـ"الترا تونس": إصرار اتحاد الشغل على التمسك بالتفرغ النقابي، وما يرافقه من منح وامتيازات مادية، أدى إلى حدوث فجوة بين المسؤولين النقابيين وقواعدهم، وأذكى الصراعات الداخلية سعيًا وراء "المغانم" التي توفرها المسؤولية
علاوة على ذلك، ظلت آليات العمل اليومي داخل الاتحاد جامدة فظاهرة "التفرغ النقابي" أثبتت فشلها كنموذج تنظيمي، خاصة عند مقارنتها بالتجارب النقابية العريقة في أوروبا الغربية. فمن غير المنطقي أن ينعزل النقابي عن محيطه المهني ليتفرغ في مكتب بعيد عن زملائه، فالعمل النقابي الحقيقي يقتضي معايشة مشاكل العمال وظروفهم اليومية في مواقع الإنتاج.
لكن الاتحاد أصر على التمسك بالتفرغ، وما يرافقه من منح وامتيازات مادية، مما أدى إلى حدوث فجوة بين المسؤولين النقابيين وقواعدهم، وأذكى الصراعات الداخلية سعيًا وراء "المغانم" التي توفرها المسؤولية.
وهكذا، انحرف العمل النقابي عن جوهره التطوعي القائم على التضحية، ليصبح مكسبًا يحرص الانتهازيون على الاحتفاظ به، وهو ما يفسر الالتفاف على القوانين وإلغاء الفصول التي تمنع البقاء في المسؤولية مدى الحياة.
إن هذه العوامل مجتمعة هي المحرك الفعلي للأزمة الهيكلية الراهنة؛ فالقضية لا تتعلق بأشخاص الأمين العام أو المكتب التنفيذي، فهم راحلون لا محالة، بل تكمن في ضرورة تغيير سياسة الاتحاد ونظرته للعمل النقابي، وبدون هذه المراجعة الجذرية، سيبقى الاتحاد عرضة لهزات وانتكاسات متتالية في المستقبل.
كيف يمكن خلق التوازن بين مواجهة ضغوط السلطة من جهة، وإصلاح البيت الداخلي للاتحاد من جهة أخرى؟
الحل يبدأ أولًا بالاقتناع التام بأن زمن "الشراكة" بين النقابة والسلطة قد ولى منذ السبعينيات، ولا بد للنقابيين من استيعاب هذا المتغير الجذري. فالسلطة تضطلع بدور شمولي يتعلق بمشاكل المجتمع بأسره، من أجراء وتجار وفلاحين، وليست مسؤولة حصرًا عن ملف اتحاد الشغل أو الزيادة في الأجور. وفي المقابل، يجب أن يقتصر دور الاتحاد على الدفاع عن منظوريه، تمامًا كما يفعل اتحاد الصناعة والتجارة مع منتسبيه.
المؤرخ عبد الجليل بوقرة لـ"الترا تونس": الأزمة التي يعيشها اتحاد الشغل اليوم هي في جوهرها أزمة داخلية أكثر منها مواجهة مع السلطة. ومع ذلك، فإنه من الواضح أن السلطة لم تعد راغبة في التعامل مع الاتحاد، بدليل انفراد الحكومة بتحديد نسب الزيادة في الأجور دون تفاوض شفاف
ثانيًا، لا بد من إنهاء "التفرغ النقابي"، ليعود النقابي إلى مباشرة عمله الميداني، ويتدخل لدى الإدارة عند الضرورة ثم يعود إلى مهامه. أما التفرغ الحقيقي، فيجب أن يكون من نصيب الخبراء المختصين في الدراسات الاقتصادية والاجتماعية وقوانين الشغل، كما هو المعمول به في أوروبا الغربية. هؤلاء تتعاقد معهم النقابة لإعداد ملفات تقنية متكاملة، تمنح النقابيين القدرة على التفاوض بناءً على معطيات دقيقة، وتجعلهم يدركون سقف مطالبهم وحدودها.
إن إلغاء المنح والتفرغ، وإعادة الاعتبار للعمل النقابي كفعل تطوعي، كفيل بحل 80% من مشاكل الاتحاد؛ إذ سيضع حدًا لعقلية "الشركاء في الحكم". فلطالما عانى القطاع العام من تدخلات النقابات التي طالبت بنصيبها حتى في ملفات التشغيل، وما أزمة الحوض المنجمي عام 2008 إلا شاهد على ذلك، حين أدت التدخلات النقابية في نتائج المناظرات إلى إقصاء مستحقين لفائدة آخرين.
إن مصلحة البلاد والاقتصاد تقتضي فك الارتباط بين النقابة والسلطة، بحيث يلتزم كل طرف بدوره الدستوري والأخلاقي. فالمهمة هي العمل النقابي، لا أن يتحول النقابي إلى وزير أو والٍ أو سفير، كما رأينا بعد 2011 حين اختلطت الأدوار وضاعت المفاهيم. والحقيقة أن ما يعيشه الاتحاد اليوم هو مرآة لما تعيشه البلاد من خلط في الأدوار.
برأيك، هل يمكن أن تتحول الأزمة الحالية بين الاتحاد والسلطة إلى مواجهة مفتوحة؟
أستبعد حدوث مواجهة مفتوحة بالصدام المباشر كما جرى في 26 جانفي/يناير 1978 أو أزمة ما عرف "بالشرفاء" عام 1985، لكن المؤكد أن علاقة "التكامل والتشاور" القديمة قد انتهت تمامًا. الأزمة التي يعيشها الاتحاد اليوم هي في جوهرها أزمة داخلية أكثر منها مواجهة مع السلطة.
ومع ذلك، من الواضح أن السلطة لم تعد راغبة في التعامل مع الاتحاد، بدليل انفراد الحكومة بتحديد نسب الزيادة في الأجور دون تفاوض شفاف، بل وتجاهلها حتى لمطالب النواب تحت قبة البرلمان، بالكشف عن هذه النسب. كنا نأمل فتح باب التفاوض لتحديد هذه الزيادة بعيدًا عن "المساومات" والمزايدات ومنطق "السوق والدلّال"، لكن ذلك لم يحدث.
المؤرخ عبد الجليل بوقرة لـ"الترا تونس": رفض التأقلم مع الواقع الجديد هو في الحقيقة حكم بالاندثار، أما كيفية الإصلاح، فهذا شأن النقابيين وحدهم؛ فهم الأدرى ببيتهم الداخلي وبما تقتضيه متطلبات اليوم والغد
أما بخصوص الإضراب العام، فيبقى احتمالًا قائمًا لكنه محفوف بالشكوك، خاصة بعد استقالة الأمين العام نور الدين الطبوبي، التي أوحت بوجود انقسام داخلي حول هذه الخطوة. فهناك أصوات داخل القيادة طالبت بربط الإضراب بموعد المؤتمر الوطني، وهو أمر معقد إجرائيًا ويتطلب وقتًا طويلًا لجمع الهيئة الإدارية الوطنية من جديد.
اقرأ/ي أيضًا: آثار استقالة نور الدين الطبوبي.. بين الإضراب والمؤتمر
ختامًا، الاتحاد اليوم مفتوح على كل الاحتمالات، والمواجهة مع السلطة قائمة يوميًا لكن بأشكال جديدة تختلف عن السبعينيات والثمانينيات. إنني آمل أن يتجاوز النقابيون هذه الأزمة عبر مراجعة جذرية لفلسفة العمل النقابي؛ فبدون هذه المراجعة، سيكون الاتحاد، للأسف، في طريقه نحو الاندثار.
هل تتطلب هذه المراجعة الجذرية صعود جيل نقابي شاب وجديد؟
بالتأكيد، فلا يمكن لأي مجموعة أو كيان أن يظل بمنأى عن التغيير مدى الحياة. إن رفض التأقلم مع الواقع الجديد هو في الحقيقة حكم بالاندثار؛ فإما أن تتطور المنظمة لتواكب عصرها، أو ينتهي وجودها الفعلي.
العالم اليوم لا ينتظر الواقفين في أماكنهم، وإذا لم ينجح الاتحاد وكذلك تونس في ضبط إيقاعه على وقع الثورة التكنولوجية، فإن مآله سيكون صعباً للغاية. لن يتحقق الاستقرار، ولن يتوقف نزيف العقول والكفاءات المهاجرة ما لم ننخرط تمامًا في هذا التحول الرقمي والتكنولوجي، والاتحاد مُطالب اليوم قبل غيره بالانخراط في هذا المسار.
أما عن كيفية هذا الإصلاح، فهذا شأن النقابيين وحدهم؛ فهم الأدرى ببيتهم الداخلي وبما تقتضيه متطلبات اليوم والغد. لقد ولى عهد الشراكة السياسية والامتيازات المادية و"التفرغ النقابي"ّ، ويجب العودة إلى الأصل، فالحاضنة الحقيقية للاتحاد هي الشعب، وهو الذي وفر له الحماية في أصعب أزماته التاريخية.
لكن الملاحظ اليوم هو وجود فجوة خطيرة؛ فعندما يقرر الاتحاد إضرابًا في قطاعات حيوية مثل "الكنام" (الصندوق الوطني للتأمين على المرض) أو النقل أو التعليم، فمن هو المتضرر الحقيقي؟ إنه المواطن التونسي الكادح والبسيط. وهذا ما جعل الموقف الشعبي ينقلب، حيث أصبحنا نرى تهجمًا يوميًا على الاتحاد بمناسبة وبدونها، وتراجعًا ملحوظًا في الإقبال على أنشطته. هذا التراجع هو النتيجة الطبيعية لفقدان الدعم الشعبي وتآكل المصداقية في الأوساط الشعبية، وهي الرسالة التي يجب على الاتحاد فهمها جيدًا قبل فوات الأوان.

الكلمات المفتاحية

حوار| حمة الهمامي: النظام الحالي استبدادي وتونس تحتاج إلى ثورة جديدة
أمين عام حزب العمال حمة الهمامي لـ"الترا تونس": يمكن أن نقول بوضوح إن الثورة التونسية أُجهضت فعليًا، وأي حديث عن مسار ديمقراطي لا يستقيم، فنحن اليوم أمام وضع جديد يتطلب فعلًا ثورة جديدة

حوار| حسام الحامي: مبادرة العقد السياسي تهدف لتقديم بدائل للتونسيين
حسام الحامي لـ"الترا تونس": حالة الاستبداد والوضع الصعب في مجال الحقوق والحريات في تونس هي من الأسباب التي دفعتنا للتفكير في بدائل وطرح مبادرة العقد السياسي التونسي

حوار| نجيب الشابي: المعارضة في تونس مشتتة والسلطة تسعى لترهيبها وإبعادها
حوار خاص لرئيس جبهة الخلاص الوطني أحمد نجيب الشابي مع "الترا تونس"

طقس تونس.. رياح قوية وأمطار غزيرة في بعض المناطق
أفاد المعهد الوطني للرصد الجوي بأنّ طقس تونس يوم الأحد 15 فيفري 2026، سيكون أحيانًا كثيف السحب مع أمطار متفرقة بالشمال ومحليًا الوسط، وتكون مؤقتًا رعدية وأحيانًا غزيرة بأقصى الشمال الغربي، مع إمكانية تساقط البرد بأماكن محدودة

وسام الصغير: قمع الحقوق والحريات من أركان الاستبداد والفشل الاجتماعي والاقتصادي
وسام الصغير لـ"الترا تونس": تقييم الأنظمة بالمساندة أو بالنقد لا يكون بشكل دغمائي عبثي، بل يقوم على تقييم المنجز من عدمه.. وبمرور 3 سنوات على وجود السياسيين في السجون، فإنّ الأوضاع تراوح مكانها وكلّ القطاعات تعاني أزمة

جبهة الخلاص: السلطة كثّفت من حملة استهداف حرية التعبير معتمدة تطويع القانون
جبهة الخلاص الوطني: "نطالب بالإفراج عن المعتقلين السّياسيّين ونعبّر عن انخراطنا الكامل في النّضال المدني السّلمي من أجل إنهاء المظلمة المسلّطة عليهم وقد افتتح بعضهم العام الرّابع خلف القضبان دون تهمة ولا ذنب"

الرصد الجوي: درجة إنذار كبيرة بعدة ولايات وتحذيرات من رياح قوية جدًا
معهد الرصد الجوي: ندعو إلى اتخاذ جملة من الإجراءات من بينها، توخي الحذر في حركة التنقل وفي الأنشطة ذات العلاقة بالنقل الجوي والبحري، مع تجنب القيام بأنشطة ترفيهية في الخارج

