حوار| الشاعر نصر سامي: وظيفة قصيدتي أن تحميني من النّسيان

حوار| الشاعر نصر سامي: وظيفة قصيدتي أن تحميني من النّسيان

نصر سامي مثّل الشعر التونسي في العديد من التظاهرات الثقافية العربية وحصّل عدة تتويجات هامة

 

لم تكن كلية الآداب بمنوبة فضاء جامعيًا نمطيًا وجغرافيًا للأكاديميا الصرفة فحسب ، بل كانت مجرّة من ضياء يحرسها النخيل ويسيّجها المعنى وتغمرها حقائق ضد النسيان وأرضًا للمشكاة لا تنبت إلا الشّعر والفنّ. كانت قلعة بلا أسوار للمعارف وتغريبات الوافدين إليها من تخوم القرى التونسية البعيدة، وكان مدرّسوها من جهابذة القول وميكانيكا الكلام وخبراء التأويل والنقد الادبي في تونس وفي العالم من أمثال الطاهر الهمامي وجعفر ماجد ومحمد الهادي الطرابلسي ومحمد لطفي اليوسفي وفوزي الزمرلي وألفة يوسف ومحمود طرشونة وأحمد الصّمعي وعلي الغيضاوي ومحسن بلعربي...   

إلى هذه المجرّة المنوبية وفد الطالب "نصر سامي" مع بداية تسعينات القرن الماضي  يحمل معه أقباسًا من أهازيج الرعاة في ريف سيدي بوزيد وإضمامة من رسائل حب قديمة وجرابًا يحوي أقلام الرسم وبعض الدواوين الشعرية لأبي الطيب المتنبي ومحمود درويش وأوفيد وحسب الشيخ جعفر عبد الوهاب البياتي ونيكوس وتمائم بربرية لنسج شالات من زهر بري لآلهة الشعر.

كسر نصر سامي الطوق الأسطوري لبعض مجموعات الشعراء التي كانت تحجب الأصوات الجديدة وتحتكر الحياة الثقافية التونسية فكان شعاعًا وضّاءً مغايرًا بتشقيقات لغوية لم تعرفها أرض القصيدة التونسية من قبل

 كان نصر سامي يعلم علم اليقين أن طريق الشعر انطلاقًا من كلية الآداب بمنوبة وعرة وسيزيفية، لكنه تمسك بالكلمات وبأزاميله الصغيرة التي كان يخفيها في تجاويف قلبه فكان أن نشر مجموعته الشعرية الأولى "ذاكرة لاتّساع اللّغات" سنة 1996 فشكّل ذلك  حدثًا إبداعيًا وصفه جمهور الكلية بالأجرأ على مرّ التاريخ الإبداعي الطلاّبي. نصر سامي أسس بحضوره المتوهج مع "موجة شعراء التسعينات" مهرجان الشعراء الطلبة الذي كان معراجًا للعديد من الأسماء الشعرية التونسية وكسر بمطرقة نيتشوية أسوار الكلية في اتجاه المنابر الشعرية التونسية والعربية ونشر قصائده بالصحف الثقافية وبات له جمهور كبير من الطلبة وغير الطلبة يتبعونه سنويًا إلى "المركز الثقافي الحسين بوزيان" ويصفقون له مطولًا بعد كل تلاوة شعرية.


كان نصر سامي مسكونًا بالرسم منذ البدايات

لقد كسر نصر سامي الطوق الأسطوري لبعض مجموعات الشعراء التي كانت تحجب الأصوات الجديدة وتحتكر الحياة الثقافية التونسية فكان شعاعًا وضّاءً مغايرًا بتشقيقات لغوية لم تعرفها أرض القصيدة التونسية من قبل. قد يصنّف نصر سامي ضمن شعراء التسعينات بتونس، لكنه كان موجة مخاتلة، متفرّدة كصخرة تنبت في حديقة يابانية.

نصر سامي شق طريقه الوعرة بثبات فراشةٍ وصلابة فارس نوميدي ووصل متوجًا بإكليل من الغار إلى حدائق الشعر فتتالى النشر والانتشار: "أنهار لأعالي الضوء"، "هبوط إيكاروس"، "سفر البوعزيزي" "حكايات جابر الراعي"... وكان أيضًا مسكونًا بالرسم منذ البدايات، لكنه لم يعلن نفسه رسامًا رغم ملكته المتوهجة مكتفيًا بإقامة بعض المعارض الصغيرة بروح شعرية عالية بعيدًا عن مدارات التشكيل الاحترافية...

اقرأ/ي أيضًا:  الشاعر عبد الفتاح بن حمودة: "لم ينصفني جيلي لكن الشعر أنصفني" (حوار)

الشاعر والكاتب نصر سامي مثّل الشعر التونسي في العديد من التظاهرات الثقافية العربية وحصّل عدة تتويجات هامة نذكر منها نيله "جائزة الشارقة للرواية" سنة 2015 عن رواية حكايات جابر الراعي و"جائزة  كاتارا للرواية" سنة 2017 عن رواية الطائر البشري.

"الترا تونس" تنافذ مع الشاعر التونسي نصر سامي فكان الحوار التالي:    

  • من أهداف العلم والتكنولوجيا تقديم المعارف دون ذات، كما تهدف الفلسفة والفكر في الجهة المقابلة إلى تقديم الذات الباحثة عن المعرفة. فإلى ما يهدف الشعر؟

الشعر ليس وليد اليوم، والشاعر ليس ابنًا للتاريخ الحديث فقط. الشعر بدأ مع الحياة، والشّاعر كان الصّوت الأوّل الذي لم يعِ وهو يقول الشعر أنّه بصدد احتواء المعارف كلّها، إذ لا خطاب غيره بقادر في ذلك الوقت المبكّر من الإنسانيّة على فهم ما يدور في ذواتهم، وتسميّة ما يبدو غامضًا.

نصر سامي: قدّم الشّعر للإنسانية منذ بداياتها وبدايته معارف كثيرة وحفظ للإنسانية تلك الرؤى الخلاقة التّي أسست مسارات العلم وكان حلبة فعلية نما فيها الفكر وعمّقت فيها الإنسانية خطاب التعقل في مواجهة التوحش

هل كان الشعر في بدايته المعرفة الأصيلة المرتبطة بكثير من الدّهشة والخوف والرّعب والإيمان والحيرة؟ هل كان الشعر في بدايته خطابًا يتنزّل في جوهر الرؤية العلمية للوجود؟ حيث العلم نفسه قصيدة، والاكتشاف حدس شعري حالم، والتجربة بكر.

قدّم الشّعر للإنسانية منذ بداياتها وبدايته معارف كثيرة، أو على الأقل حفظ للإنسانية تلك الرؤى الخلاقة التّي أسست مسارات العلم. ولعلّ الشعر وهو يختطّ مساراته الخاصة لم ينفصل أبدًا عن الفلسفة، وداخلته منها نزعات ورؤى، وكان حلبة فعلية نما فيها الفكر وعمّقت فيها الإنسانية خطاب التعقل في مواجهة التوحش، وخطاب الألفة وقبول الآخر في مواجهة الحيوانية والتطرف. ما حدث في العصور المتأخرة أنّ العلوم استقلّت بذاتها، والفلسفة استقلت بذاتها، ممّا أفرغ الشعر من أفضل مجالاته، فبقي مجرّد صدى خافت لصورته الهادرة القوية.

ولقد مثّل الشعر العربي في أغلب عصوره كتاب حياة، إذ نجد فيه بعيدًا عن ظاهر الفهم الأغراضي البسيط عمقًا ورؤى بعيدة الغور ضاربة في الفلسفة والفكر، وأغلب شعرائنا منذ الجاهلية إلى عصور متأخرة تبدو مواقفهم من الزمن ومن الوجود ومن الإنسان منشدّة إلى التيارات الفكرية العقلية أو الروحية التّي عرفها الفكر البشري.

أمّا اليوم فهناك محاولة لإفراغ الشّعر من حقيقته باعتباره خطابًا جامعًا للعلوم الإنسانية والفلسفات والتواريخ والفنون، وهناك سعي غير مفهوم لتنسيب ما هو شعري مساحة ومواضيعًا، بإبعاده عن أفضل مجالات المعرفة البشرية. وفي رأيي إنّ ما حدث جريمة واعية قصدية هدفها تحويل الشعر من المركز إلى مجرد وسيلة لهو وإلذاذ.


 لم يعلن نصر سامي نصر نفسه رسامًا رغم ملكته المتوهجة

وزاد الأمر بؤسًا بتكريس المدارس النقدية الحديثة لفكرة أنّ الحداثة إنّما هي منتج شكلي قائم على أمور تخصّ كيفيات وطرائق القول الشعري بعيدًا عن مضامينه. فـ"الحديث" منتج شكليّ في المقام الأول، أمّا المضمون فإنّه ظلّ في الغالب بعيدًا عن التقويم والنظر.

اقرأ/ي أيضًا:  المنصف المزغني مكرّمًا.. "عصفور من حبر" في سماء الثقافة التونسية

فهمي للشعر يعي خطورة هذا المأزق، لذلك اهتممت ليس فقط بالشكل الشعري وبالخطاب بل حاولت أن أعيد الشعر لمداراته الأصلية باعتباره خطابًا جامعًا لإنتاج المعارف، مثله مثل العلم في صورته الأولى القائمة على الحدوس، وحاولت أن أحيط بتلك الذات الباحثة عن المعرفة، فصوّرتها في جميع حالاتها، وكان يسكنني اعتقاد أنّ نهاية الشّعر وشيكة باعتباره خطابًا مجاورًا للعلم والفلسفة، وأنّ وجوده واستمراره رهينَا صلته بمجالاته الأصلية، إذ لا نسمع في القصيدة هديرها أو هسيسها فقط، بل نسمع الجوهر الإنساني المفكّر العميق الصلة بالجذور.

  • هل يمكن سكنى العالم شعريًا؟

هل نحن نسكن العالم بشكل إنساني لائق، حتّى نسأل عن سكنى شعرية للعالم؟ أسأل نفسي هذا السؤال حين أتطرّق لموضوع السكنى الشعرية الممكنة لكائن منتزع الحقوق، منتزع من بشريته، موضوع بشماتة في أكثر الوضعيات اللاإنسانية. هل مسألة العدل قيمة إنسانية أو شعرية؟ هل مسألة الحرية قيمة إنسانية أم شعرية؟ تفتح عيني هذه الأسئلة على أمر مهمّ جدًا وهو أنّنا نتوهّم سكنى العالم، ونتوصّل لسكناه شعريًّا. لكنّ في الحقيقة نحن نداور لنتحرّر، لنوفّر الشّرط البشري للحياة، والشرط الإنساني للوجود.

نصر سامي: هناك محاولة اليوم لإفراغ الشّعر من حقيقته باعتباره خطابًا جامعًا للعلوم الإنسانية والفلسفات والتواريخ والفنون، ولتنسيب ما هو شعري مساحة ومواضيعًا بإبعاده عن أفضل مجالات المعرفة البشرية

وشعرنا يشقى معنا في تغريبة أبديّة محزنة وغير عادلة. قصيدتي تكسوني، دونها أنا عار. واجهت بها، وأواجه كلّ يوم، كلّ شيء. أكتب بجدّ وعمق مؤمنًا أنّ هناك مسمار يدقّ في نعش ما يخيفني. وأحفر بتأنّ من عشرين عامًا تقريبًا في الصخر لأوفّر شروط الوجود الإنساني، ثمّ لأحلم بسكناه ليس باعتباري شيئًا زائدًا عن الحاجة ومفقّرًا ودون حقوق بل باعتباري بشرًا.

أصير بمرور الوقت بسيطًا، أهتمّ في قصيدتي بأمور صغيرة، أجعل العالم الهادر والقويّ والعنيف بعيدًا، أشحن لغتي بميراثها، وأحقنها بالمعرفة، وأهتمّ بتطوير حقيبة الأدوات. يحضرني ما قاله أوكتافيو باث عن روبيرتو خواروث شاعر الأرجنتين المعروف: "إنّ كل قصيدة من قصائد خواروث هي بلورة كلامية مدهشة: اللغة عنده تُختزل إلى نقطة من الضوء". هذا ما أفعله على وجه الدقّة، أختزل وأختزل، وأدقّق وأدقق، وتدريجيًا أتحوّل إلى ضوء! أفهم الشّعر الآن كحقيقة عليا، أو بعبارة نوفاليس: "الشعر هو الدّين الأصيل للإنسانية".

إنّني أفهم عبارة السكنى الشعرية للعالم التي ذكرها هولدرلين في إحدى قصائده باعتبارها مسارًا شاقًا نحو الإنسانية، فوظيفة قصيدتي أن تحميني من النسيان وأن تنقذ ما هو أساسي في إنسانيتي.

وخلال هذا استطعت أن أفكّر ليس كشاعر فقط بل كإنسان، جعلت شعري أمرًا مثل الدّين الأوّلي العميق اللامرئي، ثمّ جعلته علمي الحقيقي، ثمّ جعلته فنّي الأكثر قدرة على حمل عبء ما هو إنسانيّ في شخصيتي. وحاولت في هذه السنوات الطويلة أن أتمثل تعريف هايدغر للشعر باعتباره "تأسيسًا للكائن بالكلمة".

ولقد استطعت دون أيّ تحفّظ أن أحمي كينونتي من العدم بواسطة القصيدة. رؤيتي الآن عميقة، ممتلئة بمدركات كثيرة، مشحونة بخير كثير وشرور مختلفة، وأفهم أنّ للكلمات وجودها الخاص، لكنّني تعوّدت مصادقتها، ومسح زجاج عويناتها لترى الأفضل ولتعرف حقيقة ما يعطى في قحف الكلاب المسمّى وطنًا. في السنوات الأخيرة وسّعت من فهمي للشعر، صار الشعر واسعًا جدًا، وصرت أراه حقيقة عليا، وأبدًا.

  • أراك مسافرًا جوّالًا في أكوان الشعر الممتدّة لا تستقرّ على ضفّة بعينها فأنت تكتب قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر ونصوصًا أخرى مغمسة في الشعر والشعرية. أيّ هذه النماذج أقرب إلى هواك الإبداعي والفني؟

أظنّني مستقرًّا على أرض صلبة وهي الإيمان بأنّني كائن لغوي إذا جاز التعبير، أكتب بإصرار وبشكل دائم، وما أصدرته من كتب من عام 1996 إلى اليوم يؤكّد ذلك. تطوّر فهمي للشّعر مبكّرًا، مطارق قويّة اشتغلت داخل رأسي منذ كنت طالبًا، ويعود الفضل لجامعة منوبة، ولكلّ من درّسوني، وأخلصوا لي النصيحة.

الدّرس الجامعي في الشعر قديمه وحديثه وفي التاريخ وفي الحضارة وغير ذلك مهمّ، لكنّه لم يكن  غير إشارة لمعارف كثيرة استكملتها عبر القراءة.


اكتفى بإقامة بعض المعارض الصغيرة بروح شعرية عالية بعيدًا عن مدارات التشكيل الاحترافية

أتذكر بكثير من المحبة الأساتذة محمد لطفي اليوسفي ومحسن بلعربي ومبروك المناعي ورجاء بن سلامة وشكري المبخوت وغيرهم. كما أتذكر الحراك التسعيني الذي بدأ في منوبة تحديدًا، وشاع في تونس.

وأنا ولدت في الخضمّ، بلورت خطًّا في الثقافة التونسية مميّزًا وجديدًا ومختلفًا، أقول ذلك دون أيّ شعور بالتمايز أو الكبر، وإنّما بوعي.

اقرأ/ي أيضًا:  منور صمادح.. شاعر الحرية الذي ظلمته دولة الاستقلال

تغايرت مع ما كان يكتب، استعدت الصلة التّي انفصمت أو كانت مع الشعر العربي في نماذجه العليا، وفتحت نصّي لحساسية شعرية جديدة، تدفّقت، ومثّلت رافدًا من روافد الشعرية التونسية.

كتبت شعر التفعيلة، وكتبت بيانات شعرية كثيرة صدرت في مقدمات كتبي هي في بعض وجوهها إعلان مبادئ لا غير.

نصر سامي: أؤمن بأنّ الشّعر في جوهره إيقاع، وليس عروضًا، ولا أهتمّ في العمق إلا بما يفكّر فيه النص، وبما يمور في أعماق

أردت أن أقول أنّ جيلًا جديدًا ولد، وأنّ نصوصًا جديدة تستحقّ الاهتمام، ولقد وجدت اهتمامًا كبيرًا في الحقيقة، شفويًّا وكتابيًا، وديواني الأخير سفر البوعزيزي حظي بعدد كبير من الدراسات الأكاديمية القيمة.

أما قصيدة النثر فلا أحبّ ما يكتب تحت سقفها، وما يعجبني من قصائد النثر قليل جدًا، بل نادر، خصوصًا في تونس. ولست أميل إلى كتابتها، وإن تسربت في أعمالي الشعرية بعض الفقرات النثرية التي يمكن ردها بسهولة إلى التفعيلة. الآن أنا أحمل نظرة أكثر اتّساعًا وتحرّرًا، أؤمن بأنّ الشّعر في جوهره إيقاع، وليس عروضًا، ولا أهتمّ في العمق إلا بما يفكّر فيه النص، وبما يمور في أعماقه، أحاول تسريد العالم أو الذات، وأكتشف يوميًّا في داخل نفسي جحيمًا بحاجة إلى حطب أكثر، وضمن هذا الفهم مررت بليونة من القصيدة إلى النصّ وإلى الرواية والنص المسرحي، دون أن أتنازل عن جوهر الشّعر وهو القدرة على أسر المتخيّل وتصريفه وفق حاجات النفس الراغبة في تحقيق وجودها الإنساني بجميع شروطه.

  • فيما مضى كنت تكتب بيانات شعرية تحمّلها مطالب إبستيمية وتنشد من خلالها عالمًا أفضل للشعر، لكنك توقفت عن ذلك، ما الذي حدث؟

لم أتوقّف أبدًا، بل طوّرت من فهمي للبيانات، بياناتي الأولى لها قيمة تاريخية سيتفطن لها المشتغلون بتلك المرحلة، وهي برأيي ليست إلا إعلانًا للتغاير وليست تحقيقًا له. كانت لديّ نار، وكنت أقول إنّ لي نارًا، وصدّقني الناس، وقبس مني العديدون.

ما كتبته كان بداية، توريطًا للنفس في مشروع، في تجربة حياة، وليس في كتاب، وليس في قصيدة، وليس في مغامرة غير محسوبة.

الآن أنا أكتب نصوصًا أخرى شبيهة بالبيانات، أنتقل فيها بشكل تام من التركيز على الشكل كمقوّم حداثي، إلى أمور ذات صلة بالمضامين الشعرية.

انتقلت من المناويل إلى الأقاويل. ولقد تمّ ذلك أيضًا في علاقة بالدرس الأكاديمي إذ اشتغلت على الجسد وكيفيات حضوره داخل القصيدة، وأصدرت كتابًا مهمًا عنوانه "الجسد في شعر محمود درويش" وأشتغل الآن على موضوع الشرّ في الشعر، وأتقصّى باستمرار لإدراكات النصّ ومنسياته، وهو درب مكّنني من فهم أمور على درجة عالية من الأهمية.

إنّ نقدنا العربي يهمل في الغالب ما يفكّر به الشعراء، ويدرس فقط كيفيات القول وطرائقه، لكنّ هذا الطريق على أهمّية هذا المتعلّق الشكلاني لا يؤدّي إلا إلى معالجات مبتسرة قاصرة عن إدراك جوهر الشعر. ما من دراسة عن الألم في الشعر، ولا عن الجنون، ولا عن الخوف، ولا عن العصاب، ولا عن النزق، ولا حتّى عن الحب. وجميع مواضيع الفلسفة تظلّ بعيدة تمامًا عن شعرنا، وكذلك العلوم، وكذلك الفنون.

هناك عمل كثير أمام المشتغلين بالشعر في هذا المجال، وما كتبته في بدايتي من بيانات، وما أكتبه الآن حصّن نصّي الشعري من التلاشي والذوبان في غيره، ومنحه القوّة ليستمرّ.

  • في السنوات الأخيرة، استبدت بك كتابة الشعر الغنائي وخضت تجاربًا اعتبرت مهمة مع ملحنين ومطربين تونسيين مهمين وهي تجربة آخذة في التمدد. كيف تصف هذه التجربة؟ وماذا أضافت  لهواك الشعري؟

ما أنجزته في هذا المجال أقلّ بكثير من طموحي، ومن المنجز الشعري الذّي راكمته، وهو يصلح لمعالجات موسيقية متنوّعة، ولكنّ السّاحة لا تسمح بغير نمط واحد، هو مجال الأغنية بمقاييس السوق، ولا نكاد نرى غيرها.

لكنّ رغم قولي هذا فإنني جرّبت بالتوالي مع علي صبري بلعيد، وهشام الكتاري، وسنية بن عبد الله، وهند النّصراوي، وسلمى الحلواني، وغيرهم من الموسيقيين.

وأنفّذ الآن أعمالًا أخرى سترى النور قريبًا. لقد منحني الغناء وعيًا بالحركة، حركة الكون، إذ لكلّ صوت زمن، مقسّم بعناية، تعلّمت أيضًا كيف أحوّل الحرف الصامت إلى إيقاع، قادر على تحريك المزاج، وتعلّمت مراقبة تدفّقي الشعري ليلائم المعمار أو القالب الذي أريده لقصيدتي المغنّاة.

اقرأ/ي أيضًا:  حوار/ ثلاثي جبران: نرفض "صفقة القرن" وعلينا ديون حب لتونس لابد أن نسددها

تعطيني الموسيقى كمحبّ للحكمة رؤية أكثر توازنًا وتبصرًا للكون، وتمدّني في صمت بحزمة كاملة من القيم الإنسانية الرفيعة التّي تطوّر لي حياتي، وترفعني فجأة من مجرّد شيء حيّ إلى إنسان.

محبتي للغناء ورغبتي فيه ليست وليدة اليوم، ولن تتوقف. وفي رأيي أنّ الموسيقى والهندسة والحساب والفلك والطب هي أيضًا مجالات شعرية في الأصل، لكنّها افتكّت من الشعر.


من أشعار نصر سامي

ويرى نيتشه أن الموسيقى "توحّد كل الصفات: يمكنها أن تمجدنا، أو تحرّرنا، أو ترهّبنا، أو تكسر أكثر القلوب قسوة؛ مع أرق نغماتها الحزينة. لكن مهمتها الأساسية هي أن تقود أفكارنا إلى أشياء أسمى، أن نرتقي، بل أن نرتعد". وهذه الرّعدة تحديدًا هي ما أنشده من الأغنية، أن تهتز وأنت تسمع كلماتك، أن تسمو نفسك، تلك غاية الغايات.

  • تحدثت عن الجسد، لو تعمّق إجابتك قليلا في اتجاه عرض أكثر تفصيلا لعملك؟

كرشي التي يئست تمام اليأس من إزالتها، وشعري الذي بدأ يبيضّ بطريقة متسارعة، ونظري الذي بدأت أشعر بأنّه يقلقني، والآلام المستمرّة التّي أعاني منها في جانبي الأيمن وأسناني... كلّ ذلك أمور تعلّمت التعوّد عليها. كذبت على نفسي مرارًا، وقلت سوف أنتظم في الذّهاب إلى الأطبّاء، وكذبت مرارًا في الذّهاب إلى قاعة الرياضة، أو على الأقلّ في استعمال تلك "الكوبونات" الكثيرة التي أقتنيها كل سنة للدخول إلى قاعة السباحة في أحد النزل المعروفة هنا في صلالة بسلطنة عمان حيث أقيم حاليًا. تعوّدت الكذب حتّى أصبح أمرًا مسلّيًا.

الآن أنا على أبواب كهولة مليئة بالأمراض، وفي غياب أيّ طريقة مدروسة لمراقبة نظام أكلي فإنّ ما سوف يحدث لي سيكون خطيرًا. هل يبدو هذا الأمر مفزعًا؟ لا بالتّأكيد. ساتأقلم مع بدني، فليس لي للأسف غيره.  وأبطالي لا يشبهونني. هم خفيفون، وأنا ثقيل. هم ثقافتهم واسعة، وأنا غبيّ ومتكبّر وربما لديّ التوحّد أو نوع من الكآبة المزمنة. هم ضاحكون رغم مصائب الدهر، وأنا حزين، رغم توفّر أسباب السعادة في بعض الأوقات، ميم في روايتي  "الآيات الأخرى" صبيّ على مشارف الشباب يستفيق على حقيقة أنّ له والدًا حقيقيًّا، وأنّ تلك القولة التّي سمعها أنّه ابن بلا والد مجرّد تغطية على قضية زنى وقعت فيها أمّه مع فحّام معروف في الحيّ. يتأقلم ميم مع حقيقته، ويتقبلها خصوصًا بعد أن قدّمت له أمه كتاب مذكرات والده الحقيقي. وفي السفر مع حقيقة والده يكتشف هو أيضًا حقيقته. ويبدأ كتابة الكتاب الموحى إليه. ويبدأ أتباعه يستعيدون فضائله ومعجزاته. بطل كهذا لا يشبهني أبدًا.

نصر سامي:  النقد العربي يهمل في الغالب ما يفكّر به الشعراء، ويدرس فقط كيفيات القول وطرائقه، لكنّ هذا الطريق لا يؤدّي إلا إلى معالجات مبتسرة قاصرة عن إدراك جوهر الشعر

بطل الحكايات والطائر البشري طفل أيضًا، لكنه طفل في شكله فقط، ولكنه في الحقيقة فوق الثلاثين، لديه كلّ أسباب الحزن، لكنّه ليس حزينًا، بل مرح محبوب وقادر على مخاتلة الزمن نفسه، وافتكاك قدره من بين براثنه.

أما بطل روايتي الأخيرة "العطار" فقادر مستطيع لكلّ ما جبنت على إتيانه، افتكّ هو أيضًا قدره مرارًا، لكنّ الدّهر لم يسلم عنانه إليه، فقفل الكتاب بفراره من جديد. لا يشبهونني!

وراء الحروف هناك رواة يشبهونني لم يرهم أحد. عن هؤلاء يمكن الحديث عن شبه. هم في الغالب بعيدون جدًا وبلا ملامح وصوتهم خافت خفيض، ولكنّهم بلا أجساد. تحيّرني مسألة وضعهم في القصّ، وتفرحني مسألة تخيّلهم، تلك المسألة التي تقع بيني وبين نفسي ولا أقولها للقراء.

لكنّ هذا الأمر خرج للعموم حين قرّرت أن أكتب رواية لرواة كثر، وقرّرت أن أهتمّ بوصفهم، وأن أحكي حكايتهم بلسانهم، وهذا عمل أعكف عليه وسوف يرى النور قريبًا. وبمرور الوقت استنتجت أنّ هناك أمرًا مشتركًا في كلّ أعمالي هو موضوع الجسد، حيث هو، لا غيره، القاع الذّي أستنبت فيه كلّ شيء. وهذا ليس بالأمر الغريب إذ أنّ المرويات الكبرى كلها (الكتب المقدسة، ألف ليلة وليلة، ملحمة جلجامش، الإلياذة، الأوديسة، الشعر الجاهلي، أيام العرب...) كلّ هذه المرويات ترتكز على الجسد باعتباره مكمن اللذات كلها والشرور كلّها، ولعلّ الجسد باب، لكنّه بالتأكيد ليس للخير، فكلما قرب الجسد من باب الخير فسد.

جسدي ليس جسد كتابتي، هذا واضح. وليتني قدرت على جعله هو لا غيره قماشتي. ربّما يأتي الوقت في عمل لاحق لعمل ذلك. الآن هو حلبة صراع، تحدّد بالوكالة بين أبطال ليسوا أنا، وبأسلحة ليست أسلحتي، مثل اللغة العربية التي هي قديمة جدًا، وقد تعجز على إدارة حلبة حديثة.

اقرأ/ي أيضًا:  مهدي البرصاوي: السينما اقتربت أكثر من التونسي و"بيك نعيش" فيلم عن الإنسانية

أمر آخر يحيرني في موضوع الجسد هو الرغبة. من أين أجيء بكل تلك الكائنات الراغبة والمرغوبة فيما أكتبه؟ كيف أجعل لها فمًا راغبًا ملذًا، ووسطًا ملتهبًا، وجسدًا مغويًا؟ كيف أتمكّن من إقناع القارئ بأنّ تلك الورقة جسد حقًا؟ وكيف أجعله يمرّر يديه من شدّة الصدق على جسدها؟ يحدث ذلك بطريقة غامضة.

الرواة جميعهم يفعلون أمورًا في القصّ ولا تحدث معهم في الواقع، ذلك أنّ للأبطال زمنهم الخاص وفتنتهم الخاصة. ما يروق لي وأحبه بحقّ ليس ذلك، بل الجسد الميت بحقّ أو الميت مجازًا. تلك الأجساد خصوصًا المجنون أو المعاق أو الأبرص أو الأكمه والأعمى والأصم والمتوحد والمصاب... كل تلك الأجساد هي المادة المثلى التي أتوقع أن أشتغل عليها في قادم الأيّام. هناك نقص يحبّه السّرد، هناك خوف وربما رعب، وريح عاتية من الدهشات تسكن تلك الأجساد. تنتهك الرغبة بدود الخسران. يسري سمّ الفقد في لحم الحقيقة الأبيض، وهناك هناك فقط تتألق اللغة وتمسك بنسغ الحياة.

سأقاسم قرّاء "الترا تونس" مقطعًا في جوهر هذا الموضوع من روايتي الجديدة بصدد الكتابة: " قال للشيخ امحمّد، بائع المواشي في منطقة الفالتة، وهو شيخ من أولاد تليل: "هذه الحكاية ليست حكايتك. أنت رويتها فقط، قبلك رواها أشخاص كثر لأشخاص كثر. المدهش أنّنا سوف نموت، وهي سوف تبقى". مدّ الشّيخ يدين، معروقتين، ومتيبّستين، ولكن يجري فيهما ضوء آسر. قال لي، وهو يمدّ لي كأس الشّاي الأحمر: "تظنّني لا أعرف ذلك؟ هه، بلى أعرف. الحكايات يا ولدي كبّرتنا، وابتعدت". وسكت الشيخ مطوّلًا، ويده ترتّب الجمرات في الكانون الطيني، ويده الأخرى تعدّل الوسادة التّي وراء ظهره. وأردف: "حين كنّا صغارًا كانت حكاياتنا تلعب معنا. من منّا لم يصادق حكاياته؟ من منّا لم يأته في الليل أبطال الحكايات؟". زوجته العجوز فجرة التليليّة، أمّ الستّة عشر ابنًا بالتمام والكمال قالت لي، وهي تستعيد زمنًا مضى وانقضى: "حكاياتنا هي نحن، ونحن هم حكاياتنا. حين تتألم أميرات القصص، وحين يبكين، عيوننا هي التّي تدمع، في كل بيت شهرزاد تحمل في قلبها عبء الوجود. لقد ربّيت ستة عشر ولدًا دون تلفزيون ولا راديو، صرت بمرور الوقت آلة حكايات، لكن من يسمع حكاياتي اليوم؟". فجرة بخطوط خدّيها المتغضّنة، وجلدها الذي يترهّل، وينثني في كلّ الاتّجاهات تبدو شبيهة بفجر متأخّر عن وقته. عيناها شرفتان مفتوحتان على غيوب بلا قاع، وفمها دهريّ، ولا تزال قادرة رغم عبء الثّمانين على المشي والحديث".

مع هؤلاء النّاس وأمثالهم أقضي الوقت من أكثر من سنة، غالبًا أستعيد أجسادهم عبر التخيل، وربّما خانتني ذاكرتي مرارًا، لا يهمّ! ما ننساه ليس حقيقيًّا، ما يبقى هو الحقيقيّ. لذلك أنشر لكرشي ولا أفقد مطلقًا الأمل في أنها ليست كرشي الحقيقيّة، بل كرشي التي كانت هي الحقيقية. ويفرحني ذلك فأخطّه بسعادة غامرة.

أنت تكتب الرواية بالتوازي مع الكتابة الشعرية.. ما الذي يغريك في الرواية ويجذبك إلى مداراتها؟ 

كتبت إلى حد الآن خمس روايات هي على التوالي "الآيات الأخرى"، "حكايات جابر الراعي"، "الطائر البشري"، "العطار"، وحاليًا "برلتراس". وصدرت هذه الأعمال بالتوالي في لبنان والإمارات وقطر والأردن وتونس. وفزت بجائزة الشارقة للرواية وجائزة كتارا للرواية أيضًا. ولديّ رواية مكتملة جديدة، ومشاريع سردية أخرى تنتظر دورها. لغتي هي في الشعر أو في الرواية، ونظرتي أيضًا، وهناك في سردي الروائي خيوط عميقة ظاهرة تضرب في نسغ النصّ، وتسمه بميسمها. والرواية حلبة صراع واسعة، قادرة على التهام كلّ فنّ، احتجتها كما يحتاج الصائغيّ آلة لتجويد عمله، وكما يحتاج عازف إلى آلة أكثر تطوّرًا لإخراج إبداعه. وكان الانتقال متأنّيًا، وواعيًا، وأعتقد أنّ الرّواية أكثر من الشعر قد حقّقت لي تلك المساحات الضرورية للدفاع عن النفس ضدّ العدم.

اقرأ/ي أيضًا:  المختصة في تصميم الصورة ريم الزياني: الصورة نمرود تلخّص الواقع وتختصر الزمن

الرّواية عمل متعب، نحت، أزاميل دقيقة تأكل من صخرة الزمن، ولا تشبع. تخترقها تيارات من الفلسفة، وشبكات علائقية وثقافية واجتماعية وسياسية متنوّعة، وأصناف من التدابير ومن الحبكات، ضمن رؤية تصهر كلّ ذلك الاختلاف في كتاب واحد. أحببت الرواية كقارئ، ثمّ ككاتب مقالات حول الروايات المنقولة إلى العربية، ودرّست السّرد لمدّة سنوات ضمن ورشات الكتابة القصصية في سلطنة عمان، واستطعت تشرّب تلك الخبرات، وأعتقد أنّ ذلك هو ما دفعني لإعطاء عمري للشعر أوّلًا، ثم للرواية.  

  • ثمة شبه إجماع في العالم على أن الرواية هي الجنس الأدبي الذي يمتح من باقي الأجناس الأخرى... هل يعني ذلك أن البشرية تعيش الآن زمن الرواية؟

البشريّة تعاني وتئنّ، وألمها سمعه الفلاسفة، وكتبوه، والأطباء وحاولوا علاجه، والحكماء ونشروا حكمتهم حوله. وقاله بعض الشعراء. لكنّ الفنّ الذي استوعب بحق ذلك القاع الموحش وتلك المهاوي السوداء هو الرواية، التي أصبحت بديلًا للديوان الشعري. فالرواية طرحت مسائل الخير والشرّ والإيمان والإرادة الحرة والأخلاق والعزلة والغربة والاغتراب وغيرها من المواضيع، ولامست جميع مظاهر الحياة. وهي عندي بناء صارم وضاغط وكثيف وكتابته هي أسر وسجن وأذى حقيقيّ، والأيام الأخيرة التي أتم فيها روايتي هي أقسى الأيام.

  • أراك أيضًا تنحى منحى الكتابة المسرحية على الرغم من أن هذا الجنس الأدبي بات مهجورًا في هذه السنوات الأخيرة؟

كتبت في سوسة مسرحية مستمدة من ديواني الشعري "كتاب الحب"، أخرجها المسرحي محمد دغمان، في عرض بعنوان "مديح البيت". وكتبت مسرحية العشاء الأخير، وتمّت معالجتها بطريقة مبتسرة ضمن عرض لفرقة مسرحية جهوية، ثم كتبت مسرحية بعنوان "مفقود"، أخرجها المخرج العماني د. مرشد راقي. وحازت على جائزة أحسن ممثل في مهرجان أوال في البحرين بمشاركة 8 دول.

نصر سامي: الرواية حلبة صراع واسعة، قادرة على التهام كلّ فنّ، احتجتها كما يحتاج الصائغيّ آلة لتجويد عمله، وكما يحتاج عازف إلى آلة أكثر تطوّرًا لإخراج إبداعه

ولديّ مسرحية لم تنشر بعنوان "إصحاحات كات أند دوغ"، وكتاب كبير الحجم فيه ثلاثة أعمال مسرحية مستمدّة في أغلبها من المرويات الشفوية، باللهجة الدارجة، اسمه "الحكايات الثلاث".

المسرح يفتنني، أكتبه دون مشقّة، وأحبّ مشاهدته، وأعتقد أنّ كتابة المسرح علمتني الكثير من الاقتصاد والحذف، ومنحت سردي حرارة وصدقًا. أتذكر شخوص مسرحياتي أكثر من أبطال الروايات، أكاد ألمس لحمهم، وأسمع نبرات أصواتهم التّي شكّلتها في ليل الكتابة الطويل. وحين أراها تمثّل فإنّني أصدّقها، وأتواطأ معها ضدّ مؤسسات القمع ومجتمعات الاستهلاك.

نصر سامي يرسم ويقيم المعارض، هل يمكن اعتبار ذلك تنويعًا على فن الشعر؟ وهل يمكن القول أن جسد المرأة هو العنوان المهيمن جماليًا على أعمالك التشكيلية؟

أنا محبّ للرّسم، ومتابع للرسامين، وأمارس الرسم منذ طفولتي. ولقد طوّرت مهارتي في اتّجاه التخلّي عن الخامات التشكيلية بأنواعها، في تجربة عرضتها في سلطنة عمان ضمن معرض بعنوان "الضوء من الألف للياء". وهي ممارسة أقوم بها حين أجد لها وقتًا، ولوحاتي هي عبارة عن خطوط متنوّعة ومتداخلة وشديدة الثراء اللوني، تداخلها بعض التكوينات اللاحقة التي تحضر فيها المرأة والشجرة والأماكن، في هيئات غير مفصّلة. هل لهذه التجربة علاقة بالشعر؟ لا! لا علاقة لها، على الأقل في الظاهر، لكن بالتأكيد في العمق هناك كتلة تدار بإيقاع وبزمنية معينة وتعطي للنفس المبدعة سلطة تشكيل العالم وفق نسق يفي بحاجات الإنسان.

لفتت تجربتي في الرسم انتباه عديد الرسامين ونقاد الفنّ التشكيلي، وفكرتي الآن أن أنظم معرضي الأوّل بعدد كبير من الأعمال في تونس، وأن أنفّذه بالتخلي التام عن الخامات.

  • مجلّة "الشاعر" التي أسستها في السنوات الأخيرة نراها تحصد الاهتمام من قبل النقاد والمثقفين العرب لعل آخره ترقيم المكتبة الوطنية التونسية. لو تحدثنا عن هذه التجربة الفريدة وكيف تفاعل معها المتلقي العربي؟

"الشاعر" مجلّة تونسية أدبية دولية محكمة، أصدرت 8 أعداد، وستصدر قريبًا العدد التاسع العادي وعددًا خاصًا حول موضوع الشر. أصدرها دون أي دعم من أيّ طرف، وأتابع إصدارها بصعوبة، ولعلّ حصولها على الترقيم الدولي سيشجع على مواصلتها وسط اهتمام كبير من الباحثين والمثقفين العرب.

اقرأ/ي أيضًا:  علي بن عياد.. أسطورة المسرح التونسي

تتوجّه المجلّة للباحثين بين مرحلتي الماجيستير والدكتوراه، وجميع بحوثها تتعلق بالآداب والفنون والعلوم الإنسانية، وتخضع للتحكيم الجدّي. والمجلة صدرت في بدايتها في أربعة أعداد في تونس، وفي عددين في سوريا، وفي عدد في مصر، والثامن صدر في الأردن، وسوف أتابع إصدارها هناك.

أعتبر مجلة الشاعر إنجازًا بكلّ المقاييس، عانيت لكي أجعله يتواصل في غياب أيّ تشجيع، وسوف يتواصل، خصوصًا بعد توفّر فرصة طباعته في دار نشر مميّزة، وقدرة كلّ عدد على الإيفاء بتكاليفه. أمّا من جهة تفاعل القارئ العربي فلا قدرة لي على تقييمه تقييمًا منصفًا خاصة وأن المجلة غير منتظمة الصّدور، لكنّ عدد المشاركات التي تصلنا كبير وعلى درجة عالية من الجودة. 

  • لديك أنشطة ثقافية متعددة لصالح الساحة الثقافية العمانية من قبيل إدارتك لورشات للكتابة السردية وإشرافك على مطبوعات أدبية وكتاباتك الغزيرة بالملاحق الثقافية الورقية والإلكترونية.. لِمَ لا تنفذ نظيرًا لها في الساحة الثقافية التونسية؟

لقد نفذت العديد من المشاريع الثقافية  في سلطنة عمان أولًا بحكم إقامتي هنا، ثم في تونس لاحقًا بشكل محدود بسبب البعد، وقد انطلق هذا المشروع الكبير في شكل ورشة مستدامة تهدف إلى تكوين متخصّص ومعمّق في فنّ القصّ بالتركيز على أساسياته في مرحلة أولى، مع متابعة جادّة للمنتج الذي ينطلق المشتركون في إعداده منذ أسبوعهم الأول.

بدأت هذه المغامرة منذ خمس سنوات، في ورشات متعدّدة متلاحقة تتراوح بين الأسبوع والأسبوعين والأربعة أشهر، في مؤسّسات مختلفة تابعة للحكومة أو خاصة أو جمعياتية، وتعاون معنا عدد كبير من المثقفين والمراكز والدوائر المهتمة بمثل هذا النشاط، ولقد صدر عن هذا المشروع عدد كبير من المؤلّفات الجماعية والفرديّة نذكر منها 8 كتب جماعية وما يفوق 24 كتابًا فرديًا، عدا الكتب التّي ساهمنا في مراجعاتها واقترحنا تعديلها وأوصلناها للناشرين.

وتحقّق الورشة المستدامة حزمة أهداف متكاملة ملخّصها التكوين النّوعي ومتابعة الكاتب من مرحلة الفكرة إلى مرحلة الكتاب المنشور، مع ما يتخلّل ذلك من تدريبات فردية وجماعية تحقق الهدف الآني والنهائي، وتنتهي أعمال كل ورشة بنشر كتاب جماعي في القصّ للكبار، وكتاب آخر للناشئين، وإذا صادفت من الكاتب حرصًا وولعًا فإنها تتبنّاه ليصل إلى تحقيق كتابه الفردي.

ولقد جرّبت هذه الفكرة، فصحّت. وأصبح بعض المشاركين الأوائل كتّابًا معروفين، وتجاوز بعضهم عتبة الكتاب الفردي الخامس. وتجربة الورشة تجربة غير مسبوقة في العالم العربي، ولا أعرف لها شبيهًا في الإحاطة بالمتدرّب وفي رفده رفد مثاقفة وتشذيب ومؤانسة، من مرحلة التفكير، إلى مرحلة الإنجاز. ولقد اشتغلنا في أجواء منعشة رائقة أفدنا منها إنسانيًا ومعرفيًّا، واستفدنا خير الأصحاب وأفضل الكتّاب.

عقدت الورشة إضافة إلى نشاطها الأصلي السابق عددًا من اللقاءات مع الجمهور العريض في فضاءات مديرية الثقافة والمكتبات ومقرّات الجمعيات أو النوادي الثقافية أو الاتحادات، وتمّ عرض الإنتاج القصصي الخاص بالورشة عبر القراءة على جمهور عريض، وقدّمت لقاءات نقدية واسعة نظرت في منتجات الورشة وفي غيرها من المسائل ضمن سلسلة من اللقاءات نذكر منها: قراءات قصصية، التّي عقدت 9 مرات، وكتب وكتّاب، التّي عقدت 4 مرات، وعدد غير قليل من التظاهرات المتعلقة بالقصّ قديمه وحديثه، بمشاركات عمانية وتونسية ومصرية ومغربية وأردنيّة.

اقرأ/ي أيضًا:  محمد فطومي.. قناص الشوارد

ولقد تمّ تطوير الفكرة وتطويعها لتشمل طلاب المدارس في سلطنة عمان، حيث عملنا مع عدد من طلاب المدرسة السعيدية بصلالة، وتمّ تنفيذ ورشة مستدامة، طبع خلالها كتاب بعنوان قصص قصيرة من أرض اللبان، ونتهيّأ لطبع الكتاب الثاني في المرحلة القادمة.

نص سامي: السياسة الثقافية لتونس في الخارج لا وجود لها، لكن الأمل لا يتوقّف، في تغيير قادم

لكنّ المشروع بعد ترعرع فكرته، وتركيزها فكريًّا ونظريًّا، وتأصيلها، وتوفّر أدبيّات لها، وبعد التعرّف مع أغلب التجارب الورشوية العربيّة وغيرها، تمّ إعداد تصوّر لتنفيذها في توقيت مختصر وبفعالية كبيرة، وتمّ ضمن هذا التصوّر عقد عديد الورشات، وهذا تفصيلها:

  • 1- ورشة أساسيات القصة القصيرة بصلالة في سلطنة عمان (الورشة الأمّ):

انعقدت على فترات متواترة، بإشراف مباشر منّي،  ونسّقت أعمالها الكاتبة إشراق النهدي، على امتداد المواسم الخمس الأخيرة، بالتعاون مع المديرية العامة للتراث والثقافة بظفار، بسلطنة عمان، وهي الورشة الأم التي يشارك فيها عدد من المتدربين من عديد الدول العربية، ولقد أصدرت الورشة عددًا مميّزًا من الكتب الفردية والجماعية، وسوف يصدر لها قريبًا 6 كتب هي نتاج دورتها الأخيرة.

  • 2- ورشة أساسيات الكتابة في جبنيانة (صفاقس ــ تونس):

انعقدت في الفترة بين 15 و18 جويلية/يوليو 2019، بتنسيق الكاتبة دلندة الزغيدي، وتمّت بالتعاون مع جمعية آفاق الثقافية بجبنيانة، بحضور نخبة من المتدرّبين متنوّعي المشارب والكفاءات. ولقد أنتجت الورشة كتابًا قصصيًّا جماعيًا بعنوان: أهازيج النّسيان.

  • 3- ورشة أساسيات القصّة القصيرة في منزل تميم ( نابل ــ تونس ):

انعقدت بالمركز الثقافي ريدار، بمنزل تميم، من 22 إلى 25 جويلية/يوليو 2019، بتنسيق الكاتبة نعيمة الحمامي، ولقد تمّت بالتعاون بين المركز الثقافي ريدار ورابطة الكتاب التونسيين الأحرار بنابل. وقد تمّ إنجاز الورشة بحضور نخبة من المتدربين من ذوي الدّربة والتجربة ومن غيرهم، ولقد أنتجت الورشة كتابًا قصصيًا جماعيًّا بعنوان: عبق لاحق.

  • 4- ورشة أساسيات القصة القصيرة عن بعد:

انطلق التكوين عن بعد مع عدد من المتدربين (عددهم الآن 4)، من بعض الدول العربية، وهو تكوين نظري وتطبيقي عبر الأنترنت، ولقد أثمر لحد الآن كتابًا واحدًا. هذا النوع من الورشات ما يزال جديدًا، ونحن نعمل على تطويره وتوسيع قاعدته، وبعث "تطبيقة" تضمن وصول هذا التأثير والتفاعل إلى من يحتاجه.

هذا هو السياق العام، وهذا هو الحراك الكبير الذي يدور في منطقة ظفار، وفي منطقتي منزل تميم وجبنيانة، وفي غيرهما في المناطق داخل تونس وخارجها. وهو أخيرًا مجرّد بداية، لا أحبّ أن يفهم منه أنّه قطاف. وإن كان قطافًا، فليكن قطاف الشجر في بدء نضجه. وهذه النصوص القصصية التي كتبت فيه هي محاولات في تطبيق الأساسيات، وفي الخروج من دائرة ما ليس قصًّا، كالقصيدة والخاطرة والمذكّرة والمقال وغيره من النصوص، والدخول في دائرة النّوع، بجمالياته وغناه وخصوصياته. وهذه الأقاصيص علاوة على اشتغالاتها الفنّية تسري فيها روح محلّية خصبة شديدة الثراء والغنى، إذ دعي المتدرّبون إلى المحلية، وتفاصيلها، والرؤية الذاتية، وخصوصياتها. ولقد تمّ ذلك كلّه بيسر.

  • هل يعتبر نصر سامي مقصيًا من الحياة الثقافية التونسية؟ وفي اعتقادك ما هي أسباب ذلك؟

 ابتعدت بسبب الهجرة. وأحظى بمتابعة جيدة في وسائل التواصل الاجتماعي. وأصدر أعمالي بتواتر جيّد، والكتب لها أجنحة. أما الحضور الجسدي فقليل. ولست أعتقد أنني مقصيّ. فلا فائدة لأحد في إقصائي. أنا ثروة وطنية مجانية ومتاحة للجميع وجاهزة للقطاف. وسوف يأتي اليوم الذي أتمنّاه، و"يعود إلى أرضه الشجر" كما يقول أولاد أحمد. ثمّ بصراحة لا أحد يستطيع أن يقصيني ولو أراد. 

  • انتقدت في أكثر من مرّة دور اتحاد الكتاب التونسيين. لماذا تهاجمه كلّما سنحت الفرصة؟ وهل أنت راض عن السياسة الثقافية في تونس؟

يائس أنا من هذه المؤسسات، وقد وعيت بذلك مبكّرًا، فاستقلت، ثم عدت، ثمّ أعدت الاستقالة ببيان معلّل. وأعتقد أن علاقتي بالاتّحاد منتهية، ولا أجد أيّ فائدة في الحديث عنه. والسياسة الثقافية لتونس في الخارج لا وجود لها، لكن الأمل لا يتوقّف، في تغيير قادم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حوار| لطفي الشابي: الرواية احتضنت الشعر والدولة غير بريئة في دعمها للكاتب

الكاتب التونسي في زمن الكورونا.. غيمة الوباء قد تمطر أعمالًا أدبية