حوار|عبد اللطيف المكي: لا يمكن عزل النهضة وهكذا نُقاوم موجة ثانية من كورونا

حوار|عبد اللطيف المكي: لا يمكن عزل النهضة وهكذا نُقاوم موجة ثانية من كورونا

المكي: مقترح تشكيل حكومة "تكنوقراط" طُرح بسوء نية من طرفٍ لم يسعفه الحظ في الانتخابات

 

تعيش البلاد التونسية على وقع أزمة سياسية بسبب الضبابية التي تحوم حول توجهات البرلمان، نظرًا لعدم وجود أغلبية واضحة بالإضافة إلى احتدام الصراع بين مختلف الفرقاء السياسيين سواءً على خلفية المواقف السياسية أو التوجهات الأيديولوجية. هذا الوضع جعل من مهمة المكلف بتشكيل الحكومة هشام المشيشي صعبةً، فالأيام تتوالى وتنقضي ولم تظهر بعد ملامح هذا المولود المنتظر.

فترة المشاورات تنتهي يوم 25 أوت/أغسطس الجاري وهي دستوريًّا غير قابلة للتمديد. والسؤال الحارق هو هل ستكون حكومة كفاءات مستقلة أو حكومةً تضمّ أكبر عدد ممكن من الأحزاب كي تضمن حزامًا برلمانيًّا متينًا.

"الترا تونس" كان له لقاء مع القيادي في حركة النهضة ووزير الصحة السابق عبد اللطيف المكي للإجابة عن هذا التساؤل بالإضافة إلى عدد من الملفات الأخرى تجدونها في هذا الحوار:

 

  • تتوالى الدعوات اليوم لتكوين حكومة مستقلّة عن الأحزاب ويأتي هذا تماشيًا مع مزاج شعبي غاضب من ضحالة مردود الأحزاب. كيف ترى هذه الحكومة "حزبيةً" أم "مستقلّةً"؟ ومن تقترح من الأسماء التي تراها جديرة بأن تكون فيها؟

ليس هناك طبائع للحكومات، هناك فقط حكومة أفرزها الشعب عبر الانتخابات. وهذه الحكومة يجب أن تكون حكومةً "عاديّةً" أساسها الأحزاب التي تمنحها الثقة في البرلمان ويمكن دعمها ببعض الكفاءات التي أثبتت جدارتها، وذلك لأنّ الوزير الحزبي يجمع بين الاقتدار الفني والاقتدار السياسي القيادي.

المكي: مقترح تشكيل حكومة "تكنوقراط" طُرح بسوء نية من طرفٍ لم يسعفه الحظ في الانتخابات ويريد تفريغ النظام السياسي

ومن الأسماء التي أعتقد أنّه يجب المحافظة عليها وزير المالية محمد نزار يعيش لأنّه مسك ملفاته وحظي بنوع من المصداقيّة وهو مثال للعديد من الوزراء.

وبالنسبة لضرورة تكوين حكومة تكنوقراط، فقد طُرحت بسوء نيّة من طرف لم يسعفه الحظ في الانتخابات ويريد تفريغ النظام السياسي والعودة للوراء.

القضيّة في ظاهرها عزل النهضة ولكن المغزى الرئيسي هو استهداف النظام السياسي الجديد الذي جاءت به الثورة، وطالما أن النهضة حريصة على صناعة الديمقراطية فإنّها لن تُعزل.

المكي: طالما أن النهضة حريصة على صناعة الديمقراطية فإنّها لن تُعزل

  • إذا لم تحظَ حكومة المشيشي بثقة البرلمان سيُحَل البرلمان وتعاد الانتخابات وبذلك تواصل حكومة الفخفاخ تسيير البلاد. هل حركة النهضة مستعدة لهذا السيناريو أو ستكون حكومة المشيشي حكومة الضرورة، أم أنّها ستُمنح الثقة ثم تُسحب منها بعد أشهر؟

مازالت النهضة لم تحدد موقفها الرسمي من خلال مؤسساتها لكن التوجه الأولي هو دعم حكومة عادية سياسية حزبية وفيها مستقلون، وهذا توجّه عديد الأحزاب ولا مجال  اليوم لمزيد اضطراب الحياة السياسية وتغيير الحكومات بشكل سريع فذلك لا يتماشى مع مبادئ السياسة السليمة والصادقة للبلاد. لذلك نحتاج موقفًا طويل الأمد سواءً بمنح الثقة أو الرفض.

"حموريّة في الوجه ولا غُصّة في القلب" وكفانا من المواقف التكتيكيّة.

  • كيف تقيّم المشهد العام بالبلاد في ظل المناكفات السياسية؟ وهل أخطأ رئيس حكومة تصريف الأعمال بإقالة وزراء النهضة؟

للأسف الشديد، حكومة الفخفاخ أصابها سوء الحظ بقضيّة تضارب المصالح. فالفريق الحكومي كان فريقًا جيّدًا والعلاقات بينهم كانت منسجمةً، حتى على المستوى الإنساني. وقد نجح العديد من الوزراء ومن بينهم وزراء النهضة في مهامهم وفي المسك بعديد الملفّات.

أما بالنسبة للإقالات، فقد كانت نتيجة سلسلة من تبادل الأخطاء، وتداعياتها ستظهر مستقبلًا. حسب رأيي، كان من الأفضل ألّا تحدث هذه الإقالات، فقيادة البلاد لا تتمّ بتبادل الأخطاء. 

الوضع اليوم فيه الكثير من ديناميكيات التشظي، التي عادةً ما تستهدف الطرف الأكبر ثمّ تأتي على الذي يليه، ولا بدّ من مواجهتها بديناميكيات التقريب والتعاون وإيجاد المساحات المشتركة التي تضمّ بقاء المؤمنين بالديمقراطيّة التي من أبجادياتها إدارة التعدّد.

لكن الأطراف التي لم تستوعب بعد الثورة تريد العودة لوضعية تهيمن فيها قوة واحدة مع ديكور حزبي شكلي وتعمل باستراتيجية خلق الأزمات من أجل عودة نظام الاستبداد.

  • هل تقبل حركة النهضة بحكومة تشارك فيها حركة الشعب والتيار الديمقراطي؟ وماهو تعليقكم على التصريحات التي تنادي بحكومة دون النهضة؟

كل شي ممكن على منهج حنّا مينه في رواية "المتشائل" حيث خاصم بطل الرواية أحد الأفراد، ثمّ أصبحا فيما بعد صديقَيْن من طراز رفيع.

وبالنسبة للتصريحات أعتبرها طائشةً طالما أنها صدرت عن أفراد ولم تصدر عن المؤسسات الرسمية للأحزاب من خلال بيانات، إذ نحن ندرك أن داخل الأحزاب اختلافات في تقدير المواقف تشي به الكثير من التدوينات والتصريحات المتباينة.

إنّ العمل بين الأحزاب الرئيسية من حيث عدد كتلها البرلمانية ممكن بل هو ضروري، رغم أن بعض التصريحات وصلت لدرجة عالية جدًّا من اللامسؤولية التي كان بإمكاننا الرد عليها بالأناقة الكافية، لكن الأهم بالنسبة لنا اليوم هو المستقبل الذي يتطلب عملًا مشتركًا واستقرارًا. نحتاج وضع اليد في اليد واستغلال المساحات المشتركة لمصلحة البلاد، وهذا لن يلغي الاختلافات.

المكي: الاتفاق مع قلب تونس لم يرتقِ إلى مستوى تحالف حول برنامج مشترك وإنما هو التقاء حول خطوة معينة

  • هل لا تزال حركة النهضة متمسكة بحليفها الاستراتيجي حزب قلب تونس؟

إنّ الاتفاق مع قلب تونس وائتلاف الكرامة ليس تحالفًا بقدر ماهو التقاء حول خطوة معينة، وهو لم يرتقِ إلى مستوى تحالف حول برنامج مشترك لمرحلة تتطلب سنوات للأمام.

  • ما هو تعليقك حول ما تقوم به عبير موسي داخل البرلمان؟

كتلة الحزب الدستوري الحر خلقت أزمةً وبلبلةً في المشهد السياسي التونسي، وهي تعمل باستراتيجية خلق الأزمات لتظهر أن البلاد عاجزة.

وعبير موسي تخلق هذه الأزمات عن طريق الخطاب، وإيجاد شركاء، وحتى باللجوء للقوة البدنية من خلال احتلال المكان. وأستغرب بشكل كبير عدم التدخل الفوري للأجهزة القضائية للتعامل مع هذا السلوك.

والسبب الرئيسي لهذه التصرفات يتمثل في كَوْن هذه الفئة لم تصل لدرجات عليا في نظام بن علي قبل الثورة وعندما بدأت بالاستمتاع بالاستفراد بالسلطة جاءت الثورة وقطعت عليها هذه اللذة.

المكي: كتلة الدستوري الحر تعمل باستراتيجية خلق الأزمات لتظهر أن البلاد عاجزة

  • ما تعليقك حول ما يروج عن صراع محاور إقليمية داخل البرلمان التونسي؟

لا يمكن نفي أنّ هناك جهات تريد نجاح الثورة التونسية، وجِهات أخرى تريد فشلها كالكيان الصهيوني ومن معه في تحالفات موضوعية. لا أريد الدخول في هستيريا الاتهامات، فأنا أحكم بما هو واضح في البرلمان، إذ هناك طرف تونسي واضح وهو الحزب الدستوري الحر الذي يقوم بتعطيل المسار.

وزير الصحة السابق: اليوم نحتاج لمواجهة الفيروس بوضعية هجومية من خلال اقتصاد مفتوح وحدود مفتوحة

  • إلى جانب الوضع السياسي المتوتّر، الخطر الحقيقي الثاني الذي يهدّد البلاد  يتعلق بالتأثيرات المرتقبة للموجة الثانية من فيروس كورونا سواءً على الصعيد الاقتصادي أو الاجتماعي. كيف تقيم الوضع الوبائي اليوم وهل أنت مع إغلاق الحدود مرة أخرى والرجوع للحجر الصحي؟

لقد كنّا نتوقع هذا الوضع بعد فتحنا للحدود ولا يمكن إعادة مناقشة هذا القرار لأن الوضع على صعيد عام لا يتحمل إعادة غلق الحدود من جديد. كان هذا الإجراء قاسيًا على المجتمع لأن المسألة تستوجب وضعيّةً دفاعيّةً لمجابهة الوباء المجهول وتعديل الموجة واكتساب الخبرة الكافية لمقاومته.

اليوم نحتاج لـمواجهة الفيروس بوضعية هجومية من خلال اقتصاد مفتوح وحدود مفتوحة.

  • حسب تجربتك في مقاومة الموجة الأولى من كورونا كيف نستطيع تقليل تداعيات الموجة الثانية؟

من الممكن أن تتواصل أزمة كورونا معنا حتى أربع سنوات ويمكننا الخروج منها بأخف الأضرار وضمان استمرار نجاح التجربة التونسيّة في مقاومة الوباء وذلك من خلال ثلاثة فروع أساسيّة: الاعتماد على المبادئ الأساسيّة للطب الوقائي، الاعتماد على التنظيمات الجيدة والقيادة الفعّالة، والجزء الأهم هو الوقاية الفرديّة، فكلّما التزم الأفراد والمجموعات (مصانع، مساجد، مقاهي..) بالبروتوكولات كلّما كانت الموجة أخف.

المكي: النهضة تعمل اليوم في ظلّ نظام رئاسي مطلق يسميه رئيس الحركة بـ"المكتب التنفيذي المنسجم"

  • هل سيكون عبد اللطيف المكي، المنافس الشرس لراشد الغنوشي خلال المؤتمر القادم لحركة النهضة المبرمج في آخر السنة؟

من يخلف الغنوشي ليس مهمًّا بقدر أهمية الالتزام بالقانون وإحداث تغيير في منصب الرئاسة وفي عقلية قيادة الحركة. ليس هناك مشكلة قيادية في الحركة، إذ بالنسبة لنا، الأسماء ليست مهمّةً بقدر أهمية الفريق. النهضة اليوم تحتاج شراكةً فعليةً في القيادة؛ رئيسًا يدير الفريق وفريقًا يدير الحزب، وليس رئيسًا يدير الحزب بكامله ويكون فيه الفريق مجرد مساعد.

النهضة تعمل اليوم في ظلّ نظام رئاسي مطلق يسميه رئيس الحركة بـ"المكتب التنفيذي المنسجم"، أي المنسجم مع الرئيس انسجامًا سياسيًا، وعلى أساس هذا الانسجام يقع تعيين أعضاء هذا المكتب. وهذه الرؤية قد تجاوزها الزمن وإن صحّت سابقًا لن تصحّ اليوم. والأحزاب التي اقتيدت بطريقة فردية انتهت بنتائج سلبية.

إنّ إدارة الشأن الوطني معقدة وتتطلب كفاءةً سياسيةً اقتصاديةً فكريةً أخلاقيةً، وهذا لا يجتمع في شخص واحد مهما أوتي من قوة. قيادة جماعية يديرها رئيس له صلاحيات قانونية وقدرة على إدارة الفريق.

المكي: هناك مساع داخل الحركة لتعديل بعض القوانين بما يخدم مساعي راشد الغنوشي لعهدة جديدة

  • يروج أنّ هناك مساع داخل الحركة لتعديل بعض القوانين بما يخدم مساعي راشد الغنوشي لعهدة جديدة. ما مدى صحّة هذا؟

المسألة صحيحة وموجودة، والبعض لا يتجرأ للتصريح بها وبودّي لو يقع الحديث علنًا عن هذا الأمر. وتغيير القانون سيُدخل الحركة في إشكالات ويجعل المؤتمر يناقش مسائل ماضية. ومن أهمّ شروط نجاح المؤتمر أن يلتزم رئيس الحركة بالقانون بصورة واضحة لا لبس فيها وأن يَنهى كلّ من يتكلم باسمه في مسألة التمديد. وإن صار عكس ذلك فلكل حادث حديث.

المكي: إذا عرض عليَّ المشيشي وزارة الصحة سأنظر في ذلك

  • هل يمكن أن نراك وزير الصحة القادم ضمن تشكيلة هشام المشيشي؟

سأنظر في الأمر إذا عُرض عليّ وليس لي من شرط سوى أن نكمل مسيرة الإصلاح. وهذا الموضوع متروك لمن بيدهم القرار.

مراسلة "ألترا تونس" خلال المقابلة مع عبد اللطيف المكي

 

اقرأ/ي أيضًا:

حوار| عماد الدائمي: مخطط خارجي لاستهداف ديمقراطيتنا واتحاد الشغل خيّب الأمال

الطاهر المليجي لـ"ألترا تونس": بورقيبة أهان البايات و"الوطنية" ظلمتني