"حشيشة رمضان".. كيف تحوّل التعبير الشعبي إلى ذريعة لتعنيف النساء؟
14 مارس 2026
"ابعدني راني محشّش" عبارة تتردد كثيرًا بين الصائمين في تونس خلال شهر رمضان، ويمكن سماعها في الأسواق، وعلى ألسنة سائقي سيارات الأجرة، وحتى بين الأصدقاء والمقربين.
ويُستخدم هذا التعبير للدلالة على حالة من التوتر والانفعال غير المعتاد قد يمرّ بها بعض الصائمين خلال ساعات الصيام، ويُطلق عليها التونسيون اسم "حشيشة رمضان" والتي تنتج عادة عن الانقطاع المفاجئ عن الطعام والمشروبات والمنبهات مثل القهوة والسجائر.
وأصبح مصطلح "حشيشة رمضان" متداولًا على نطاق واسع في المجتمع التونسي منذ سنوات طويلة، ومع مرور الوقت، خرج التعبير من الاستخدام اليومي، ليحضر أيضًا في الأعمال الكوميدية التي تُعرض خلال شهر رمضان، حيث تُقدَّم مشاهد ساخرة تستلهم هذه الحالة وتصورها بطريقة طريفة.
لكن، في مقابل هذا التناول الطريف، يؤكد بعض المتابعين والناشطين في قضايا المرأة أن "حشيشة رمضان" أصبحت تُستخدم أحيانًا كذريعة لتبرير سلوكيات عنيفة داخل الأسرة، بما في ذلك تعنيف النساء.
يؤكد بعض المتابعين والناشطين في قضايا المرأة أن "حشيشة رمضان" أصبحت تُستخدم أحيانًا كذريعة لتبرير سلوكيات عنيفة داخل الأسرة، بما في ذلك تعنيف النساء في تونس
ضحية عنف: طلبوا مني السكوت لأن المُعتَدِي "محشش"
في اليوم الثالث من شهر رمضان المبارك، استقلت حياة سيارة أجرة عبر إحدى تطبيقات النقل، حيث تم الاتفاق على تسعيرة الرحلة من نهج الشام بالعاصمة إلى محطة النقل البري "المنصف باي" مقابل تسعة دنانير، إلا أنها فوجئت عند وصولها برفع السائق للمبلغ بحجة أنها تحمل حقيبة، وفق حديثها لـ"الترا تونس".
تقول حياة إنها اعترضت على رفع التسعيرة، ودافعت عن موقفها وطالبت السائق بالالتزام بالمبلغ المتفق عليه في التطبيقة، الذي كان أصلًا مرتفعًا مقارنة بالمسافة المقطوعة، لكن السائق هاجمها واعتدى عليها لفظيًا، وحاول ضربها لولا تدخل المارة لإيقافه.
اقرأ/ي أيضًا: تراجيديا شهر رمضان: "اسكت أنا محشّش"
وأضافت حياة أن الموقف كان صادمًا بالنسبة لها، ولا تزال تتساءل حتى اليوم من الذي منح السائق الحق في أخذ أموالها بالقوة والاعتداء عليها والإساءة إليها لمجرد أنها دافعت عن حقها، غير أن أكثر ما صدمها كان تعليق أحد المارّة الذي خاطبها قائلًا: "اسكت راهو محشّش".
وتقول حياة: "وقع كلامه عليّ كالصاعقة، ووقفت لبرهة عاجزة عن استيعاب ما يحدث، حتى أدركت أنني كنت ضحية لعنف يستند إلى تعبير شعبي يُستعمل غالبًا على أنه واقع طبيعي يجب التعايش معه، بينما في الحقيقة أصبح ذريعة لتعنيف النساء والأطفال والضعفاء".
لم تتوجه حياة إلى مركز الشرطة للإبلاغ عن تعرضها للعنف، إذ كانت مستعجلة للسفر إلى منزل عائلتها في محافظة المنستير. لكنها قامت بالإبلاغ عن الحادثة عبر الخاصية المخصصة في التطبيق، وحتى اليوم لم تتلق أي اتصال أو استفسار من المشرفين.
صحفية مختصة في قضايا النساء لـ"الترا تونس": ما يُعرف شعبيًا بـ"حشيشة رمضان" يُستخدم أحيانًا لتبرير سلوك الرجل، بحجة أنه متعب بسبب الصيام، بينما يُتوقع من المرأة أن تبقى نشيطة طوال اليوم وتتحمل تقلبات مزاجه وتؤدي واجباتها على أكمل وجه
وذكرت حياة لـ"الترا تونس" أنها كثيرًا ما كانت تشهد اعتداءات لفظية وجسدية ومشاجرات لا تنتهي في الأسواق والطرقات، خصوصًا خلال شهر رمضان، مؤكدة أن "الامتناع عن الطعام والشراب لا يمنح أحدًا الحق بالاعتداء على الناس وإهانتهم".
مختصة في قضايا النساء: العنف يرتفع في شهر الصيام
تستذكر الصحفية المختصة في قضايا النساء زهور المشرقي، في حديثها مع "الترا تونس"، حادثة مؤلمة وقعت قبل سنوات في منطقة سجنان من محافظة بنزرت خلال شهر رمضان، حين أقدم رجل تحت ذريعة "محشّش" على قتل زوجته لأن الحساء الذي أعدته لم يعجبه.
ولا يزال صدى هذه الحادثة البشعة يتردد بين سكان المنطقة، خصوصًا مع حلول شهر رمضان، حيث تُستعاد في الذاكرة كأحد الأمثلة المرعبة التي زرعت الخوف في قلوب كثير من نساء المنطقة، اللواتي يقضين ساعات طويلة في المطبخ لتحضير وجبة الإفطار، وفق المشرقي.
اقرأ/ي أيضًا: في بيتنا مدخن.. كيف نواجه نوبات الغضب في رمضان؟
وتضيف المشرقي أن ما يُعرف شعبيًا بـ"حشيشة رمضان" يُستخدم أحيانًا لتبرير سلوك الرجل، بحجة أنه متعب بسبب الصيام أو لعدم شرب القهوة أو التدخين، بينما يُتوقع من المرأة أن تبقى نشيطة طوال اليوم وتتحمل تقلبات مزاجه وتؤدي واجباتها المنزلية على أكمل وجه.
كما تشير إلى أنه إذا خرجت المرأة عن هذا التصور، فقد تتعرض للعنف، وأحيانًا لاعتداءات خطيرة مثل القتل، بذريعة ما يُسمى "حشيشة رمضان"، مؤكدة أن شهر رمضان هو شهر الرحمة والعبادات وليس فرصة يستغلها كثيرون لمزيد تعنيف النساء.
وتواصل الصحفية المختصة في قضايا النساء زهور المشرقي حديثها قائلة إن تونس تشهد في الفترة الأخيرة ارتفاعًا لافتًا في جرائم العنف ضد النساء، مشيرة إلى أن مستوى العنف يتضاعف في بعض المناسبات مثل شهر رمضان والأعياد.
صحفية مختصة في قضايا النساء لـ"الترا تونس": تونس تشهد في الفترة الأخيرة ارتفاعًا لافتًا في جرائم العنف ضد النساء، ومن المؤسف أن تحوّل ما يُعرف شعبيًا بـ"حشيشة رمضان" إلى ذريعة تُستخدم لتبرير العنف المسلط على النساء
وتضيف أنه من المؤسف تحوّل ما يُعرف شعبيًا بـ"حشيشة رمضان" إلى ذريعة تُستخدم لتبرير العنف المسلط على النساء، لافتة إلى أن القصص المتداولة تُظهر أن بعض النساء يعشن حالة من الخوف الحقيقي خلال شهر الصيام بسبب تقلبات مزاج الرجل التي توصف أحيانًا بأنها "غير مبررة".
وتتابع المشرقي أن المرأة أيضًا تصوم شهر رمضان وتتحمل مسؤوليات رعاية الأطفال والأعباء المنزلية والعمل، ومع ذلك لا يُنظر عادة إلى تغير مزاجها بسبب الصيام، بينما تُطالب في المقابل بمراعاة مزاج الرجل، وقد لا تنجو رغم ذلك من العنف.
اقرأ/ي أيضًا: 4485 إشعارًا يتعلق بالعنف ضد المرأة سنة 2025 في تونس
وفي ختام حديثها، دعت المشرقي النساء إلى عدم الصمت أمام أي شكل من أشكال العنف وعدم البحث عن مبررات له، مؤكدة أن السكوت قد يعرّض حياتهن للخطر ويشجع المعتدي على تكرار العنف مرة بعد أخرى.
ويشار إلى أن ظاهرة العنف المسلط على النساء لا تزال مرتفعة بشكل لافت، حيث سبق أن أعلنت جمعية أصوات نساء، أنه تم تسجيل 30 جريمة قتل للنساء في تونس سنة 2025، مقابل 5 جرائم قتل نساء خلال شهرين فقط منذ بداية سنة 2026، من بينها امرأة تعرضت للطعن من قبل زوجها في شهر رمضان الجاري.
وترى الجمعية أنّ "هذا التصاعد الخطير يعكس فشلًا في حماية النساء وتقصيرًا في تطبيق القوانين، ويؤكد أنّ قتل النساء لم يعد حالات معزولة، بل ظاهرة تتطلّب تدخلًا عاجلًا".
من جهتها، قالت ممثلة المرصد الوطني لمناهضة العنف ضدّ المرأة، رابحة بن حسين، في تصريح للإذاعة الوطنية، بداية مارس/آذار 2026، إنّ منسوب العنف ضد النساء يشهد ارتفاعًا خلال المناسبات على غرار العودة المدرسية والأعياد وشهر رمضان، داعية إلى ضرورة مكافحة هذه الظاهرة ووضع حدّ لها.
الكلمات المفتاحية
الطريق إلى الطين.. رحلة الحرفيات مع الوجع والجمال
في قرى الشمال التونسي، صناعة الفخار ليست مجرد حرفة، بل هي هوية. فكل آنية "قلة" أو "طاجين" أو "مبخرة" هي سجل للمسافات التي قُطعت، والبرد الذي استُحمل، والجوع الذي أُجّل. هي شاهدة على نساء جعلن من الطين ذهبًا، ومن الوجع فنًا
"الهجرة المهنية الآمنة" نحو أوروبا.. هل تحدّ من موجات الهجرة غير النظامية؟
تحول البحر المتوسط في السنوات الأخيرة إلى مسرح لمآسٍ متكررة، بعد تسجيل وفاة عشرات المهاجرين غرقًا خلال محاولات العبور، وهو ما يعيد طرح التساؤلات حول نجاعة البرامج الحالية في تقديم بدائل حقيقية وآمنة
السل في تونس.. "قنبلة موقوتة" تهدد المستهلكين و60% من الإصابات مصدرها الحيوان
جرثومة "السل خارج الرئة" تعيش طويلاً في الحليب ولا تموت إلا عند غليه في درجة حرارة تفوق 60 درجة مئوية لمدة لا تقل عن 25 دقيقة، وهو ما يجعل الألبان والأجبان غير المبسترة تشكّل خطرًا حقيقيًا، وفق الدكتورة ريم عبد الملك
عبد الله السعيد يمثل الثلاثاء للمرة الثانية أمام القضاء وسط دعوات لإطلاق سراحه
المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية: تضامن تام ولامشروط مع عبد الله السعيد وعائلته، وما يتعرض له يأتي في سياق تضييق ممنهج على العمل المدني وتجريم التضامن الإنساني، وندعو إلى الإفراج الفوري عنه
البارالمبي التونسي وجدي البوكحيلي يحرز ذهبية سباق ماراطون بوسطن الدولي
الجامعة التونسية لرياضة المعوقين: سجّل وجدي البوكحيلي توقيتًا مميزًا زمنه 2:23.39، متفوقًا على أبرز ملاحقيه ومنافسيه المباشرين، البطل الإسباني والمغربي محمد أمين الشنتوف
منع أمين مال منظمة حقوقية تونسية من السفر.. ما القصة؟
المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية: منع أمين مال المنتدى من مغادرة البلاد عبر مطار تونس قرطاج، فيما كان متوجهًا للمشاركة في نشاط يتعلق بتقديم حكم محكمة الشعوب في قضايا الهجرة
خبز النخالة في تونس.. تقشف مخفي أم قرار صحي؟
خبز النخالة يثير نقاشًا في تونس بعد قرار اعتماده وتوزيعه في الأسواق.. هل الأمر يتعلق بخبز صحي لا غير أو هناك أمر مخفي خلف ترويجه؟