حرية الصحافة في تونس.. استياء متزايد إزاء تراجع مكاسب الإعلام
3 مايو 2026
يحلّ الثالث من ماي/أيار، اليوم العالمي لحرية الصحافة، على المشهد الإعلامي في تونس هذا العام مثقلًا بالهواجس، في ظرفية لم تعد تقتصر فيها الأزمة على "تضييقات" السلطة فحسب، بل تمتد لتطال جوهر الوظيفة الديمقراطية للإعلام.
وبينما ترفع منظمات دولية تقاريرها المحذرة من "ردة حقوقية غير مسبوقة"، يرتفع صوت الفاعلين في القطاع ليس للاحتفال بمكاسب باتت أثرًا، بل لإعلان هشاشة الجسم الصحفي في ظل السياق الحالي في البلاد.
في هذا التقرير، نستعرض قراءات لصحفيين تونسيين يرسمون ملامح واقع "موجع وقاتم"، تتقاطع فيه القضبان مع الرقابة الذاتية وغياب المعلومة. فعبّر عدد من الصحفيين التونسيين بالتزامن مع اليوم العالمي لحرية الصحافة، عن استيائهم إزاء وضع حرية الصحافة في تونس، والواقع الصعب الذي يعاني منه الصحفيون التونسيون ويتردى فيه المشهد الإعلامي.
يحلّ الثالث من ماي، اليوم العالمي لحرية الصحافة، على المشهد الإعلامي في تونس هذا العام مثقلًا بالهواجس، التي ترسم ملامح واقع "موجع وقاتم"، تتقاطع فيه القضبان مع الرقابة الذاتية وغياب المعلومة
صحفيون تونسيون: وضع الصحافة موجع وقاتم
واعتبرت الصحفية منية العرفاوي، أنه "لا صحافة لنحتفل بها ولا حرية لنذكّر الحكام باحترامها"، قائلة في تدوينة لها: "هذا اليوم هو يوم للإحساس بالخذلان والخيبة والخجل، فلا أصحاب المهنة احترموا مهنتهم وأخلاقياتها وضوابطها وشرفها ولا الجمهور احترمها وراقبها بوعي ودعم جادّ، لتكون في النهاية ملاذه من كل بطش".
وأضافت: "أن تكون صحفيًا يعني أن تكون على يسار السلطة لأن مهنتك خُلقت لمراقبة تلك السلطة وهي في وضع اشتباك وعلاقة نقدية معها منذ الأزل، وإذا انخرطت يومًا في التلميع وتجاوزت دورك المهني في التعامل معها، فأنت تتخلّى آليًا عن صفتك المهنية وتنخرط في البروباغندا!، الصحافة تمنحك قوة خطيرة وهي "قوة التأثير" وإذا لم تفهم هذه القوة وتتعامل معها بحذر شديد وضمير حيّ يمكنك أن تدمّر بها مجتمعات.. وهذا ما فعله الإعلام في مرحلة الانتقال الديمقراطي عن حسن أو سوء نية، عن تخطيط او عن نقص تجربة في الحرية، لكن في النهاية كانت النتيجة كارثية، واليوم انسحب الجميع ولم يتركوا إلا الخراب و"الطناجر"".
ومن جانبه قال الصحفي التونسي فاهم بوكدوس، إن "ما تحقق في تونس بعد الثورة في مجال حرية الصحافة والتعبير لم يكن صلبًا كما بدا في لحظته الأولى، بل كان أقرب إلى توازن هشّ، صنعته لحظة سياسية استثنائية أكثر مما كرّسته مؤسسات راسخة. ذلك أن كثيرًا من الفاعلين، داخل القطاع وخارجه، تعاملوا مع تلك المكاسب بوصفها منجزًا نهائيًا غير قابل للارتداد، لا كمسار يحتاج إلى حماية دائمة ويقظة مستمرة".
اقرأ/ي أيضًا: واقع الحريات الصحفية في تونس.. 154 اعتداءً و14 ملاحقة قضائية
ولفت إلى أن "السلطة، عادت بأدوات متعددة، إلى إعادة تشكيل المجال الإعلامي، ليس عبر القمع الصريح وحده، بل كذلك من خلال التحكم الناعم: تشريعات فضفاضة، وتضييق إداري، وإضعاف الهيئات المستقلة، وصناعة مناخ عام يدفع نحو الرقابة الذاتية ويُفرغ الحرية من مضمونها الفعلي"، وشدّد بوكدوس على أن "التعبير عن أزمة حرية الصحافة لا يجب أن ينزلق إلى خطاب لطمي أو بكائيات تكتفي بتسجيل الخسارة، بل يفترض تفكيرًا عميقًا وتشاركيًا يُشخّص جذور الأزمة ويقترح مسارات الفعل، فالمسألة ليست مجرد تراجع، بل اختبار لقدرة الفاعلين على إعادة بناء شروط الحرية ضمن سياق متحوّل ومعقّد".
عبّر عدد من الصحفيين التونسيين بالتزامن مع اليوم العالمي لحرية الصحافة، عن استيائهم إزاء وضع حرية الصحافة في تونس، والواقع الصعب الذي يعاني منه الصحفيون ويتردى فيه المشهد الإعلامي في البلاد
ولفت إلى أن "ما تعيشه الصحافة التونسية اليوم ليس مجرد أزمة قطاع، بل لحظة كشف تاريخي: كشف لحدود انتقال ديمقراطي لم يُستكمل، ولخطورة سياق شعبوي يسعى إلى تقويض الوسائط التي يقوم عليها المجال العام، وهو ما يفرض إعادة التفكير جذريًا، لا فقط في سبل الدفاع عن حرية الصحافة، بل في شروط وجودها واستمرارها، باعتبارها وظيفة ديمقراطية لا يمكن أن تعيش في بيئة تضيق بالتعدد، ولا في مناخ يُعاد فيه تعريف "الشعب" بطريقة تُقصي كل صوت مختلف"، وفقه.
من جانب آخر اعتبرت الصحفية خولة السليتي أن "قطاع أصبح مقيدًا ومكبلًا، وأن النفاذ إلى المعلومة يكاد يكون منعدمًا"، وتابعت بقولها: "صحفيون في السجن وآخرون مهددون به في أي لحظة، المرسوم 54 عدو لحرية الصحافة لم يًسحب ولم يعدّل إلى اليوم، والصحافة الجالسة باتت واقعًا مفروضًا فنقل المعلومة بات صعبًا ودون نكهة".
وأضافت في توصيفها للمشهد الإعلامي في تونس: "اليوم نعيش في وضع تغيب فيه التعددية الإعلامية، وحتى الصوت الواحد بات الوصول إليه صعبًا.. الجهة الرسمية هي من تمسك بالمعلومة وهي من تقرر من يتكلم ومتى يتكلم.. لقد وصلنا إلى وضع مهني تعيس وموجع"، وفق قولها.
صحفيون في السجن واعتداءات بالجملة
من جانبه قال نقيب الصحفيين التونسيين زياد دبار، إنه "لا احتفال بحرية الصحافة في تونس والصحفيون خلف القضبان"، مضيفًا أنه يوجد ما لا يقل عن 28 تتبعًا لصحفيين تونسيين استنادًا إلى قوانين مختلفة ما عدا المرسوم عدد 115 المنظم للمهنة"، ووصف وضع قطاع الصحافة في تونس بـ"القاتم"، وذلك خلال ندوة صحفية انعقدت بمقرّ نقابة الصحفيين لتقديم التقرير السنوي لواقع الحريات الصحفية.
سجلت النقابة 154 حالة اعتداء على الصحفيين خلال الفترة من أفريل/نيسان 2025 إلى أفريل/نيسان 2026، إضافة إلى 14 ملاحقة قضائية للصحفيين، وصدور 5 أحكام سالبة للحرية في حق صحفيين تونسيين.
واعتبرت نقابة الصحفيين التونسيين في تقريرها أن "الأزمة التي يعيشها قطاع الإعلام اليوم لم تعد أزمة قطاعية أو ظرفية، بل أصبحت تعبيرًا مكثفًا عن اختلالات أوسع تطال التوازن بين السلطة والمجتمع، في سياق سياسي يتجه بشكل متسارع نحو تجريف الحياة السياسية، وتحجيم دور المجتمع المدني، وإضعاف الأجسام الوسيطة، تحت مبررات متعددة من قبيل مكافحة الفساد أو حماية الدولة من التفتت، بما أفضى عمليًا إلى إعادة تشكيل المجال العام على أسس أكثر انغلاقًا وأقل تعددية".
ترتيب تونس في مؤشر حرية الصحافة.. إلى الوراء سر!
وكان التصنيف العالمي لحرية الصحافة، الصادر سنويًا عن منظمة "مراسلون بلا حدود"، قد كشف عن تراجع تونس بـ 8 مراكز في مؤشر حرية الصحافة لسنة 2026، لتكتفي بالمرتبة 137 من ضمن 180 دولة يشملها التقرير.
ويتواصل المنحى التنازلي لمؤشر حرية الصحافة في تونس منذ سنوات، إذ تأخرت تونس إلى المرتبة 137 سنة 2026، وتأخرت إلى المرتبة 129 عالميًا، في التصنيف العالمي لسنة 2025، بعد أن كانت في المرتبة 118 عالميًا سنة 2024، وسبق أن اعتلت تونس الصدارة العربية خلال سنة 2021 بحلولها في المرتبة 73 عالميًا والأولى عربيًا.
اقرأ/ي أيضًا: خلّف عقوبات سجنية وصنصرة ذاتية.. دعوات لتنقيح المرسوم 54 في تونس
وأشارت منظمة "مراسلون بلا حدود" في تقريرها، إلى أن "النزعة إلى تجريم العمل الصحفي بلغت أعلى مستوياتها وفي شمال إفريقيا، لا تخرج تونس (المرتبة 137) عن هذا المنحى العالمي القائم على "الحرب القانونية"، فرغم أن المرسوم 54 المتعلق بـ"نشر أخبار زائفة" يشكل أداة رئيسية من أدوات تجريم الصحافة الناقدة في البلاد، فإن حالات تعليق عمل المنابر الإعلامية والملاحقات القضائية المتكررة تنم عن توظيف متزايد للقضاء ضد أهل المهنة"، وفقها.
ووسط هذا الواقع لحرية الصحافة، حذرت "مراسلون بلا حدود" من أن الصمت لم يعد خيارًا، وأن حماية الصحافة لم تعد مسألة مبدئية فقط، بل ضرورة ملحة تتطلب سياسات فعلية وإرادة دولية حقيقية لوقف هذا التدهور المستمر.
الكلمات المفتاحية
"نواجه التعتيم والمنع".. يوميات صحفيين في مواجهة عوائق الوصول إلى المعلومة
عضو المكتب التنفيذي لنقابة الصحفيين لـ"الترا تونس": الصحفيون يواجهون صعوبات متزايدة في الحصول على المعلومات الرسمية، مع تسجيل غياب لافت للرواية الرسمية في عدد من الملفات الحساسة التي تحيط بها تساؤلات عديدة، من بينها ملف الهجرة، والقضايا الأمنية، وغيرها من الملفات التي تهم الرأي العام
واقع الحريات الصحفية في تونس.. 154 اعتداءً و14 ملاحقة قضائية
سجلت نقابة الصحفيين 154 حالة اعتداء على الصحفيين في تونس خلال الفترة من أفريل 2025 إلى أفريل 2026، إضافة إلى 14 ملاحقة قضائية للصحفيين، وصدور 5 أحكام سالبة للحرية في حق صحفيين تونسيين
"رمضان ملء قلوبنا".. عن أشهر برنامج إذاعي رمضاني في تونس
برنامج "رمضان ملء قلوبنا" ليس برنامجًا عاديًا في الإذاعة، بل شعلة روحية ونفحة دينية أضاءت في تونس عبر أثير الإذاعة الوطنية التونسية لأزيد من ستين عامًا
"أنا يقظ": وعود سعيّد المتعلّقة باستقلالية القضاء تم تنفيذها في اتجاه معاكس
أعلنت منظمة أنا يقظ في منشور أن "استقلالية الوظيفة القضائية..
المجلس المحلي بكسرى يعلّق نشاطه إلى فترة غير محدّدة
المجلس المحلي بكسرى من ولاية سليانة: تمّ بتاريخ 15 جويلية المنقضي، إعلام السلط المحلية والجهوية بإمكانية تعليق نشاط المجلس في حال عدم الاستجابة للمطالب الواردة في محضر جلسة
لوّحت بالتصعيد.. منظمة: أهالي المهدية يعيشون تدهورًا متواصلًا في عديد القطاعات
أعلنت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان أن أهالي ولاية المهدية يعيشون منذ سنوات على..
مسابقة اختيار "ملكة جمال قليبية" تشعل الجدل في تونس.. ما القصة؟
شددت وزارة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن على ضرورة الامتناع عن..