ultracheck
مجتمع

حرائق الغابات في تونس.. حين تلتهم النيران شقاء العمر

28 يوليو 2026
حرائق الغابات في تونس مريم الناصري
الكارثة لم تحرق الممتلكات فحسب، بل وضعت المنظومة الفلاحية وآليات الدعم في تونس أمام امتحان حقيقي (مريم الناصري/الترا تونس)
مريم الناصري
مريم الناصري صحفية من تونس

تقف على مشارف إحدى القرى المُتضرّرة، فيستقبلك نسيم ساخن مُحمّل برائحة الحريق وطعم الرماد. هنا، لم تعد الأرض كما كانت، الهضاب التي كانت تنبض بالحياة، والحقول التي تلألأت بسنابل القمح والزيتون، تحولت في لحظات خاطفة إلى لوحة قاتمة سوداء.

المشهد في فرشان وجرادو بمنطقة ساقية سيدي يوسف وسيدي خيار وجبل الطويلة بنبر بولاية الكاف، جدّ مؤسف. بقايا جدران متفحمة لمنازل بسيطة احتضنت ذكريات عائلات آمنة، وأشجار زيتون معمرة كافحت الجفاف لسنوات لتستسلم في النهاية لألسنة اللهب الغادرة. الأمر ذاته في منطقة نفزة بولاية باجة بعد أن التهمت ألسنة النار أرزاق العشرات من الفلاحين بالمنطقة التي شهدت في الآونة الأخيرة حرائق في غابات كاب نقرو. إضافة إلى دوار الخرايصية بغار دماء وغيرها من المناطق.

تتجوّل بين الحقول والدروب الضيقة، فتتقاطع نظراتك مع وجوه أضناها الحزن والذهول. ليس المشهد مُجرّد أرقام أو خسائر مادية يُعلن عنها في الأخبار، بل هو نزيف إنساني وحكايات ألم.

  • خسائر كبيرة تطال الفلاحين

صالح، فلاح في العقد السادس من عمره من ساقية سيدي يوسف بالكاف، يقف مذهولًا أمام ما تبقى من زريبته. يُقلّب بيده رماد حزمة تبن، ويقول بنبرة يمتزج فيها القهر بالرضا، "هنا كانت أرزاقي، عشرات أشجار الزيتون أطعمت منها أبنائي عقودًا، والمواشيّ التي لم أتمكن من إنقاذها. النيران كانت أسرع منّا جميعًا، ولم تترك لنا حتى الأمل". يُضيف "لم نعش هذه المأساة من قبل، شقاء سنوات ذهب في لمح بصر".

تقف على مشارف إحدى القرى المُتضرّرة، فيستقبلك نسيم ساخن مُحمّل برائحة الحريق وطعم الرماد.. ليس المشهد مُجرّد أرقام أو خسائر مادية يُعلن عنها في الأخبار، بل هو نزيف إنساني وحكايات ألم

وقف الفلاح أحمد، من منطقة نفزة بولاية باجة، في منتصف حوش داره يُحملق في الفراغ، حظيرته التي كانت بالأمس تموجُ بالحياة، وتردّد أصداء ثغاء الشياه، أضحت اليوم هامدةً كالمقبرة، ففي تلك الرقعة المظلمة لم يخسر مجرد حيوانات تباع وتُشترى، بل فقد شقاء عمره، وعرقَ سنوات طوال قضاها يُراعي كائناته. نظر إلى الأرض التي تعودت على وطأة أقدام قطيعه، وشعر بالفجيعة تَعْصِرُ قلبه، حائرًا كيف سيبدأ من جديد وقد سُلب منه رأس ماله والسببُ الذي كان يدفعه للاستيقاظ كل صباح مع أول شعاعٍ للنهار.

 

مريم الناصري الترا تونس

 

الخسائر لم تطل الشجر والمواشي والحجر فحسب، بل قضت على خلايا النحل، ومعدات الري، وبعض الآلات الفلاحية التي جمع الفلاحون أقساطها دينارًا بدينار. إنه سقوط متسلسل لمصدر الرزق الوحيد لعشرات العائلات في عدّة مناطق بولاية الكاف وولاية جندوبة والقصرين ونابل. التي تجددت فيها الحرائق في أكثر من مناسبة. دون معرفة ما إذا كانت الأسباب ناتجة عن ارتفاع درجات الحرارة أم هي بفعل فاعل. وفي كلتا الحالتين ما يشغل بال سكان الأرياف هو تلك الخسائر التي لحقت العديد من الفلاحين.

  • مربو النحل أكثر المتضررين من حرائق الغابات

وقفت مربية النحل نادية ساسي على أطراف مستودعها، ترقب الحطام الأسود الذي آلت إليه أحلامها، حيث انقلبت الخلايا الزجاجية والمنحل الذي قضت سنوات في تشييده إلى مجرد رماد تذروه الرياح. لم تكن الحرائق المشتعلة التي التهمت الأشجار والغطاء النباتي تلتهم مُجرّد حطب وجذوع، بل كانت تأكل معها شقاء أسطول كامل من النحل، مُسقطة معه مشروع حياتها الذي بذلت في سبيله كل طاقتها ومُدّخراتها. 

صالح، فلاح من ساقية سيدي يوسف بالكاف: هنا كانت أرزاقي، عشرات أشجار الزيتون أطعمت منها أبنائي عقودًا، والمواشيّ التي لم أتمكن من إنقاذها. النيران كانت أسرع منّا جميعًا، ولم تترك لنا حتى الأمل

غابت رنّة الطنين المألوفة التي كانت تملأ الفضاء حياة وأملًا، وحلّ مكانها صمتٌ ثقيل يخنقه عبق الدخان وسواد الفحم، لتجد نفسها أخيرًا أمام واقع مرير، ممسكة ببعض بقايا الأعشاش المتفحّمة، وهي تحاول أن تستجمع شتات ذاتها لتبحث في هذا الرماد عن شرارة أمل جديدة تُعيد بها الحياة إلى منحلتها وسابق عهدها.

 

مريم الناصري الترا تونس

 

انقطاع الكهرباء المتكرر في منطقة دار شعبان الفهري في ولاية نابل تسبب في احتراق مشروعها بالكامل. تقول نادية بكل أسف إنّها "لم تتوقع أن تعيش مأساة تُفقدها ما قضت سنوات في تشييده. وقد تمكن منها اليأس بسبب ما لحقها من أضرار". 

  • صندوق الجوائح الطبيعية: آمال معلقة وشلل يعمّق الجراح

مع انطفاء آخر شرارة، وتبدد أدخنة الحريق، تبدأ رحلة البحث عن حلول وتعويضات تخفف من وطأة الكارثة. وهنا يصطدم المتضررون بواقع أكثر قسوة. وهي أزمة التعويضات والإجراءات المعقدة للدعم.

يرتفع صوت الفلاحين بالشكوى والمطالبة بتفعيل صندوق الجوائح الطبيعية، هذا الصندوق الذي وُجد أساسًا ليكون صمام أمان للفلاح في حالات الكوارث. لكن الصورة على الأرض تبدو قاتمة. فعادة يشتكي الفلاحون من تعقيد الإجراءات الإدارية وآليات التقييم التي تستغرق أشهرًا طويلة. كما أنّ الصندوق يعاني من صعوبات تمويلية وهيكلية تجعله غير قادر على تقديم تعويضات مجزية وسريعة تتناسب مع حجم الأضرار المهولة.

ووفق الأمر الحكومي عدد 213 لسنة 2025، فإنّ صندوق تعويض الأضرار الفلاحية الناجمة عن الجوائح الطبيعية يقتصر تدخله على تعويض الأضرار الناتجة عن الكوارث المناخية والطبيعية غير القابلة للتأمين العادي. وتشمل هذه الجوائح، الجفاف والفيضانات والعواصف والرياح القوية وتساقط البرد والثلوج والجليدة.

رئيس النقابة التونسية للفلاحين الميداني الضاوي: الحرائق التي تطال المحاصيل الزراعية، بما في ذلك صابة الحبوب، لا تندرج ضمن الأضرار التي يغطيها صندوق تعويض الأضرار الفلاحية الناجمة عن الجوائح الطبيعية

أما خسائر الحرائق، سواء كانت ناتجة عن شرارات آلات الحصاد أو عن عوامل بشرية أخرى، فتُصنّف ضمن المخاطر العادية التي لا يشملها نظام التعويض الخاص بالجوائح الطبيعية، ويتم تغطيتها حصرًا عبر عقود التأمين التجاري التي تُوفرها شركات التأمين المختصة.

أما الأنشطة المعنية بالتعويضات فتشمل الزراعات الكبرى، الحبوب، الأعلاف، الخضروات، الأشجار المثمرة، تربية الماشية، والصيد البحري. وعلى الرغم من أنّ تربية النحل أو تربية الدواجن تعتبر من الأنشطة الفلاحية إلا أنّ قانون التعويض لا يشملها.

 

مريم الناصري الترا تونس

 

وعادة لا يوقع الفلاحون عقود تأمين تجاري مع شركات التأمين المختصة. إذ يشير جوهر أحد مربي النحل إلى أنّ "شركات التأمين لا تُؤمّن غالبًا سوى المشاريع الفلاحية الكبرى والمزارع التي تنشط فيها عدّة أنشطة".

وقد سبق أن أكد رئيس النقابة التونسية للفلاحين الميداني الضاوي في تصريحات إعلامية أنّ الحرائق التي تطال المحاصيل الزراعية، بما في ذلك صابة الحبوب، لا تندرج ضمن الأضرار التي يغطيها صندوق تعويض الأضرار الفلاحية الناجمة عن الجوائح الطبيعية، موضحًا أن هذا النوع من المخاطر يخضع للتأمين التجاري الذي يتعين على الفلاح الاكتتاب فيه بشكل مسبق.

كما أشار إلى أنّ الفلاح مطالب بتأمين إنتاجه ضد مخاطر الحرائق والبرد عبر عقود تأمين خاصة، مشيرًا إلى أنّ صندوق الجوائح الطبيعية لا يتدخل في مثل هذه الحالات.

تغادر أحد تلك الأمكنة التي لحقتها أضرار كبيرة، والشمس تغرب خلف جبال متفحمة، لتترك خلفك صورًا لا تُنسى. فالكارثة لم تحرق الممتلكات فحسب، بل وضعت المنظومة الفلاحية وآليات الدعم في تونس أمام امتحان حقيقي. يبسط الفلاحون أيديهم ليس طلبًا للإعانة، بل استردادًا لحقهم في حماية أرزاقهم، كي لا تتحول الأرياف التونسية إلى أراضٍ مهجورة بعد أن هجرها أهلها قسرًا.

 

مريم الناصري الترا تونس

الكلمات المفتاحية

حرائق تونس 2026

ما بعد الرماد.. قصص عائلات منكوبة وحياة معلقة على أطراف الجبال المحترقة

بسبب الحرائق التي نشبت في عدّة مناطق في تونس صائفة هذا العام تغيّر المشهد وتغيرت معها الحركة في تلك المناطق المحترقة، وبات السكان هناك يتحدّثون عما بعد الرماد


الملاسين اغتصاب قاصر

فاجعة اغتصاب قاصر بالملاسين.. صدمة واسعة في تونس ودعوات لمحاسبة المعتدين

خلّفت حادثة احتجاز قاصر واغتصابها في جهة الملاسين بضواحي العاصمة، وفق المعطيات الأولية، صدمة كبيرة في الشارع التونسي، ودعت عدة جهات حقوقية ومدنية إلى تطبيق القانون ومحاسبة المعتدين


المعطلين عن العمل تونس

أولياء يحتجون من أجل تشغيل أبنائهم.. حين يحمل الآباء مطالب جيل عاطل

الكاتب العام الجهوي لاتحاد أصحاب الشهادات المعطلين وسيم جدي لـ"الترا تونس": آمال المعطلين عن العمل معلّقة على القانون عدد 18


المبيت الجامعي

أول ليلة في المبيت الجامعي.. كيف يعيش الطلبة بداية تجربة جديدة؟

الإحصائيات الرسمية، مهما بلغت دقتها في إحصاء الأسرة والمبيتات ونسب الإيواء، تظل قاصرة عن قياس حجم التحولات النفسية والاجتماعية التي يعيشها الطلبة

طقس تونس.. أمطار متفرقة مع استقرار في درجات الحرارة
منوعات

طقس تونس.. سحب كثيفة مع أمطار وانخفاض في درجات الحرارة

معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تشهد انخفاضًا نسبيًا، وتصل أقصاها إلى 31 درجة بأقصى الجنوب

مطر طقس غيتي.jpg
منوعات

معهد الرصد الجوي يكشف الولايات المعنيّة بنزول أمطار غزيرة يوم الجمعة

معهد الرصد الجوي: يتواصل نزول أمطار متفرقة ومؤقتًا رعدية يوم الغد السبت 10 أكتوبر 2026 بالمناطق الساحلية الشمالية


إلزامية تقديم بطاقة عدد 3 عند طلب تأشيرات عمل جديدة للتونسيين بالإمارات
سیاسة

الإمارات تفرض البطاقة عدد 3 على التونسيين الراغبين في العمل بها

بالنسبة إلى المواطنين التونسيين الموجودين بدولة الإمارات بتأشيرات زيارة، الذين تحصلوا على فرص عمل ويرغبون في تسوية وضعياتهم القانونية واستكمال إجراءات الحصول على تأشيرات عمل، أفادت القنصلية بأنهم يتمتعون بمهلة قدرها 45 يومًا من تاريخ دخول القرار حيز التنفيذ.

طقس مطر غيتي_0.jpg
منوعات

طقس تونس.. الحرارة في انخفاض ملحوظ مع أمطار غزيرة بعدد من الجهات

معهد الرصد الجوي: الريح تكون قوية نسبيًا فتدريجيًا قوية قرب السواحل الشرقية وبالجنوب حيث تثير محليًا الرمال والأتربة وضعيفة فمعتدلة ببقية الجهات

الأكثر قراءة

1
منوعات

جوائز "إندا العالم العربي".. تتويج 3 مبادرات بيئية تونسية


2
سیاسة

حزب تونسي يستنكر ما رافق محاكمة رياض بن فضل ويطالب بالإفراج الفوري عنه


3
مجتمع

الكراء المملك في تونس.. كل ما يجب أن تعرفه لاقتناء مسكن


4
منوعات

البطولة التونسية..الترجي يتألّق بثلاثية والإفريقي والصفاقسي يتعرضان للهزيمة


5
مجتمع

وقفة احتجاجية رابعة أمام وزارة التربية.. متظلّمو مناظرة "الكاباس" يوضحون مطالبهم لـ"الترا تونس"