حتى لا يتحوّل القطاع الثّقافي إلى حطب انتخابي

حتى لا يتحوّل القطاع الثّقافي إلى حطب انتخابي

على خلفية قرار رئيس الحكومة الترفيع في ميزانية وزارة الثقافة في خضم السباق الرئاسي (الشاذلي بن ابراهيم/Getty)

 

مقال رأي

 

ساعات قبل تسليم مهامه وقتيًا لعضو حكومته ورئيس المجلس الوطني لحزبه "تحيا تونس" والانشغال بحملته الانتخابية لرئاسيات 2019 السابقة لأوانها، قرر يوسف الشاهد، وبشكل فجئي، الترفيع في ميازنية وزارة الشؤون الثقافية بنسبة واحد في المائة من الميزانية العامة للدولة التونسية لسنة 2020.

ويُحمل هذا القرار على عدة أوجه لعل أبرزها الوجه السياسي، إذ أجمع المحللون على أن اختيار رئيس الحكومة لهذا التوقيت بالذات للإعلان عن هذه الزيادة في ميزانية وزارة الشؤون الثقافية يأتي على وقع التنافس الشديد في السباق الرئاسي نحو قصر قرطاج وذلك من أجل تعزيز حظوظه في هذا السباق الصعب. واختيار الشاهد القطاع الثقافي لـ"يغدق" عليه ليس اعتباطًا، فالمسألة مدروسة ودقيقة جدًا لأن قطاع الثقافة في تونس هو قطاع حيوي يبدو لامرئيًا أحيانًا لكنه يرتبط، في حقيقة الأمر، بالنخبة المثقفة من كتاب وشعراء وسينمائيين ومسرحيين وموسيقيين ومطربين ورسامين.

 أجمع المحللون على أن اختيار رئيس الحكومة لهذا التوقيت بالذات للإعلان عن الزيادة في ميزانية وزارة الشؤون الثقافية يأتي على وقع التنافس الشديد في السباق الرئاسي نحو قصر قرطاج

ويشغّل هذا القطاع آلاف التونسيين، ويتقاطع معه فاعلين آخرين من صناعيين ثقافيين وما ارتبط بهم من تجار ومروجين وأيضًا نسيج مدني يعد بالآلاف من جمعيات ومنظمات تنشط في المجال الثقافي بمختلف تفريعاته. ويبدو أن يوسف الشاهد نظر إلى هؤلاء جميعًا نظرة انتخابية صرفة على أساس إمكانية تحوّلهم إلى خزان انتخابي لصالحه، خاصة إذا علمنا أن قطاع الثقافة في تونس لم يتحرر بعد من ارتباطه الانصهاري بالدولة حيث مازالت أمومة الدولة هي السائدة. فوزارة شؤون الثقافية هي التي تمنح وتساعد وتشتري المنتوج الثقافي وتوزعه على عامة الناس، وهي التي تدعم المشاريع الثقافية، وترعى الثقافة في الجهات وتؤمن بعض الجوانب الاجتماعية للمثقفين والناشطين في القطاع.

ولا ننسى أيضًا أنّ هذا الترفيع كان من ضمن نقاط البرنامج الانتخابي للمخلوع زين العابدين بن علي في عهدته الأخيرة (2009-2014) التي فاجأتها الثورة في شتاء 2011/2010، وحولتها إلى مادة مشتهاة للتاريخ. وقد ابتهج أهل الثقافة في تلك الفترة للوعد بالترفيع في نسبة ميزانية الوزارة، وتوقعوا حالًا أفضل للثقافة، ولكن طبعًا الثقافة التي يجب أن تكون على مقاس السلطة والمنسجمة مع ما يريده النظام لها.

اقرأ/ي أيضًا: في الرئاسيات.. لا تأمن السّكوت ولا تصدقن "البلعوط"

لكن مقابل ذلك، يحلّ سؤال يفرض نفسه في هذه الحالة: هل وزارة الشؤون الثقافية مستعدة لهذا الحجم من المال الذي سيعزز موازنتها إذ ستبلغ الميزانية 470 مليون دينار مقابل 300 مليون دينار في سابق السنوات؟ وما هي خطتها الاستراتيجية لإنفاقها؟

حسب ما جاء في الندوة الصحفية التي عقدها وزير الشؤون الثقافية على إثر قرار الترفيع، لن تشذ مسالك المخصصات المالية الجديدة في توزيعها عن باقي مخصصات الميزانية، إذ ستتوجه أساسًا نحو تعزيز ميزانيات المؤسسات الثقافية والتظاهرات الفنية والترفيهية والفكرية التي بلغ عددها سنة 2019 حوالي 117 ألف تظاهرة مقابل 27 ألف تظاهرة سنة 2016، وتدعيم حقوق العاملين بالقطاع الثقافي وكذلك تحسين البنية التحتية للمؤسسات الثقافية. وستستهدف المخصصات أيضًا دعم الجمعيات الثقافية الذي تجاوز عددها 1360 جمعية خلال سنة 2019 مقابل 400 جمعية سنة 2016، وتوسيع شبكة صيانة وترميم المواقع والمعالم الأثرية وحمايتها وحراستها مع دعم المبادرات الثقافية الفردية.

 وفي اعتقادي أن وزارة الشؤون الثقافية بهذا التصور وبهذه التوزيعية التقليدية المتوارثة وعلى أهميتها لم ترق لطموح الترفيع بواحد في المائة من الميزانية العامة للدولة خاصة في مستوي إسناد الثقافة في الجهات ومراعاة خصوصياتها المحلية وخلق أقطاب محلية تستطيع الحد من مركزية التظاهرات الثقافية بالعاصمة أو بعض المدن الكبرى.

إن تطور ميزانية وزارة الشؤون الثقافية قد يبدو مستحقًا لكن لا نريد لهذا الترفيع توظيفًا سياسيًا قد يمسّ من المسار الديمقراطي في تونس يتحول بموجبه نشطاء القطاع الثقافي إلى حطب انتخابي

كما أهملت التفكير في خطة عاجلة من أجل تطوير الصناعات الثقافية التي بقيت ولسنوات لا تشتغل إلا في قطاعي الكتاب والسينما، وذلك عدا ملف تشجيع المستثمر التونسي والأجنبي على بعث مشاريع في القطاع الثقافي، مع لزوم التفكير في بعث صندوق خاص يعني بالجانب الاجتماعي للفاعلين في القطاع الثقافي وللمثقفين والفنانين على وجه الخصوص.

ولا يُغفل مطمح الذهاب لرقمنة مدونات الأدب التونسي ضمن خطة للنهوض بالمكتبات العمومية التي باتت مهجورة منذ سنوات، وكذا إنشاء متاحف جديدة بالجهات بعضها يكون مختصًا، عدا عن التفكير في توزيع بعض التظاهرات الكبرى والتي تطور عددها من 6 تظاهرات سنة 2016 إلى 17 تظاهرة في 2019 على بعض المدن التونسية حسب الخصوصيات المحلية والإقليمية.

ولذلك نقول إن تطور ميزانية وزارة الشؤون الثقافية في هذه اللحظة التاريخية قد يبدو مستحقًا، وفي جوهره منسجمًا مع دستور الجمهورية الثانية الذي يمنح، بشكل جليّ وواضح، الحق في الثقافة لكل مواطن تونسي، لكن لا نريد لهذا الترفيع توظيفًا سياسيًا قد يمسّ من المسار الديمقراطي في تونس يتحول بموجبه نشطاء القطاع الثقافي إلى حطب انتخابي، بل نريده في انسجام مطلق مع ما تطلبه الآن الحياة الثقافية التونسية من مستلزمات تمكن تونس من إشعاع ثقافي وفكري كوني ،وأيضًا ترجمة لأحلام أجيال من المثقفين التونسيين اللذين لم يكفّوا يومًا عن الطيران في سماء الحرية الواسعة بمنجزاتهم وكتاباتهم وفنونهم ورقيّ مبادئهم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

النساء في التشريعية:لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة؟!

الانتخابات: مبادئ التغطية الصحفية الخائبة!