حتى لا نتحوّل إلى مجتمع

حتى لا نتحوّل إلى مجتمع "الرّيسك"

665 مشاهدة
سجل المجتمع التونسي عديد حالات اغتصاب الأطفال والنساء في الآونة الأخيرة (صورة أرشيفية/ فتحي بلعيد/ أ ف ب)

كلّ المجتمعات في العالم لها منتوجها من العنف سواء أكان هذا العنف رمزيًا أو ماديًا، ويؤكد علماء الاجتماع أن هذا العنف هو نتاج طبيعي وحتمي للعيش المشترك فهو ينبثق من شقوق التفاعلات الاجتماعية والسياسية والثقافية. وأحيانًا يتّخذ له مسارات دموية قاسية منهية لحياة الإنسان. وأحيانًا أخرى نجد هذا العنف هاتكًا للمعنويات والذوات البشرية. وكلاهما تدمير ونسف لحسن البقاء. 

لكن لم تكتف المجتمعات وخاصة المتقدمة منها بحتمية هذا العنف بل جنّدت كل إمكانياتها لإضعاف منسوب هذا العنف في انتظار القضاء عليه تمامًا والوصول إلى ما يسميه ماكس فيبر بـ"مجتمعات اللاّعنف".

تضاعفت في تونس أشكال أخرى للعنف كنّا نحسب حضورها طفيفًا مثل التحرش الجنسي في الطريق العام وداخل وسائل النقل العمومي

وتونس كغيرها من المجتمعات غير خالية من العنف، بل تتحوّز العنف بأشكاله وألوانه المتعددة. ويبدو أن هذا العنف قد تنامت وتيرته بفعل التغيرات الاجتماعية التي طرأت في السنوات التونسية الأخيرة،  فبتنا نتحدث عن الإرهاب كأعتى أنواع العنف وأبرزها على السطح المجتمعي. أيضًا العنف اللفظي بجميع تمظهراته، فسرت في الحقل اللغوي التونسي مصطلحات جديدة وعنيفة بدلالات بورنوغرافية تخدش الحياء وتمسّ من الأخلاق العامّة.

اقرأ/ي أيضًا: تحليل قانوني: العلاقات الجنسية في القانون التونسي

كما تضاعفت في تونس أشكال أخرى للعنف كنّا نحسب حضورها طفيفًا مثل التحرش الجنسي في الطريق العام وداخل وسائل النقل العمومي والسلب والنّطر والاعتداء على فضاءات التربية والتعليم وعنف الملاعب الرياضية.

كل هذه الأنواع من العنف وغيرها وفي ظل خفوت تطبيق القانون وأحيانًا غيابه نظرًا لانشغال الجميع بالشأن السياسي والاقتصادي في هذه اللحظة التاريخية الفارقة من تأسيس الجمهورية الثانية التي تتطلب بدورها ترتيب الأولويات وبعض التضحيات التي يجب على المجتمع التونسي أن يقوم بها. فإن العنف المجتمعي انزلق إلى مسارب أخطر مما كنا نتوقع حيث سجل المجتمع التونسي في الآونة الاخيرة عنفًا خطيرًا بات موجهًا إلى فئتين اجتماعيتين وهما المرأة والطفل وهو عنف يمس من كرامتهما الإنسانية ويتمثّل أساسًا في الاغتصاب الجنسي.

فالاغتصاب تفشى وسرى في المجتمع سريان النار في الهشيم. وقد وصل الأمر إلى اغتصاب الأطفال والعجائز والرضّع وقد سجل المجتمع التونسي مؤخرًا سلسلة من حالات الاغتصاب هزّت الرأي العام المحلي والعربي. ومن هذه الحالات ما انجرّ عنه وفاة المغتصبة أو خلّف عاهات نفسية مزمنة أو أعطابًا في العلاقات الاجتماعية في المحيط الذي جدّت فيه الحادثة، وقد اعتبر ذلك عنفًا شديدًا.

اقرأ/ي أيضًا: تونس: الجنس متاح لمن استطاع إلى "اللّوكال" سبيلًا..

 انقسم المجتمع التونسي بخصوص حوادث الاغتصاب التي تواترت بقوّة هذه الأيام بين مطالب بالقصاص بمفهومه الديني والإعدام بمفهومه القانوني

ومع هذه الحالات النابتة، انتبه المجتمع مجددًا لموضوع العنف المسلط على فئتي المرأة والطفل وعاد الحديث والنقاش بقوّة بخصوص خطورة هذا العنف والتقليب في أسبابه واقتراح الحلول اللازمة لإضعاف منسوبه والحدّ من تفشّيه.

وقد انقسم المجتمع التونسي بخصوص حوادث الاغتصاب التي تواترت بقوّة هذه الأيام بين مطالب بالقصاص بمفهومه الديني والإعدام بمفهومه القانوني. وعرفت وسائل التواصل الاجتماعي وخاصّة الفيسبوك ــالأكثر استعمالًا في تونس ــ  جدلًا ونقاشًا أظهر جوانب هي بدورها بدت عنيفة ولم تكن معهودة في الشخصية التونسية.

كما تناولت الأقلام المختصة في العلوم الإنسانية وخاصة علم النفس الاجتماعي وعلم اجتماع الجريمة والفلسفة الاجتماعية موضوع عودة العنف بشكل عام ومنه المسلط على المرأة والطّفل إلى جنبات المجتمع التونسي، وكان ثمّة إجماع على أن الأمر يتعلق بمسألتين رئيسيتين، الأولى مرتبطة بعدم إحكام موضوع الجريمة في تونس بمستوييها القضائي والأمني وفي هذه النقطة بالذات تذمر التونسيون من مسألة العفو التشريعي العام الذي حدث مباشرة في الأيام الأولى للثورة والتشريعات الرئاسية المتتالية بمناسبة الأعياد الوطنية، وكلّها شملت مجرمين صنّف بعضهم بالخطير جدًا.

في حال غياب الدولة بمؤسساتها وبثقلها اللّوجستي  فإننا سنتحوّل لا محالة إلى " مجتمع الرّيسك" حيث الأفراد يصبحون تحت طائلة العنف بأشكاله وأنواعه وتدار حياتهم بقوانين الغاب

أما المسألة الثانية فتتعلق بـ"فوضى التنمية" حيث لم يشهد المجتمع التونسي استقراره التنموي منذ سنوات وهو ما انجرّ عنه ارتفاع في نسب البطالة وهجرة داخلية حادة من الأرياف والمدن الصغيرة إلى ضواحي المدن الكبرى وخاصة ضواحي إقليم تونس الكبرى ومدن الساحل التونسي ومدينة صفاقس. ففي هذه الضواحي تكثر الجريمة وتباع المخدرات وتنظم "الحرقات ". حتى أنها باتت تشبّه  بـ"كارتالات" مدن أمريكا اللاتينية.

لقد حاول أهل الاختصاص تشخيص مسألة تفشي عنف الاغتصاب في المجتمع واقترحوا حزمة من الحلول بعضها عاجل. لكن يبقى دور الدولة بارزًا في وقاية التونسيين من هذه الظواهر المستجدة أو المتفشية وذلك من خلال الإيمان بهذه الاقتراحات ووضع استراتيجيات تقي المجتمع هذه المخاطر وهذا العنف، وفي حال غياب الدولة بمؤسساتها وبثقلها اللّوجستي وباعتبارها أيضًا الجهة الوحيدة التي تملك "العنف الشرعي" الذي خوّله لها المجتمع فإننا سنتحوّل لا محالة إلى "مجتمع الرّيسك" حيث الأفراد يصبحون تحت طائلة العنف بأشكاله وأنواعه وتدار حياتهم بقوانين الغاب.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عقوبة الإعدام .. بين العدالة الجنائية والحق في الحياة

ضحايا الاغتصاب في تونس.. قصص الوجع الدائم