ultracheck
مجتمع

"جيل جديد من المدمنين".. السجائر الإلكترونية تهدد صحة أطفال تونس

14 أكتوبر 2025
“من لعبة إلى إدمان”... شهادات تكشف الوجه الخفي للسجائر الإلكترونية بين المراهقين
الطبيب المختص في الأمراض الصدرية، زهير السويسي لـ"الترا تونس": " هناك ارتفاع مقلق في نسبة استهلاك السجائر الإلكترونية بين الشباب والمراهقين في تونس (صورة توضيحية/Getty)
حكمة مصدق
حكمة مصدق صحفية من تونس

في المدارس والمقاهي وأروقة الأحياء، لم تعد السيجارة الإلكترونية مشهدًا غريبًا بين أيدي المراهقين. وخلف الدخان ذو النكهات المتعددة، يختبئ خطر صحي متصاعد كشف عنه المسح الوطني للشباب حول التبغ لسنة 2024، الذي أظهر أنّ التدخين، وخاصة الإلكتروني منه، تسلّل سريعًا إلى صفوف المراهقين التونسيين.

تُظهر الأرقام الرسمية للمسح العالمي للشباب حول التبغ لعام 2024، الذي أُجري في تونس ضمن إطار النظام العالمي لرصد التبغ وبمشاركة وزارة الصحة ويُعدّ المرجع الأساسي لمتابعة سلوكيات التدخين بين المراهقين، أنّه في سنة 2024، وصل الاستخدام الإجمالي لأي منتج من منتجات التبغ (بما في ذلك السجائر الإلكترونية) في تونس، إلى 22,8% من التلاميذ الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و15 سنة، من بينهم 30,7% من الذكور و14,9% من الإناث.

المسح العالمي للشباب حول التبغ لعام 2024: وصل الاستخدام الإجمالي لأي منتج من منتجات التبغ بما في ذلك السجائر الإلكترونية في تونس، إلى 22,8% من التلاميذ الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و15 سنة، من بينهم 30,7% من الذكور و14,9% من الإناث

ووفق التقرير الذي قامت به وزارة الصحة فإن 76,8% من المدخنين حاولوا الإقلاع خلال سنة 2024، و72,1% منهم عبّروا عن رغبتهم الفورية في التوقف، إلا أن سهولة الوصول إلى منتجات التدخين تبقى من أهم العوائق. فقد صرّح 60,3% من التلاميذ المدخنين بأنهم اشتروا السجائر من محلات أو أكشاك، فيما لم يُمنع 76,2% منهم من الشراء بسبب صغر سنّهم، وفق نفس التقرير.

"ارتفاع مقلق لاستهلاك السجائر الإلكترونية بين الأطفال والمراهقين في تونس"

وفي تصريح لـ"الترا تونس"، قال الطبيب المختص في الأمراض الصدرية والمكلف بالإعلام في التحالف التونسي ضد التدخين، زهير السويسي: " هناك ارتفاع مقلق في نسبة استهلاك السجائر الإلكترونية بين الشباب والمراهقين في تونس، خاصة في صفوف الفئة العمرية بين 13 و15 سنة، وبلادنا تشهد موجة جديدة وخطيرة من الإدمان المبكر".

'Puff Bars'، هي سجائر إلكترونية تُباع بألوان زاهية وروائح فواكه، وتُقدَّم في شكل أقلام (كريستوف فورلونغ/Getty)

وتابع السويسي لـ"الترا تونس" أنّ نسبة مستخدمي السجائر الإلكترونية بين هذه الفئة "ارتفعت من نحو 4% سنة 2017 إلى 16,1% سنة 2024، حسب نتائج المسح العالمي للشباب حول التبغ (GYTS)، حيث بلغ الاستخدام بين التلاميذ 22,6% من الذكور و9,7% من الإناث، ما يمثل زيادة بأكثر من أربعة أضعاف خلال سبع سنوات فقط، وهو مؤشر خطير وقفزة غير مسبوقة".

زهير السويسي، عضو في التحالف التونسي ضد التدخين لـ"الترا تونس": نسبة مستخدمي السجائر الإلكترونية لدى الفئة العمرية بين 13 و15 سنة ارتفعت من نحو 4% سنة 2017 إلى 16,1% سنة 2024، حسب نتائج المسح العالمي للشباب حول التبغ، ما يمثل زيادة بأكثر من 4 أضعاف خلال 7 سنوات فقط

وأشار السويسي إلى أن تونس تواجه "تحوّلًا خطيرًا في أنماط الإدمان"، مشيرًا إلى أنّ "السجائر الإلكترونية ليست وسيلة للإقلاع كما يُروَّج، بل باب جديد للإدمان وتهديد لصحة الأطفال والشباب التونسيين".

وأضاف: "نحن اليوم أمام جيل من المدمنين في طور التكوّن. لاحظنا ارتفاعًا كبيرًا في استهلاك السجائر الإلكترونية بين الأطفال والمراهقين، خاصة ما يُعرف بـ'Puff Bars'، وهي سجائر إلكترونية تُباع بألوان زاهية وروائح فواكه وحلوى، وتُقدَّم في شكل أقلام مصمّمة خصيصًا لجذب القُصّر. شركات التبغ هي نفسها التي تقف وراءها، بهدف ضمان سوق مستقبلية من المدمنين على النيكوتين".

زهير السويسي، طبيب أمراض صدرية لـ"الترا تونس": نحن اليوم أمام جيل من المدمنين في طور التكوّن. لاحظنا ارتفاعًا مقلقًا في استهلاك السجائر الإلكترونية بين الأطفال، خاصة ما يُعرف بـ'Puff Bars'، وهي سجائر تُباع بألوان زاهية وروائح فواكه وحلوى، وتُقدَّم في شكل أقلام مصمّمة خصيصًا لجذب القُصّر

وعن مخاطر السجائر الإلكترونية، أوضح السويسي أنّه " خلف الألوان الزاهية للسجائر يختفي وجه مظلم، إذ أن التعرّض المبكر للنيكوتين عبر هذه الأجهزة يؤدي إلى تغيّرات بنيوية في دماغ المراهق"، مضيفًا: "الدماغ يستمر في النمو حتى سن الخامسة والعشرين، والنيكوتين يُحدث اضطرابًا في القشرة الجبهية الأمامية المسؤولة عن التحكم والسلوك العاطفي. أظهرت الدراسات زيادة اضطرابات التركيز بنسبة 40% لدى مستعمليها المنتظمين، إلى جانب أمراض الجهاز التنفسي، ضعف الذاكرة وتراجع التحصيل الدراسي".

وتابع قائلًا: "نحن لا نعرف بعد كل أضرارها، فهي منتجات جديدة. احتجنا إلى 30 عامًا لاكتشاف أن السجائر التقليدية تسبب السرطان. لذلك من المرجّح أن نكتشف خلال السنوات المقبلة مضار أكثر خطورة لهذه الأجهزة".

عضو في التحالف التونسي ضد التدخين، زهير السويسي لـ"الترا تونس": نحن لا نعرف بعد كل أضرارها، فهي منتجات جديدة. احتجنا إلى 30 عامًا لاكتشاف أن السجائر التقليدية تسبب السرطان. لذلك من المرجّح أن نكتشف خلال السنوات المقبلة مضار أكثر خطورة لهذه الأجهزة

كما اعتبر أنّ الخطورة لا تكمن في المنتج فقط، بل في الصورة التي يروّجها، قائلًا: "هذه الأجهزة أصبحت رمزًا للمباهاة بين التلاميذ. تُباع في كل مكان، في سوق منصف الباي وحتى عبر الإنترنت، ويصعب تتبّعها. لا وعي حقيقي لدى الأسر بخطورتها، إذ يُنظر إليها كموضة أو لعبة، بينما هي وسيلة لتثبيت إدمان طويل المدى على النيكوتين".

"الوضع القانوني في تونس غير كافٍ لحماية القاصرين من التدخين"

من جهتها، اعتبرت المحامية مريم اللواتي في تصريحها لـ"الترا تونس" أنّ الوضع القانوني في تونس "غير كافٍ إطلاقًا لحماية القاصرين من مخاطر التدخين، وخاصة التدخين الإلكتروني".

وقالت المحامية مريم اللواتي إنّه "بالنسبة للسجائر الإلكترونية، لا يوجد حتى الآن قانون واضح ومنفّذ بشكل محدد ينظم استيرادها أو بيعها أو استعمالها في تونس، إذ ما زال الوضع يُوصف بأنه منطقة رمادية قانونيًا"

اقرأ أيضًا: سيجارة البين (Pine).. سيّدة شفاه الفقراء والكادحين

وأضافت أنّه "فيما يتعلق ببيع التبغ للقاصرين، أي لمن هم دون السن القانونية، فلا يبدو أن هناك قانونًا تونسيًا واضحًا يُلزم البائع بمنع بيع التبغ للقاصرين (دون سن 18)، أو يفرض عليه طلب إثبات سنّ المشتري في حال الشك".

محامية لـ"الترا تونس": الوضع القانوني في تونس غير كافٍ لحماية القاصرين من التدخين (Getty)

المحامية، مريم اللواتي لـ"الترا تونس": القانون التونسي الحالي لا يحمي القاصرين بالقدر الكافي، خصوصًا في المسائل الجديدة مثل التدخين والسجائر الإلكترونية ولا يوجد قانون واضح يُلزم البائع بمنع بيع التبغ للقاصرين أو يفرض عليه طلب إثبات سنّ المشتري في حال الشك

وأشارت اللواتي إلى أنه "لا وجود لنصّ قانونيّ مؤكد في القانون رقم 17 لسنة 1998 يمنع بيع التبغ أو السجائر للقاصرين بناءً على العمر، مثل من هم أقل من 18 سنة".

وختمت بالقول إنّها ترى "أن القانون التونسي الحالي لا يحمي القاصرين بالقدر الكافي، خصوصًا في المسائل الجديدة مثل التدخين والسجائر الإلكترونية التي أصبحت تمثل إدمانًا بالنسبة للعديد من المراهقين، ومن المهم جدًا أن يمنع القانون بصفة مباشرة وصريحة استعمال السجائر من قبل القاصر، إلا أن القانون وحده غير كفيل بالحد من هذه الظاهرة، لذلك من الضروري تكثيف الحملات التوعوية والتحسيسية مع التأكيد على الأضرار الخطيرة التي تسببها".

"كنت أظنها آمنة".. شهادات عن بداية الإدمان على السيجارة الإلكترونية

وفي نفس الإطار شاركت منى الحضري، أمّ لطفل في الرابعة عشرة من عمره، "الترا تونس" مخاوفها من تدخين ابنها الأصغر للسيجارة الإلكترونية" وقالت: "كنت أظن أن السيجارة الإلكترونية مجرد لعبة. اشتراها ابني من أحد أصدقائه. في البداية كان يستعملها خفية، ثم أصبحت عادته اليومية". 

وأوضحت: "صرت أسمع صوت صدره في الليل، يعاني من سعال متواصل وأصبح سريع الغضب في غيابها. حاولت منعه أكثر من مرة، لكنه كل مرة يقول إنها لا تؤذي مثل السجائر العادية".

وأكدت: "كنت دائمًا حريصة على أن أبعد أولادي عن السجائر العادية، لكن لم أكن أتصور أن هناك ما هو أخطر منها. المشكلة أن هذه الأجهزة على ما يبدو تُباع في كل مكان، أرى أطفال الحيّ كلّهم يحملون نفس الجهاز كأنه هاتف أو لعبة جديدة".

شاب اـ"الترا تونس": كنت أرى أصدقائي في المعهد يحملون تلك الأجهزة الصغيرة الملوّنة فقررت أن أجربها (Getty)

من جهة أخرى، تحدث الشاب رئيف بوشعالة (21 سنة) لـ"الترا تونس" عن تجربته الشخصية مع السجائر الإلكترونية وتحديدًا "Puff Bars" ، التي بدأت في سن المراهقة وتحولت لاحقًا إلى إدمان كامل على السجائر العادية. يقول الشاب: "بدأ الأمر كتسلية عندما كنت في السادسة عشرة من عمري. كنت أرى أصدقائي في المعهد يحملون تلك الأجهزة الصغيرة الملوّنة ويتفاخرون بها، فقررت أن أجربها أنا أيضًا. قالوا لي إنها آمنة ولا تحتوي على التبغ، فكنت أستخدمها بلا خوف. في البداية كنت أستعملها من حين إلى آخر، فقط أثناء السهر أو بعد الدروس، لكنها سرعان ما أصبحت رفيقتي الدائمة".

رئيف بوشعالة، شاب تونسي لـ"الترا تونس": بدأ الأمر كتسلية عندما كنت في السادسة عشرة من عمري. كنت أرى أصدقائي في المعهد يحملون تلك الأجهزة الصغيرة الملوّنة ويتفاخرون بها، فقررت أن أجربها أنا أيضًا. قالوا لي إنها آمنة ولم أنتبه أنني أصبحت مدمنًا إلا بعد فترة

وأشار لـ"الترا تونس": "لم أنتبه أنني أصبحت مدمنًا إلا بعد فترة. عندما تنفد السيجارة الإلكترونية كنت أشعر بتوتر شديد وصداع لا يزول إلا بعد أن أستعملها مجددًا. لم أكن أستطيع التركيز في الدراسة، وكنت أغضب لأتفه الأسباب".

اقرأ أيضًا: منظمة الصحة العالمية بتونس: معدّل عمر متعاطي أول سيجارة في تونس يناهز 7 سنوات

وتابع قائلًا: "مع مرور الوقت، لم تعد تعطيني نفس الإحساس الذي كانت تمنحني إياه في البداية، فانتقلت شيئًا فشيئًا إلى السجائر العادية. كنت أظن أني أتحكم في الأمر، لكني اكتشفت أني وقعت في فخ الإدمان الحقيقي، اليوم عمري 21 سنة وأدخن أكثر من علبة سجائر يوميًا هذا إلى جانب استعمال السيجارة الإلكترونية".

ووفق تقرير للتحالف التونسي ضد التدخين فإنّ تأثير السجائر ذات الاستخدام الواحد المعروفة باسم Puff Bars يتجاوز البعد الفردي إلى أزمة نظامية شاملة تهدد الصحة العامة، والاقتصاد، والبيئة.

وأشار إلى أنه لا يمكن مواجهة هذا الخطر إلا من خلال مقاربة متعددة التخصصات تجمع بين علم الأعصاب، واقتصاد الصحة، والهندسة الاجتماعية. كما تبيّن الدراسات الاجتماعية أن الوسائل الوقائية التقليدية فقدت فعاليتها أمام التسويق الرقمي الموجَّه للأطفال والمراهقين عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وفقه.

الكلمات المفتاحية

قطاع الأدوية في تونس.. من أزمة نقص "متذبذبة" إلى أزمة "متواصلة" لخلاص الصيدليات

زيادات في أسعار الأدوية تخلّف استياءً واسعًا ومخاوف على المرضى في تونس

خلّفت مراجعة أسعار عدد من الأدوية، وإقرار زيادات في أسعار عدد منها، بعد المنشور الصادر مؤخرًا عن الصيدلية المركزية المتعلق بتحيين أسعار الأدوية والذي شمل نحو 300 دواء، تفاعلات عديدة في تونس.


البلاستيك مقابل الكراسات.. مبادرة بيئية في قرقنة لحثّ التلاميذ على جمع النفايات

البلاستيك مقابل الكراسات.. ما قصة هذه المبادرة البيئية الفريدة في قرقنة؟

مبادرة بيئية في قرقنة تحثّ التلاميذ على جمع النفايات مقابل مستلزماتهم المدرسية بعنوان "قرقنة صفر بلاستيك" وتحت شعار "معًا لعودة مدرسية سعيدة وبيئة نظيفة".. إليك التفاصيل


الجبال في تونس مريم الناصري الترا تونس

قمم مبتورة.. عندما تتحول الجبال في تونس إلى أكياس أسمنت

"ندوب" بيضاء ورمادية هائلة تشقّ الجبال وتلوح للناظر من على بعد كيلومترات. إنّها مقاطع الحجارة والرخام والحصى التي تعمل منذ عقود دون توقف..


انقطاع الكهرباء الشاذلي بن إبراهيم Getty

عندما ينقطع الكهرباء… كيف يواصل التونسي حياته؟

أصبح غياب التيار الكهربائي اختبارًا يوميًا لقدرة الأفراد والمهنيين على إيجاد بدائل سريعة، من استعمال أضواء السيارات إلى تغيير ساعات العمل، مرورًا بتأجيل بعض الأنشطة أو إعادة تنظيمها وفق مواعيد عودة الكهرباء

رؤوف ماهر
منوعات

خلاف بين الفنان رؤوف ماهر ومهرجان المنستير.. ما القصة؟

وجه الفنان رؤوف ماهر رسالةً إلى مدير مهرجان المنستير الدولي إثر..

حرارة غيتي.jpg
منوعات

موجة حرّ متوقعة في تونس الأسبوع القادم

المرصد التونسي للطقس والمناخ: الحرارة ستكون أربعينية في أغلب المناطق التونسية لعدة أيام أي من 40 إلى 45 درجة عمومًا على أغلب المناطق التونسية


طقس تونس سيدي بوسعيد  Pexels
منوعات

طقس تونس.. درجات الحرارة القصوى تصل إلى 43 درجة

أعلن المعهد الوطني للرصد الجوي أن طقس اليوم الأربعاء 19 أوت/أغسطس 2026 سيكون..

نوفمبر خريف طقس.jpg
مجتمع

لماذا ينتظر تونس خريف استثنائي؟ مختص في الشأن البيئي يوضّح

حمدي حشاد (مختص في الشأن البيئي): من المتوقع استمرار ارتفاع درجات الحرارة بشكل ملحوظ خلال أشهر الخريف، فضلًا عن تأثير ظاهرة "النينيو" المناخية

الأكثر قراءة

1
ثقافة وفنون

حوار| رؤوف بن يغلان.. الفنان المسرحي التونسي الذي كسر كل القوارب القديمة


2
سیاسة

هيئة الدفاع: إعادة راشد الغنوشي إلى السجن بعد إخفائه وعزله لمدة 3 أسابيع


3
ثقافة وفنون

حين يتجاوز الإعجاب بالفنانين حدود المسرح.. ماذا يحدث خلف هوس المعجبين؟


4
سیاسة

5 أشهر من الإيقاف.. إضراب جوع يُفاقم المخاوف على صحة نشطاء أسطول الصمود


5
سیاسة

قيس سعيّد: الإصلاحات التعليمية المتعاقبة لم تكن بريئة وبعضها أُملي من الخارج