ثورة تونس في سنّ المراهقة.. جلسة فضفضة على أريكة طبيب نفسي
17 ديسمبر 2025
بطاقة معطيات:
الاسم: ثورة
الجنسية: تونسية
السنّ: 15 سنة
سبب الزيارة: قلق، غضب، ارتباك..
الحالة الاجتماعية: أبوان منفصلان
لعب دور المختص في هذا المقال، الباحث والناشط السياسي ماهر حنين.
جلست "الثورة" على أريكة الطبيب، تحرّك قدميها بانفعال شديد وتشبك أصابع كفّيها بشكل دفع المختصّ للابتسام وهو يتأمّل بطاقة بياناتها قبل أن يسألها: "15 سنة؟".. هزّت رأسها أن "نعم"، فبدت ملامح الاهتمام عليه وأسرّ لنفسه: "وكأنّ الأمر حدث بالأمس فقط".
توقّف قليلًا عند الحالة الاجتماعية، ونظر لها مستفسرًا، فتكلّمت للمرة الأولى بامتعاض لم تحاول إخفاءه: "متمزقة بين 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011". وكأنّما استوعب الأمر دفعة واحدة، فألقى بالبطاقة على مكتبه وبدأ في كسر الجليد بينهما عن طريق احتواء مشاعر هذه المراهقة الجالسة أمامه.
تفهّم في البداية غضبها وثورتها وانغلاقها على نفسها.. فبعد كلّ شيء، هذه هي المشاعر الغالبة في فترة المراهقة عمومًا، تحتاج فقط منّا إلى بعض التقبّل! همس لـ"الثورة" بأن: "هوّني عليكِ.. فقد نجحتِ بالفعل جزئيًا في تحقيق بعض أهدافك، وتقدمتِ في بعض المسارات، خاصة المسار السياسي.. إذ عشنا فترة حرية التنظم والتعبير والتداول السلمي على السلطة، والانتخابات الحرة والنزيهة..".
الباحث والناشط السياسي ماهر حنين لـ"الترا تونس": المجتمع مختلف ويجب أن يبقى كذلك، وصراع الأفكار ليس سلبيًا ولكن يجب أن يكون في إطار ديمقراطي ومدني وسلمي.. لا نخشى الاختلاف، وإنما نخشى الانقسام والكراهية
قاطعته بأنّ هناك "تعثرً ما"، فلم ينكر، وأجاب: "هناك بالفعل تعثر كبير في إعادة انطلاق المنوال الاقتصادي أو تغييره أو مراجعته.. هذا لم يتم، وبقي المنوال نفسه المنتج لنفس الإشكاليات والصعوبات. كما لا ننكر أننا عشنا ردة في السنوات الأخيرة تفاقمت يومًا بعد يوم إلى درجة أنّنا بتنا نفقد تدريجيًا أهم المكاسب التي تحصلنا عليها، فهناك حالة من الخوف تعمّ المجتمع بصفة عامة، أو ما يُعبّر عنه بالخوف الصامت! الناس لا تعيش حاليًا بأريحية كبيرة في علاقة بالشأن العام والحياة العامة، وهناك خيبة أمل كبرى".
واصل بقوله: "لكن في مقابل ذلك، وإذا عدنا للثورة في معناها التاريخي، فكل ثورات العالم لها ملحقات.. أي ربما نشهد انطلاقات جديدة للثورة في الأشهر والأسابيع القادمة، وبعض علاماتها بدأت تظهر.. ليس بالضرورة بنفس صيغة وإيقاع ثورة 17 ديسمبر/كانون الأول 2010 - 14 جانفي/يناير 2011، فالأهم أنّ الثورة عندما تمرّ بشعب أو بأمّة أو بحركة سياسية واجتماعية، تترك أثرًا.. وهذا الأثر موجود في تقديري لدى عديد الفئات، من منظمات المجتمع المدني التي مازالت صامدة رغم المضايقات القائمة، إلى الأجيال المتعاقبة من المناضلين السياسيين الذين لا يترددون في الدفاع عن حريتهم حتى لو كلّفهم ذلك السجون والإيقافات".
اعتدلت الثورة في جلستها، وتساءلت بفضول: "هل تقول إذن إنّ ما أمرّ به اليوم ليس فشلًا، بل هو مرحلة فرز طبيعية؟ هل هذا يعني أنّي في طريقي إلى النضج؟". وضع المختصّ ساقًا على ساق وبدا عليه التفكير العميق وهو يقول بحذر: "لا نعرف إن كنتِ كثورة ستنضجين في سنّ العشرين أو الثلاثين.. لكنّ تمزقك وتناقضاتك الداخلية بين 17 ديسمبر و14 جانفي مثلًا، أو بين السياسي والاجتماعي أو بين الأجيال، من المؤكد أنه يتجاوزك كذات/فرد ليخترق كلّ المجتمع".
وأضاف: "التحليل النفسي الجديد أو النقدي، لا يقتصر فقط على تحليل نفسية الأفراد انطلاقًا من علامات الكبت وعقدة أوديب والكترا والأنا والأنا الأعلى.. وغير ذلك، بل يحلّل أيضًا الحياة النفسية للأفراد انطلاقًا من المحيط الذي يعيشون فيه، فهل يمكن للإنسان الميسور الحال أن يكون سعيدًا في مجتمع حزين وكئيب؟ هل يمكن أن يكون مرتاح البال في بلد لا يطيب فيه العيش للجميع؟ أعتقد أنّ هذا التمزق يخترق المجتمع، وهي فترة تاريخية صعبة على كيان هذه الشريحة العمرية التي تنتمين إليها".
أخبرها بأنّ الجيل الوحيد الذي يعدّ مستقبله غامضًا هو الجيل الحاليّ، فكل الأجيال السابقة كان المستقبل بالنسبة إليها "واعدًا"، حتى الشعارات التي كانت تُرفع، كانت تنصبّ في خانة "الغد الأفضل والمشرق بالتعليم والعمل.." لكن اليوم، بات الغد -للأسف- أصعب، ونحن نعيش على وقع الحروب وموجات العنصرية والهيمنة وعدم الاستقرار.. منسوب القلق والتوتر مرتفع لأسباب أعمق من الأوضاع الذاتية، فالوضع العام الذي يعيشه المراهق في محيطه وعلاقته بالأسرة والشارع والعالم، تجعله يعيش في عالم صعب.
نظرت إليه الثورة نظرة خاوية، كأنما لا تنظر إليه من الأساس، فعاد ليمسك بطرف الحديث، وخلُص إلى ضرورة التمسك بالاعتقاد بأن الثورة "حالة ذاتية، وأنّ سقوط الاستبداد بالمعنى السياسي لا بدّ أن يعني سقوط التسلّطية في الحياة بشكل عام". واعتبر أنّه يجب الإيمان بأنّ الثورة أسقطت نهائيًا كل أشكال التبعية وجعلت الفرد حرًا بأتم معنى الكلمة: وجوديًا، سياسيًا، جماليًا، تعبيريًا..
الباحث والناشط السياسي ماهر حنين لـ"الترا تونس": يجب الإيمان بأنّ الثورة أسقطت نهائيًا كل أشكال التبعية وجعلت الفرد حرًا بأتم معنى الكلمة: وجوديًا، سياسيًا، جماليًا، تعبيريًا..
نجح في افتكاك ابتسامة من ثغرها، وتابع يشدّد في ختام حديثه لها، على أنّ "أكبر انكسار للثورة هو أن تنكسر الذوات الداخلية، وأن تكسر الردة الذوات"، داعيًا إلى ألا يبقى هذا الوعي والإيمان بالحرية في الصدور، "بل يجب التعبير عنه بالشكل الملائم الذي يراه كلّ فرد، كما يجب أن تعمّ الحرية إيقاع الحياة الجماعية، وعلينا الاعتقاد جميعًا بأنّ الخلاص هو خلاص جماعي لا فردي.. على اعتبار أنه لا يمكن لأي طبقة أو أي تيار فكري أن ينعتق بمفرده، فإما أن تعود الحرية للجميع أو أنها لن تعود لأحد".
وحين نهضت "الثورة" تتسّع ابتسامتها، وتجمع أدباشها استعدادًا للمغادرة، كان للمختصّ كلمة أخيرة فقط يختم بها حديثه، فقال: "الاستمرار في الاستقطابات الإيديولوجية وجعلها مربط الفرس لكل الصراعات السياسية، عطّل وأفشل -في عديد المحطات- مهامًا كثيرة كان يمكن أن تُنجز في أقل وقت وبأقل كلفة.. فالمجتمع مختلف ويجب أن يبقى كذلك، وصراع الأفكار ليس سلبيًا ولكن يجب أن يكون في إطار ديمقراطي ومدني وسلمي.. لا نخشى الاختلاف، وإنما نخشى الانقسام والكراهية وغياب إمكانية أن نعيش معًا".
الكلمات المفتاحية

الأجندة السياسية في تونس عام 2026.. هل تشهد إنهاء "الوضع المؤقت" مؤسساتيًا؟
يكشف الوضع المؤسساتي، خاصة لما أحدثه من إضراب في وضع القضاء بمختلف تفرعاته، الدستورية والعدلية والإدارية والمالية، عن حالة تعطيل ممنهج مما يثير السؤال حول مدى تحوّل الوضع المؤقت إلى إطار دائم في منظومة الحكم

محللون لـ"الترا تونس": اتحاد الشغل تجاوز خطر الانهيار لكن التحديات قائمة
المحلل السياسي صلاح الدين الجورشي لـ"الترا تونس": ما قام به الطبوبي إلى حد الآن هو إنقاذ فعلي لاتحاد الشغل، ومع ذلك فإن مشاكل الاتحاد لا تزال قائمة

الإعلان عن تأسيس التنسيقية الوطنية لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين في تونس
الإعلان عن تأسيس "التنسيقية الوطنية لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين" في تونس، يوم الأربعاء 14 جانفي 2026، خلال ندوة صحفية بالعاصمة، دعت إليها عائلات هؤلاء المساجين ومجموعات المساندة لهم، حيث تمّ التأكيد على أنّ المقصود بمصطلح "المعتقلين السياسيين" هو كلّ المساجين بقرار سياسي، إذ لا تقتصر التنسيقة فقط على مساجين المعارضة السياسية.

أحزاب ومنظمات تتمسّك في ذكرى الثورة بالإفراج عن سجناء الرأي وإجراء حوار غير إقصائي
الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان: الزجّ بالمعارضين السياسيين، والناشطين، والصحفيين، والمدونين، في السجون على خلفية آرائهم أو مواقفهم السلمية، يمثّل انتكاسة خطيرة لمبدأ حرية التعبير، ويُعيد البلاد إلى مناخات القمع والاستبداد التي ثار عليها الشعب التونسي في 14 جانفي

طقس تونس.. سحب عابرة وأمطار في عدد من المناطق
معهد الرصد الجوي: أمطار متفرقة بالشمال الغربي ثم تشمل تدريجيًا أثناء الليل بقية مناطق الشمال ومحليًا الوسط والجنوب وتكون مؤقتًا رعدية

تأجيل جميع مقابلات كرة اليد المبرمجة نهاية الأسبوع في تونس
أعلن المكتب الجامعي للجامعة التونسية لكرة اليد، يوم الأربعاء 21 جانفي/يناير 2026 عن تأجيل جميع المقابلات التي كانت مبرمجة نهاية هذا الأسبوع، بمختلف الأصناف والاختصاصات، وذلك نظرًا لتواصل التقلبات الجوية وما نتج عنها من أضرار، فضلًا عن تعذّر استغلال عدد من القاعات الرياضية. وأكدت الجامعة أنه سيتم لاحقًا تحديد المواعيد الجديدة لإجراء هذه المقابلات

جبهة الخلاص: عدم استباق التقلبات المناخية وغياب الاستعداد لها يعدّ تقصيرًا غير مبرّر
جبهة الخلاص الوطني: "التقلّبات المناخية ولئن كانت قوّة قاهرة لا يمكن دفعها، فإنّ تطوّر وسائل الرّصد وتبادل المعلومات يجعلان عدم الاستباق وغياب الاستعداد النّاجز والملائم تقصيرًا غير قابل للتّبرير".

تعليق الجلسات القضائية في عدة محاكم تونسية بسبب سوء الأحوال الجوية
قرر عدد من الفروع الجهوية للمحامين في تونس تعليق جميع الجلسات بمحاكم الاستئناف والمحاكم الابتدائية على مستوى عدة ولايات، وذلك يوم الأربعاء 21 جانفي 2026، نظرًا لسوء الأحوال الجوية التي تشهدها البلاد، وفقهم
