تونس ومجتمع الخطر...

تونس ومجتمع الخطر...

شهدت تونس عمليتين انتحاريتين الخميس 27 جوان 2019 (الشاذلي بن إبراهيم/ NurPhoto)

 

مقال رأي

 

إن قيام انتحاريين بتفجير نفسيهما في قلب العاصمة تونس صبيحة يوم 27 جوان/ حزيران 2019 كان كفيلًا بزعزعة الاستقرار الأمني لبلد لم يعرف مواطنوه الاستقرار منذ عقود، وبث مشاعر من الإحباط والتوجس والريبة والخوف، يمكن أن تؤدي مباشرة إلى ما يسميه عالم الاجتماع الألماني "أولرايش بيك " بـ"مجتمع الخطر"، وهو مجتمع يكون أفراده وفئاته عرضة إلى تشوهات قصدية تجعل منه أرضية تترعرع  فيها ظواهر العنف بمختلف أشكاله وتتفكك منظومة القيم السارية لتحل محلّ النظم الاجتماعية الأساسية التي تؤدي إلى التماسك الاجتماعي ومن ثمة إلى الأمان الاجتماعي.

المواطن التونسي ولعقود طويلة لم يشعر يومًا بالاستقرار رغم انشغاله الدائم بالمستقبل وطموحه اللامحدود في تغيير الأحوال

اقرأ/ي أيضًا: بنت "السبعطاش" أصابتها حجرة سقراط

الحادثة أعادت إلى أذهان التونسيين مشاهد رعب الإرهاب الذي مارس ما عنّ له من مخططات هناك على السفوح وفي مغاور الجبال محاولًا دقّ صواريه ورفع راياته من أجل النفاذ إلى روح المجتمع التونسي وتلوينها بلونه. والحادثة أعادت إلى الأذهان شناعات الإرهاب في المدن والشوارع: باردو وسوسة ومحمد الخامس وبنقردان وابن عون ومكثر.

عاد الحديث عن المؤامرات التي تأتي بها رياح خارجية من أجل حسابات سياسية صغيرة قبيل المواعيد الانتخابية التي يلوح بها أفق غامض، وهي كلها عناوين "لمجتمع الخطر". وبالتالي يحق لنا أن نسأل: هل هي استعدادات لحالات ووضعيات سابقة وعودة لمربّعات عدم الاستقرار من جديد؟

المواطن التونسي ولعقود طويلة لم يشعر يومًا بالاستقرار رغم انشغاله الدائم بالمستقبل وطموحه اللامحدود في تغيير الأحوال. والاستقرار هو من المفاهيم الأساسية في علم الاجتماع وهو من العلامات الدالة على جودة الحياة ونجاح برامج التنمية والتقسيم العادل لثروات الوطن بين كل أبناء الوطن وإزاحة مظاهر الذلّ والإذلال والعمل على إعادة الكرامة المهدورة للمواطن البسيط، مواطن الجهات الداخلية المحرومة، ومواطن المناطق الشعبية بالضواحي، وهو في اعتقادي ما يبدو بعيدًا كل البعد عن حال التونسيين الآن الذين ترقبوا ثمرات ثورة كانت بيرق أمل منذ جانفي/ كانون الثاني 2011 في تغيير الدفة نحو أعالي الحرية وكتابة أمجاد الحاضر واسترداد السيادة الوطنية بالكف عن الارتهان للجهات المانحة من دول وبنوك دولية وشركات عملاقة.

سنوات تسع من الانتظار تحطمت فيها نصال الحالمين بالتغيير، فالتونسي الذي تدهورت معيشته إلى أبعد الحدود نتيجة الهزات الاقتصادية الداخلية والخارجية المتتالية والذي تقضّ مضجعه المناسبات والأعياد والعودة المدرسية، يبدو أنه ملّ النسق السياسي والحياة السياسية والوجوه السياسية والأمل في الأحزاب السياسية الحاكمة التي لم تحقق ما من أجله انتخبت ذات انتخابات شفافة ونزيهة.

اقرأ/ي أيضًا: لا فرق بيننا.. كلنا أحمد أحمد!

التونسي يعيش الآن حالة من اللاأمن واللاستقرار وحالة من الانتظار المشوب بالقلق لحركة سحرية قد تحدث فجئيًا لتحقق الوئام الاجتماعي والاستقرار المنشود منذ عقود

لقد منح التونسي صوته الذهبي أملًا في حياة كريمة ومستقبل أفضل للأجيال القادمة. لكن يبدو أن أمله قد خاب إلى درجة بات فيه الحلم صريحًا باستعادة الحالات السياسية السابقة للثورة إذ يرونها الأفضل معيشيًا بعد تدهور وضع الدينار التونسي في الأسواق المالية العالمية، وحالة الغموض التي تهيمن على الوضع الاقتصادي الذي تتجاذبه القوى الاجنبية.

التونسي يعيش الآن حالة من اللاأمن واللاستقرار وحالة من الانتظار المشوب بالقلق لحركة سحرية قد تحدث فجئيًا لتحقق الوئام الاجتماعي والاستقرار المنشود منذ عقود، ولا يمكن لذاك الوئام أن يتحقق إلا بما سمّاه عالم الاجتماع الانقليزي أنطوني غيدنس بـ"التضامن الاجتماعي" الذي يتجاوز التعويل على الطبقات السياسية داخل المجتمع الواحد إلى فاعلين آخرين مثل المنظمات والجمعيات ومنظومة الإعلام الوطني,

وفي تونس يعتبر الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية والاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري، صمّام أمان المجتمع وذلك إلى جانب باقي المؤسسات المجتمعية الأخرى وعلى رأسها مؤسسة القانون.   

وفي الوقت الذي تتنافس فيه الدول العظمى على المراتب الأولى لمؤشرات السعادة وهي من المفاهيم الجديدة لمرحلة ما بعد العولمة والتي تلخص الاستقرار والرفاه والنجاح والقوّة والثروة والصعود الاقتصادي لتلك المجتمعات، وفي الوقت التي تناقش فيه برلمانات دول أخرى إمكانات تجويد الحياة وتحسين حياة المواطنين من أجل الحصول على مؤشر للسعادة، فإن تونس العريقة والتي أسهمت في التراث الإنساني وتاريخ البشرية لا تتزال تتعثر وتتجمل بالأمل المفقود ولا يزال أمنها متربصًا به ولا تزال تلملم شتات سيادتها على ثرواتها ومصالحها. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

لأجل عيون "المشير" يوسف الشاهد..

انتصاب فوضوي.. الشعبوية في مواجهة منظومة الحكم