تونس.. وجهة جذابة يحتاج نموذجها السياحي للتغيير
16 ديسمبر 2024
تجاوز عدد السياح الذين زاروا تونس إلى غاية موفى أكتوبر/تشرين الأول 2024 عتبة 8.6 مليون سائح بارتفاع بـ8.6% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
ومكّن هذا الارتفاع من تحقيق تونس لعائدات سياحية بلغت 6.241 مليار دينار، ساهمت في صمود هذا القطاع الحيوي الذي يساهم بحوالي 9% من الناتج المحلي الإجمالي.
مع ذلك، يبدي الخبراء الاقتصاديون تخوّفهم من أنّ النموذج السياحي التونسي متذبذب وغير مربح مقارنة بدول أخرى في حوض البحر الأبيض المتوسط.
خبراء في الاقتصاد يبدون تخوّفهم من أنّ النموذج السياحي التونسي متذبذب وغير مربح مقارنة بدول أخرى في حوض البحر الأبيض المتوسط
وكشف تقرير أعدته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (منظمة اقتصادية حكومية دولية) حول واقع السياحة في تونس، أنّ البلد الواقع شمال إفريقيا، يستقطب نحو 0.6% من سيّاح العالم، لكنه لا يجني سوى 0.2% من العائدات الجملية للسياحة في العالم.
التحديات الاقتصادية للنموذج السياحي التونسي
مباشرة بعد الاستقلال، بدأت الحكومة التونسية في إرساء البنية التحتية للسياحة، حيث عبّدت الطريق لتصبح الشواطئ الرملية الممتدة حذو الفنادق الساحلية العديدة وجهة مغرية للمسافرين الأوروبيين.
وشجّع نظام زين العابدين (1987-2011) على خلق منظومة سياحية شاطئية ميسورة التكلفة، قائمة على ثلاثية البحر والشمس والرمال، وهو ما جعل 90% من الليالي التي يقضيها السياح الأوروبيون في الفنادق مرتبطة بالسياحة الشاطئية.
وأدّى هذا التركيز غير المتناسب على سياحة المنتجعات الشاطئية إلى فجوة كبيرة بين العرض والطلب خصوصًا خارج فترة الذروة (جويلية/يوليو وأوت/أغسطس).
ولم يتم وضع أي استراتيجية من قبل وزارات السياحة المتعاقبة لمعالجة هذا الاختلال الذي ظهر خلال ثمانينيات القرن العشرين وتفاقم في التسعينيات، وهو ما فسح المجال لبروز حلول حدّت من تطور القطاع.
تبدو المشاريع السياحية الصغرى ومحلات الصناعات التقليدية الأكثر تضررًا من تدهور نوعية السياح الوافدين على تونس
ولتفادي نقص الطلب خصوصًا خلال فصل الشتاء، بدأت الوحدات الفندقية في استعمال نظام الإقامة الكلية والشاملة (All inclusive)، وهو ما يعني دفع مبلغ ثابت مقابل مختلف الخدمات الفندقية أثناء فترة الإقامة.
وأدى هذا التوجه إلى الحد من التدفق المالي نحو المتاجر ومحلات الصناعات التقليدية المحلية، حيث يفضل السياح غالبًا البقاء داخل الفندق واستغلال الخدمات المتوفرة داخله، مما يقلّل من الإنفاق في القطاعات المرتبطة بالسياحة إلى حدّ كبير.
ويسيطر عدد محدود من مشغلي الرحلات على سوق السياحة الأوروبية نحو تونس أبرزهم TUI وThomson Holidays وNeckermann وThomas Cook. وتجبر هذه الشركات الفنادق التونسية على تكرار تخفيضات الأسعار وعرض باقات العطلات الشاملة، بما في ذلك في الفنادق من فئة الأربع نجوم. وتجذب الأسعار المنخفضة السياح الأوروبيين ذوي القدرة الشرائية المحدودة.
ويبلغ متوسط إنفاق كل سائح أثناء فترة إقامته في تونس حوالي 534 دولار (سنة 2019)، ويعتبر هذا المعدل منخفضًا مقارنة ببلدان تعتبر هي الأخرى وجهات سياحية رخيصة: 640 دولار في تركيا، و713 دولار في المغرب، و1075 دولار في مصر.
وتبدو المشاريع السياحية الصغرى ومحلات الصناعات التقليدية الأكثر تضررًا من تدهور نوعية السياح، مما يستدعي صياغة استراتيجيات مبتكرة لجذب سياح ذوي القدرة الإنفاقية العالية الذين يهتمون بالتراث والثقافة المحلية.
نقص العمالة المؤهلة يهدد جودة الخدمات السياحية
رغم أنّ الأنشطة السياحية توظف أكثر من 400 ألف شخص بشكل مباشر و غير مباشر، يفقد القطاع جاذبيته لدى قطاع واسع من الشباب التونسي وهو ما يهدّد جودة الخدمات المقدمة.
وأظهرت دراسة أجرتها وزارة التكوين المهني والتشغيل في تونس سنة 2023 وجود نقص حاد في اليد العاملة في قطاع السياحة رغم ارتفاع معدلات البطالة في البلاد.
وأوضحت الوزارة، بحسب دراسة استبيان موجه إلى المؤسسات السياحية، أن الاقتصاد المحلي يحتاج إلى"4 آلاف موطن شغل مؤكد في 80 مؤسسة من بين إجمالي 900 مؤسسة سياحية".
وأبرز الخبير في القطاع السياحي، أمين بالريش، أنّ الشباب التونسي يفضّل العمل في وظائف أكثر استدامة وأعلى دخلًا وهو أمر لا يتوفر في عدد كبير من المؤسسات السياحية".
خبير في القطاع السياحي لـ"الترا تونس": الكفاءات التونسية في مجال السياحة، التحقت بوحدات فندقية في أوروبا والخليج العربي، مسببة فراغًا كبيرًا في السوق المحليّة
وأكد بالريش، في حديثه لـ"الترا تونس"، أن عددًا من النزل تُغلق أبوابها لفترات متفاوتة من السنة وهو ما يدفع الشباب إلى البحث عن فرص اقتصادية في مجالات أخرى مثل الزراعة والخدمات.
ونوّه المصدر ذاته، إلى أنّ موجة التعافي بعد أزمة جائحة كورونا، قد فتحت الطريق أمام الكفاءات التونسية في مجال السياحة للالتحاق بوحدات فندقية في أوروبا والخليج العربي، مسببة فراغًا كبيرًا في السوق المحليّة.
وأشار عضو الجامعة التونسية لوكالات الأسفار والسياحة ظافر لطيف، في تصريح صحفيّ، إلى أنّ قطاع السياحة في تونس فقد أكثر من 30% من اليد العاملة المختصة بعد تفشي فيروس كورونا.
محاولات حكومية لتنويع المنتوج السياحي
بعد أن انتبهت وزارة السياحة إلى التحديات التي تفرضها التركيز على سياحة القرب (المغرب العربي وأوروبا)، بدأت العمل على استقطاب أسواق جديدة لدعم تنافسية القطاع وتعزيز استدامته.
خبير في القطاع السياحي لـ"الترا تونس": الشباب التونسي يفضّل العمل في وظائف أكثر استدامة وأعلى دخلًا وهو أمر لا يتوفر في عدد كبير من المؤسسات السياحية
وأطلقت الوزارة "الاستراتيجية الوطنية للسياحة 2035" والتي تقوم على أربعة أهداف استراتيجية هي، التنافسية والتنويع والاستثمار والتسويق، كما أنها وُضعت للمساعدة على التعافي المستدام للقطاع السياحي خاصة بعد ما لحقه من أضرار نتيجة أزمة كوفيد- 19.
وأعلنت الحكومة التونسية في جوان/يونيو الماضي إعفاء حاملي جوازات السفر الإيرانية والعراقية من تأشيرة الدخول إلى البلاد.
ورغم غياب أرقام دقيقة من معدلات إنفاق السياح من هذين البلدين، تُشير تقارير إعلامية إلى أنهما "أكثر سخاء" من السياح القادمين من أوروبا.
كما قامت وزارة السياحة بدعوة المؤثرين وصناع المحتوى المعروفين لبعث برامج ترويجية للسياحة التونسية عبر مختلف منصّاتهم بمواقع التواصل الاجتماعي.
وتسعى الوزارة إلى تجنب الأخطاء الاتصالية التي وقعت بها سنة 2011 عندما أطلقت حملة ترويجية أثارت جدلًا واسعًا.
وتضمّنت تلك الحملة لوحة إعلانية انتشرت في العاصمة البريطانية لندن تصور امرأة تخضع لحصة تدليك، كُتب إلى جانبها عبارة: "يقولون إن بعض الناس في تونس يتعرضون لمعاملة قاسية".
وأثارت الحملة ردود فعل سلبية للغاية بين الجمهور المستهدف، الذي أظهر تعاطفًا قويًا مع الثورة ولم يكن على استعداد لقبول استخدام الحس الفكاهي في أعقاب ثورة اتسمت بالقوة المفرطة وشهدت وفاة أكثر من 300 شخص.
وأجبرت الانتقادات اللاذعة وزارة السياحة التونسية على إيقاف الحملة التي أُنفق خلالها 3 ملايين يورو.
صاحب دار ضيافة بمدنين لـ"الترا تونس": المناطق الداخليّة تزخر بأماكن طبيعية جذابة قادرة على كسر الصورة النمطية للسياحة التونسية
وتراهن تونس على السياحة البديلة لتوفير عروض جديدة تتلاءم مع اختيارات السياح وميولاتهم وتساهم في تنمية المناطق الداخلية.
وأبرز الشاب أيوب الزموري الذي يمتلك دار ضيافة بمعتمدية "بني خداش" (ولاية مدنين) أنّ "المناطق الداخليّة تزخر بأماكن طبيعية جذابة قادرة على كسر الصورة النمطية للسياحة التونسية".
وأضاف أيوب، في تصريح لـ"الترا تونس"، أن المشاريع السياحية الصغرى تساهم في امتصاص البطالة وفي نفض الغبار عن معالم أثرية يندر الإشارة إليها في المطويات الترويجية".
ويضغط الفاعلون في القطاع، لإصدار مجلة السياحة لتكون جامعة لكل النصوص القانونية والترتيبية المنظمة للقطاع السياحي بمفهومه الشامل بما في ذلك السياحة البديلة.
الكلمات المفتاحية

مجلة الصرف في تونس.. بين ضرورة التحديث والحاجة للحفاظ على العملة الوطنية
ياسين قويعة (رئيس المنظمة الوطنية لروّاد الأعمال) لـ"الترا تونس": بطء منظومة الصرف ساهم في إضعاف قدرة تونس على مواكبة التحوّل نحو الاقتصاد الرقمي، والدفع الإلكتروني، وتمويل الابتكار.. وهي عناصر باتت حاسمةً في المنافسة العالمية

السماح للتونسيين بفتح حسابات بالعملات الأجنبية.. مختصون: فوائد محتملة ومخاطر جدية
رضا الشكندالي: عندما يصبح الوصول إلى حسابات بالعملة أسهل وبدون ترخيص، يمكن أن تتراجع الحاجة إلى السوق الموازية، التي أصبحت في تونس مصدرًا رئيسيًا للعملة بالنسبة للأفراد والمؤسسات الاقتصادية

إضراب قطاع البنوك.. الاتحاد يتمسك بالمطالب والمجلس البنكي يشكك في المبررات
يعيش قطاع البنوك والمؤسسات المالية وشركات التأمين الاثنين والثلاثاء 3 و4 نوفمبر 2025 على وقع إضراب عام قطاعي، أُغلقت بموجبه مقرات البنوك والمؤسسات المالية أمام الحرفاء وتوقفت جميع الخدمات، للمطالبة بالزيادات في الأجور وتحسين الوضع الاجتماعي والاقتصادي للعاملين في القطاع

ثورة تونس في سنّ المراهقة.. جلسة فضفضة على أريكة طبيب نفسي
الباحث والناشط السياسي ماهر حنين لـ"الترا تونس": يجب أن تعمّ الحرية إيقاع الحياة الجماعية، وعلينا الاعتقاد جميعًا بأنّ الخلاص هو خلاص جماعي لا فردي.. على اعتبار أنه لا يمكن لأي طبقة أو أي تيار فكري أن ينعتق بمفرده، فإما أن تعود الحرية للجميع أو أنها لن تعود لأحد

طريق من الطين.. عن تلاميذ الأرياف والمسافات الوعرة نحو المدارس
تحوّلت مسالك الطريق الجبلي مع المطر إلى شريطٍ طينيٍّ زلِق، بالكاد تشعر بثبات خطوتك فيه، فكلّ حركة هي بمثابة مغامرة صغيرة بين ارتكاز القدم والحذر من الانزلاق في طريق وعرة. فالتضاريس قاسية، كأنّها تختبر عزيمة أيّ شخص في كلّ منعطف

تجمّع لأنصار قيس سعيّد أمام المسرح البلدي بالعاصمة في ذكرى الثورة
رفع هؤلاء المتظاهرون عديد الشعارات، من بينها: "بالروح والدم نفديك يا علم"، "لا مصالح أجنبية على الأراضي التونسية"، "لا وصاية أجنبية على الأراضي التونسية"، "الشعب يريد قيس من جديد"، "الشعب يريد تطهير البلاد"..

17 ديسمبر.. من عيد ثورة الحرية إلى عيد "أنصار الرئيس"
تطوي الثورة التونسية التي اندلعت في 17 ديسمبر 2010، وألهمت الشعوب العربية على الانتفاض ضد أنظمة القهر والاستبداد، عامها الخامس عشر في مناخ لم يعد يطرح السؤال حول تحقيق أهدافها كما كان يُطرح دومًا في أفق المنجز الاقتصادي والاجتماعي الذي كان عنوانه حادثة إضرام محمد البوعزيزي النار في جسده، بل بات يطرح سؤال الحسرة حول ما كان يُقدَّم بوصفه "المنجز الوحيد للثورة": حرية التعبير

