تونس.. ماذا بعد سياسة ما بعد السّياسة؟
4 مايو 2026
مقال رأي
لنفترض بكلّ جدّيّة وبعيدًا عن أيّ شكل من أشكال التّندّر أنّ سلطة الأمر الواقع ومريديها أفاقوا صباحًا ليجدوا تونس دون مؤامراتٍ ومتآمرين:
المعارضون والحقوقيّون والانتهازيّون وكلّ من تلوّثت نفسه بأيّ شكل من أشكال الرّفض للوضع الرّاهن حتّى وهو يدعم النّظام الحاكم يقبعون في السّجن بعد اعترافهم بكلّ ما نُسب إليهم من أفعال مشينة بعد ماراثون قضائيّ شهِد العالم المتقدّم كما المتخلّف بملاءمته مقتضيات المحاكمات العادلة كافّة.
السّفارات والجهات الأجنبيّة الدّاعمة للقوى المناوئة – الّتي لا تعرف ماهيّتها وهويّتها سوى أجهزة الدّولة - أعلنت استسلامها أمام قوّة الدّولة وتماسكها وأعلنت نأيها بنفسها عن التّدخّل في الشّأن التّونسيّ.
المهاجرون من دول أفريقيا جنوب الصّحراء الّذين توافدوا إلى بلادنا بنيّة تغيير تركيبتها الدّيمغرافيّة قدّموا اعتذارًا جماعيًّا وعادوا أدراجهم إلى بلدانهم.
النّقابات والهيئات المهنيّة والمنظّمات حلّت نفسها بنفسها وسلّمت مقارّها للدّولة من باب التّبرّع.
وسائل الإعلام، الموالية والمعارضة على حدّ سواء، أغلقت أبوابها ولم يتبقّ في البلاد سوء الرّائد الرّسمي وصفحة رئاسة الجمهوريّة على موقع "فيسبوك".
أهالي قابس اقتنعوا بأنّ المجمع الكيميائيّ لا يُمثّل أيّ خطر عليهم فانسحبوا من الشّارع وتراجعوا عن كافّة الدّعاوى القضائيّة الّتي أثاروها.
رابطات المشجّعين اقتنعت بالرّواية الرّسميّة لوفاة عمر العبيدي وحوّلت شعارها إلى ACAF، أي "جميع رجال الأمن أصدقاؤنا".
المحتكرون والمهرّبون والمضاربون والعابثون باقتصاد البلاد والمتخاذلون في الإدارة ثابوا إلى رشدهم وعوّضوا الدّولة بإيداع جميع أرباحهم لصالح الشّركات الأهليّة.
لنفترض كلّ ذلك! لكن، ماذا بعد؟
نصطدم بجملة من التّناقضات تجعلنا إزاء نظام سياسيّ غارق في الهجانة. فملامح الشّعبويّة صارخة، على الأقلّ في المقولات الأكثر استخدامًا من الرّئيس، قيس سعيّد، وأنصاره
نحن إزاء لحظة تترنّح فيها أدوات التّحليل السّياسيّ الكلاسيكيّة والحديثة، إذ نصطدم بجملة من التّناقضات تجعلنا إزاء نظام سياسيّ غارق في الهجانة. فملامح الشّعبويّة صارخة، على الأقلّ في المقولات الأكثر استخدامًا من الرّئيس، قيس سعيّد، وأنصاره، من قبيل "الشّعب يُريد" أو "لا رجوع إلى الوراء".
نحن، أيضًا، إزاء لحظة من لحظات سياسة ما بعد السّياسة، إذ استبدلت المنظومة الحالية الصّراعات الأيديولوجيّة بإدارة تقنيّة لشؤون الدّولة، أي أنّ الإدارة حلّت محلّ الصّراع السّياسيّ، وإن بكثير من التّخبّط والإخفاق، وهو ما يتقاطع مع ما سمّاه الفيلسوف السّلوفينيّ، سلافوي جيجيك، بـ"السّياسة الحيويّة"، أي التّخلّي عن الصّراعات الهيكليّة والتّركيز على قضايا الإدارة اليوميّة وتدبير الحياة، لكن، دون أيّ منجَز في الحالة التّونسيّة الماثلة أمامنا.
كما نجد أنفسنا بصدد حالة من حالات ما بعد الدّيمقراطيّة، بتآكل المضمون الشّعبيّ للسّياسة وتقلّص المشاركة الحقيقيّة في الشّأن العامّ.
ولا أخال أنّ وزير الدّاخليّة، خالد النّوريّ، أخطأ – أو غالط الرّأي العامّ – حين قال إنّ "الانتخابات البلديّة ليست محطّة سياسيّة". فهو يعلم علم اليقين أنّ الأمر بات يتعلّق بمهمّة تقنيّة، لا أكثر ولا أقلّ. وهو ما بات ينسحب، بالمناسبة، على الانتخابات الرّئاسيّة والبرلمانيّة، في زمن بل وبمقتضى دستور حوّل السّلط إلى وظائف ومؤسّسات الدّولة إلى أجهزة بيروقراطيّة.
اقرأ/ي أيضًا: دعنا من بغلة العراق.. الشّعب جاع!
وحتّى لا نغرق كثيرًا في استجلاء ماهيّة النّظام السّياسيّ في تونس، مثلما أضاع كثيرون وقتهم – ووقتنا – في تعريف حركة "25 جويلية/يوليو 2021" بين اعتبارها انقلابًا أو ثورةً أو حركة تصحيحيّةً، في الوقت الّذي كان سعيّد يمضي فيه قُدمًا في التهام كلّ من يقف أمامه، من الواضح أنّ السّنوات الخمس الماضية شهدت حالة من التآكل لديناميّات الحكم، مثلما تشكّلت تدريجيًّا، غداة استقلال البلاد، عام 1956. فتفرّد قيس سعيّد بالسّلطة بشكل غير مسبوق، حتّى إبّان حكم الرّئيسين الرّاحلين، الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن عليّ، أدّى إلى اختلال مخيف، لم تدفع ثمنه الأجسام الوسيطة الّتي يُعاديها رئيس سلطة الأمر الواقع فحسب، بل الدّولة كلّها.
ولعلّ غياب سياسات عامّة هو أكبر دليل على ذلك. فالدّولة عاجزة عن التّدبير ليوم الغد، فما بالك بأيّ استشراف على المدى القريب أو المتوسّط أو البعيد. ولا تنتبه السّلطة الحاكمة، بالرّغم من كلّ ذلك، إلى أنّ عزلتها هي الّتي تتعاظم أكثر فأكثر. فلئن تتواصل سياسة العصا تُجاه كلّ من تُسوّل له نفسه المعارضة، إلى جانب تحجيم دور المؤسّسات وفي مقدّمتها البرلمان، فإنّ السّياسة العموديّة الفوقيّة لها حدودها، إذ بتأبيد أزمة مركّبة لا يمكن للاحتقان سوى أن يُولّد الانفجار.
استبدلت المنظومة الحالية الصّراعات الأيديولوجيّة بإدارة تقنيّة لشؤون الدّولة، أي أنّ الإدارة حلّت محلّ الصّراع السّياسيّ، وإن بكثير من التّخبّط والإخفاق.. فنحن إزاء لحظة من لحظات سياسة ما بعد السّياسة
لنأخذ، على سبيل الذّكر لا الحصر، مثال الارتفاع الصّاروخيّ لسعر النّفط، إذ تجاوزت، نهاية الأسبوع المنقضي، 120 دولارًا، أي نحو ضعف توقّعات موازنة العام الجاري المُحدّدة بـ63 دولارًا. كيف ستتعامل مع الدّولة مع هذه الوضعيّة، خاصّة أنّ المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتّحدة وإيران لا تزال مُتعثّرة وشبح استئناف الحرب لم يتبدّد بعد؟
ثمّة داخل السلّطة الحاكمة ومن بين مناصريها من يعتبر مجرّد طرح سؤال كهذا – على بديهيّته بل ومشروعيّته – شكلًا من أشكال التّعجيز المخلوط بالشّماتة، والحال أنّ جميعنا في مركب واحد، على الأقلّ فيما يتعلّق بالوضع الاقتصاديّ والاجتماعيّ للبلاد، أي أنّ جميعنا سيكتوي بنيران الغلاء والتّضخّم.
لكن، لأنّ التّخوين بات الرّياضة الأولى في بلادنا، فإنّ سوء النّيّة تغلغل بشكل لا يُطاق، بل وبلغ حدّ التّوجّس من "آخرٍ" افتراضيٍّ، لا يُبيّت للبلاد سوى الشّرّ. وتلك مسألة أصبحت واقعًا لا افتراضًا! فيا خيبة المسعى!
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية
دعوات للقتل.. ماذا بعد؟
من نافلة القول إنّ الصّمت أمام التّحريض بجميع أشكاله يُعتبر مشاركة ضمنيّة فيه، بل وصكًّا على بياض للمُضيّ قُدمًا في هذا الخطاب العنيف
رسالة المعتقلين من سجون تونس.. أيّ وحدة مأمولة؟
توجّه 11 معتقلًا سياسيًا من داخل السجون برسالة للتونسيين والفاعلين في الشأن العام، تضمّنت دعوة للتوحّد و"تأجيل كل خلاف فكري وسياسي إلى أن تعود الديمقراطية".. فهل أن توحّد الديمقراطيين المختلفين بداهة في توجهاتهم السياسية والفكرية يؤمّن تغييرًا في موازين القوى بما يؤدي بالتبعية إلى إنهاء الانحراف الاستبدادي واستعادة المسار الديمقراطي؟
مرة أخرى حول السيادة.. عقول تُصدَّر وكهرباء تُرهَن
تلك هي المفارقة التونسية الراهنة: لم يسبق أن ارتفع صوت السيادة بهذا العلوّ، ولم يسبق أن كانت مضامينها بهذا الفراغ..
منظمة تندد بالحكم ضد الصحفي هيثم المكي والمحامي عبد الناصر العويني
أعلن المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية عن متابعته ببالغ انشغال تواصل إصدار أحكام سالبة للحرية ضد..
نقابة الصحفيين تطالب بمراجعة الحكم في حق الصحفيين حمزة البلومي وإنصاف البوغديري
كان قد صدر حكم عن محكمة الاستئناف بتونس يقضي غيابيًا بسجن حمزة البلومي وإنصاف البوغديري لمدة سنة لكل منهما، وبخطية مالية في حقهما، على خلفية الشكاية التي تقدم بها الرئيس الأسبق للجمهورية التونسية المنصف المرزوقي
حكم بسنة سجنًا في حق حمزة البلومي والمنصف المرزوقي يعلّق.. ما القصة؟
علق الرئيس السابق، المنصف المرزوقي، على حكم السجن الصادر ضدّ عدد من الصحفيين بسبب فيديو..
ما حقيقة اندلاع حريق بالسجن المدني بالمسعدين من ولاية سوسة؟
معطيات تؤكد أنّ سجينيْن بالسجن المدني بالمسعدين، تعرضا لتوّعك صحي استوجب نقلهما إلى المستشفى الجامعي فرحات حشاد، لتلقي الفحوصات اللازمة