تونس الآن.. الجزائر دائمًا

تونس الآن.. الجزائر دائمًا

865 مشاهدة
استشراء الفساد السياسي يقلّل من ثقة المواطن في العملية الديمقراطية (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

باتت تونس اليوم أشبه من أي وقت مضى بالجزائر فيما يتعلّق بطريقة إدارة الصراع بين مراكز النفوذ المتناحرة داخل السلطة. صراع بين قوى وشبكات متنفذة تجعل من المجال الرسمي لإدارة الشأن العام (البرلمان والحكومة) مجرّد أداة ظاهرة للعيان للتبادل والحسم، بيد أن الحل والعقد لا يزال حاسمًا في الكواليس. ربّما ليس المذكور بدعة تونسية خالصة، غير أن كواليس الساحة التونسية ليست أروقة البرلمان والحكومة، هي كواليس الغرف المظلمة حينما تصبح بارونات الفساد آمرة، ويصبح السياسيون من أعضاء البرلمان والوزراء مؤتمرين، وحينما يصبح البرلمان في جزء لا بأس منه أقرب لسوق نخاسة ويُحتكم لمن يدفع أكثر.

وأيضًا حينما يسيطر الإعلام الفاسد على المشهد الإعلامي، ويقع إعداد اللقاءات تحت الطاولة مع التركيز على مواضيع وإهمال أخرى وذلك عبر غرفة خلفية يصبح فيها الصحفي مجرّد ذيل لهذا أو ذاك. وأيضًا، حينما تصبح التسريبات من داخل الأجهزة الأمنية هي الأكثر انتشارًا، وتصبح علاقة الأمني بالسياسي وكذا الصحفي تتجاوز أطرها المعهودة لأخرى تُدار بمنطق المصالح المتبادلة والولاءات. وطبعًا ينتشر منطق الابتزاز في الطبقة السياسية، بعيدًا عن منطق التنافس.

باتت تونس اليوم أشبه من أي وقت مضى بالجزائر فيما يتعلّق بطريقة إدارة الصراع بين مراكز النفوذ المتناحرة داخل السلطة وذلك مع سيطرة منطق الابتزاز والولاءات 

في هذا المشهد، تتصارع اللوبيات باستغلال أجهزة الدولة التي تصبح ممزقة بين شقوق متصارعة تحتطب كل المجالات المتاحة خدمة لمصالحها، وتستعمل كل الأسلحة الممكنة تجاه الآخر ومنها مثلًا إعداد الملفات القضائية بمبتدأ غير نزيه، وبدافع غير المعلن، وعبر إخراج سياسي استعراضي، هو في ذاته الهدف من الإجراء المعلن وليس المحاسبة أو المساءلة. بذلك أصبح الحديث عن مكافحة الفساد تجارة سياسية رائجة، والصورة في جوهرها حرب بين الفاسدين وليس على الفاسدين، ودائمًا ما يقع تطويع أجهزة الدولة لهذه الحرب.

اقرأ/ي أيضًا: هل تحتاج نساء تونس إلى إنقاذ؟

حققت في قضية سوناطراك الشهيرة في الجزائر مديرية الشرطة القضائية (الأس بي جي) التابعة للمخابرات العسكرية، وكانت المخابرات تستهدف من إثارة هذه القضية الرئيس الجزائري بوتفليقة ومحيطه. خلال الأزمة الصحية لبوتفليقة سنة 2013 ومغادرته للبلاد لفترة علاجية دامت أشهر، استعرت الحرب بين القوى المتصارعة داخل السلطة في معركة الخلافة، وحين عودة بوتفليقة من باريس، شنّ عملية لتقليم أظافر جهاز المخابرات العسكرية الذي بات يتهدده. فقام بإلحاق مديرية الشرطة القضائية بالمديرية العامة للقضاء العسكري تحت إدارة قيادة الأركان ووزارة الدفاع.

وقد شملت مراسيم سبتمبر/أيلول 2013 الشهيرة وقتها نقل المديرية المركزية للأمن العسكري من المخابرات إلى قيادة الأركان. كما تم ضم مركز الاتصال والنشر، المسؤول على التمويل العمومي للصحافة، إلى قيادة الأركان بدل المخابرات العسكرية. كانت حربًا مفتوحة طيلة سنتين عبر وسائل الإعلام وعبر ماريونات الأحزاب وعبر التصريحات والتصريحات المضادة، وقد تكفل وقتها أمين عام الحزب الحاكم عمار سعيداني باستهداف مدير المخابرات الجنرال توفيق عبر دعوته الدائمة للاستقالة بل باتهامه بأنه سبب تعطيل المسار الديمقراطي في الجزائر. وليست الصورة بأقل سريالية في تونس حينما بات الناطق الرسمي باسم حزب رئيس الحكومة، أي نداء تونس، يدعوه للاستقالة وينعته بالفاشل، بل واعتبار الحكومة التي يعود أغلب وزرائها للحزب الذي يتحدث باسمه هذا الناطق الرسمي بأنها حكومة حزب آخر هو حركة النهضة. المسألة طريفة في جانب منها.

أصبح الحديث في تونس عن مكافحة الفساد تجارة سياسية رائجة، والصورة في جوهرها حرب بين الفاسدين وليس على الفاسدين ودائمًا ما يقع تطويع أجهزة الدولة لهذه الحرب

عودة للجزائر، انتهى الصراع الذي خاضه بوتفليقة ضد المخابرات بعد تلك المراسيم بسنتين وذلك بإقالة مدير المخابرات العسكرية سنة 2015، ولكن المعركة مستمرة على جبهات أخرى. في خضم ذلك، كان بوتفليقة حصيلة تسوية بين الديناصورات داخل النظام استقدموه من الإمارات سنة 99، فقلب الطاولة عليهم في البداية بتحالفه مع مدير المخابرات الجنرال توفيق ضد قائد أركان الجيش الجنرال العماري سنة 2004، وبعد سنوات يتحالف مع قائد أركان الجيش الجنرال قايد صالح ليطيح بالجنرال توفيق، ولا يزال الصراع مستمرًا على جبهات أخرى.

هكذا هي الجزائر دائمًا، لوبيات متغلغلة تدير البلاد، وصناعة رؤساء، وصناعة أحزاب على القياس على غرار التجمع الوطني الديمقراطي، وقلب الطاولة بين الحين والآخر، وتحالفات بين خصوم وخصام بين حلفاء، وذلك في حرب مفتوحة قذرة ما الإعلام والقضاء إلا مجرد أدوات في انتظار تسويات بين الحين والآخر لتهدئة الأوضاع وبلوغ هدنة ولكن تستمر الحرب دائمًا. وهكذا أصبحت تونس اليوم، حرب مفتوحة البعض يظن أنه سيكسب بالتصعيد فيستعمل بعض أسلحته، ويخبئ أخرى والبعض الآخر يبحث عن هدنة لأقل الخسائر الممكنة.

اقرأ/ي أيضًا: حول سقوط الإعلام في "الفخاخ الاتصالية" للحكومة..

كان رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد مجرد قيادي صف ثاني في حزبه، لا يتمتع بأي ماضي نضالي أو سياسي، تم تصعيده لرئاسة الحكومة، ولكن انقلبت الصورة على غير ما كان يأمل من صعّدوه. في فترة التسويات، دائمًا ما يتأخر رجال الصف الأول، ولكن ما يلبث أن يستعر الصراع من جديد بينهم لافتكاك ما كانوا يريدون الظفر به خفية، ويطمح أولئك القادمين من خلف في افتكاك نصيبهم.

بهذا المعنى مثلًا، تصبح الحكومة أبعد ما تكون على مبدأ التضامن وأقرب من أي وقت مضى لمجلس إدارة شركة يضم ورثة يتصارعون فيما بينهم لتعزيز مكاسبهم بأي ثمن. في خضم ذلك، يهرع البعض لإلقاء اللوم على النظام السياسي، حجة سهلة تفتقد لإسناد متين يقع استدعاؤها لتبرير التحارب المخزي داخل السلطة. فلا تتعلق المسألة بمشكل هيكلي مضمونه سوء توزيع للسلطة وتفكك مصدر اتخاذ القرار، بل تتعلق في حقيقتها برغبة الفاعل السياسي لاستغلال السلطة وتكييفها كيفما يتوافق مع مصالحه.

الفساد السياسي هو الحاكم في تونس بأمر الشبكات الفاسدة المتغلغلة في مختلف المجالات وبات الصراع بين مراكز النفوذ بينًا للعيان لتتزايد عدم ثقة المواطن في الطبقة السياسية

بات، في الأثناء، الفساد السياسي هو الحاكم في تونس بأمر الشبكات الفاسدة المتغلغلة في مختلف المجالات، وبات الصراع بين مراكز النفوذ بينًا للعيان، لتتزايد عدم ثقة المواطن في الطبقة السياسية، والمشكل أنه تتخلخل ثقته في الديمقراطية وفي قيم لطالما رفعتها الثورة عاليًا، التي باتت بدورها مسؤولة، لدى البعض، عن هذه الطبقة السياسية. الطريق لا يزال طويلًا، وربًما يقول متفائل أن الحاصل أثر طبيعي في مرحلة بناء موعود يحتاج لكثير من المقاومة، قول جميل ولكن لا يجب أن نبخس الحق في بعض الإشارات المطلوبة لمواصلة المسيرة. ربّما يعقّب هذا المتفائل قائلًا، واصل طريقك بثبات واجعل من المفضوح من الصراع بين المافيات بما بات معروضًا على قارعة الطريق وفي عواميد الصحف، زادًا للترفيه ولكن خذه أيضًا بالمعنى الذي يقول عجوزه حينما يرفع يده للسماء داعيًا "اللهم أضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا منهم سالمين"، وهي عندنا "اللهم أضرب الفاسدين بالفاسدين وأخرج بلدنا سالمًا معافًا".

 

اقرأ/ي أيضًا:

من أجل حوار وطني حول المساواة والحريات الفردية

أبعاد العنصرية: تابوه التمييز العرقي في تونس