تنقيح النظام الانتخابي... أي نظام أنسب لتونس؟ (2/2)

تنقيح النظام الانتخابي... أي نظام أنسب لتونس؟ (2/2)

434 مشاهدة
يجب مراعاة خصوصيات مسار الانتقال الديمقراطي (getty)

تناولنا في الجزء الأول من التقرير التحليلي "تنقيح النظام الانتخابي... أي نظام أنسب لتونس؟" مختلف أشكال نظام الاقتراع بالأغلبية مع الاستئناس بأمثلة من نتائج انتخابات 2014، وذلك لتبيان تأثير النظام الانتخابي في تحديد وزن الفاعلين السياسيين، وهو ما يجعل طرح تغييره عنوانًا رئيسيًا للصراع بين هؤلاء الفاعلين خلال الفترة القادمة. وإجمالًا، نتناول في هذا الجزء الثاني من التقرير النظام النسبي وكذلك النظام المختلط مع خلاصات موجزة في تقدير النظام الأكثر تلاؤمًا في المشهد التونسي.

اقرأ/ي أولًا: تنقيح النظام الانتخابي... أي نظام أنسب لتونس؟ (2/1)

2 - نظام التمثيل النسبي

يعني نظام التمثيل النسبي توزيع المقاعد بحسب حصة كل قائمة من عدد الأصوات. وتوجد طريقتان أساسيتان لتوزيع المقاعد إما بطريقة أكبر البقايا أو بطريقة أكبر المتوسطات.

التمثيل النسبي مع أكبر البقايا

هو النظام المعتمد في تونس منذ انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، ويقضي بقسمة عدد الأصوات على عدد المقاعد لتحصيل قيمة المقعد الواحد أو ما يسمى الحاصل الانتخابي، وثم يقع منح مقعد لكل قائمة بحسب عدد مرات تحصيلها لهذا الحاصل، ثم تحصل كل قائمة على المقاعد المتبقية بحسب ترتيب أكبر البقايا إلى أن تتم تعبئة كل المقاعد.

والمثال المذكور أعلاه من انتخابات 2014 يكشف عن مدى مساهمة هذه النظام في ضمان تمثيلية متنوعة بحيث يصعب على أي قائمة الحصول على أغلب المقاعد في الدائرة وبالتالي حصول أي حزب على الأغلبية البرلمانية وهو ما عرفته تونس فعلا في انتخابات التأسيسي سنة 2011 وانتخابات مجلس نواب الشعب الشعب سنة 2014، وهو ما فرض وجود تحالفات حزبية. وغالبًا ما يقع اعتماد هذا النمط الانتخابي في البلدان التي تعرف تحولات ديمقراطية لضمان عدم سيطرة حزب على المشهد السياسي.

يؤدي نظام التمثيل النسبي مع أكبر البقايا لتعددية برلمانية مكثفة ويحول دون وجود أغلبية وهو ما يعتبره البعض سببًا لعدم الاستقرار السياسي

هذه الميزة هي ذاتها تُعتبر عيبًا لدى البعض وعائقًا يؤدي لعدم الاستقرار السياسي في ظل تقلبات التحالفات وعدم قدرة أي حزب على فرض برنامجه، وهو ما يأخذه اليوم أنصار تغيير هذا النظام حجة لاستبداله.

التمثيل النسبي مع أكبر المتوسطات

هو شبيه بالنظام السابق حيث يقع توزيع المقاعد بحسب الحاصل الانتخابي، ولكن لاحقًا تقع قسمة الأصوات المتحصّل عليها على عدد مقاعد كل قائمة مع إضافة مقعد وهمي، وتحصل القائمة التي لها أكبر متوسط على المقعد الشاغر الأول ثم تعاد العملية حتى اكتمال تعبئة كل المقاعد.

في صورة تطبيق هذا النظام على نتائج ثلاث دوائر انتخابية في انتخابات 2014، تتوزع مقاعد دائرة تونس 1 بتفصيل 4 لنداء تونس، و3 لحركة النهضة ومقعد وحيد للاتحاد الوطني الحرّ بمعنى يفقد كلا من التيار الديمقراطي والجبهة الشعبية مقعديهما لصالح النداء والنهضة. وفي دائرة تونس 2، يستحوذ نداء تونس على 7 مقاعد فيما تأخذ النهضة المقاعد الثلاثة المتبقية، ويفقد كلا من آفاق تونس وحزب المبادرة مقعديهما لصالح نداء تونس. أما في دائرة قبلي ذات الخمس مقاعد، تحصل النهضة على 3 مقاعد ويقع توزيع المقعدين التاليين بين المؤتمر وحركة الشعب فيما يفقد حزب نداء تونس مقعده.

تكشف هذه المحاكاة أن نظام أكبر المتوسطات يؤدي لتقليص تمثيلية القوائم مقارنة بأكبر البقايا، وربما يساعد أكثر على تحقق الأغلبية. فلو طبقناه في انتخابات التأسيسي سنة 2011، لحصلت النهضة لوحدها على 147 مقعدًا أي أكثر من ثلثي المقاعد، والحال أنها تحصلت وقتها على 91 مقعدًا بنظام أكبر البقايا.

3 - النظام المختلط

للنظام المختلط أنماطًا وأشكالًا عديدة ومتنوعة، يمكن أن يجمع بين الأغلبية والنسبية، كما يمكن أن يجمع بين التصويت على القوائم والأفراد، ويمكن أن يكون بدوائر مزدوجة يعني دوائر محلية وأخرى وطنية.

حيث يوجد نمط المزج بين الاقتراع على القوائم والاقتراع على الأفراد، بحيث يقوم الناخب بالانتخاب في صندوقين مرّة في دائرة القوائم والتي تكون غالبًا مخصّصة للأحزاب، وأخرى في دائرة الأفراد الهادفة لتعزيز حضور المستقلين. توجد أشكال وتطبيقات مختلفة لهذا النظام، ففي الانتخابات التشريعية المصرية سنة 2011 تم اعتماد نظام القوائم النسبية على ثلثي الدوائر مقابل النظام الفردي على الثلث المتبقي. يلائم هذا النظام بين صنفين مختلفين ويمكن أن يساهم عبر دوائر الأفراد في تمثيلية منوعة أمام الأحزاب ولكن ذلك لا يمنع إمكانية تغوّل الأحزاب الكبرى خلاف وأنه يحمله صعوبة على الناخب في عملية الاقتراع.

تتعدّد أنماط وأشكال النظام المختلط وتوجد مزايا وعيوب لكل نظام بحسب طريقة تطبيقه ولكنه غالبًا ما يكون صعب الفهم بالنسبة للمواطن

ونجد كل بلد ونظامها المعتمد في الاقتراع المختلط، ففي إيطاليا مثلا تم سابقًا اعتماد التصويت على الأفراد في ثلاثة أرباع المقاعد بالأغلبية مع إبقاء ربع المقاعد للقائمات بالتمثيل النسبي. وفي الانتخابات الجهوية الفرنسية، يوجد نظام مختلط يقوم على اعتماد النظام الاغلبي في نصف مقاعد الدائرة والنظام التمثيل النسبي في النصف الآخر.

وحقيقة يصعب الحديث عن مميزات وعيوب كل نظام مختلط دون معرفة شكله ونسب التصويت وخصائص المشهد الحزبي وطبيعة النظام السياسي وغيرها من المحددات، لا يجب أن ننسى دائمًا أنه لا يوجد نظام أفضل من الآخر بل يوجد نظام أنسب في هذا البلد أكثر من نظام آخر.

اقرأ/ي أيضًا: هل طريق السبسي مفتوحة لتغيير نظام الحكم أو النظام الانتخابي؟

4 - نقاط جوهرية

توجد داخل كل نظام أو عائلات من العائلات الاقتراع وهي النسبية والأغلبية والمختلطة تفريعات وأنماط، كما توجد تقنيات مميزة منها داخل كل منها.

فمثلًا في نظام القوائم، توجد قائمات مغلقة أي عدد أفرادها بعدد المقاعد ولا يجوز للناخب ترتيب المرشحين، وهو النظام المعتمد حاليًا في تونس، كما توجد القائمات المفتوحة والتي تتيح للناخب ترتيب أفراد القائمة، بل توجد أشكال تعطي أكثر حرية للناخب على غرار إمكانية الاقتراع على أفراد من قوائم مختلفة وفي سويسرا مثلا يتمتع الناخب بعدد من الأصوات يساوي عدد المقاعد بحيث يمكنه توزيع أصواته كما يشاء وهو ما يعرف بنظام القائمة الحرّة.

ولكن من أهم التقنيات في نظام القوائم هو نظام العتبة والذي يعني وضع نسبة مائوية لا يمكن للقائمة الحصول على مقعد في صورة عدم تجاوزها، وهو ما يساعد على تفادي تشتت الأصوات ويقصي الأحزاب الصغيرة ويساعد على توفير حظوظ لقيام أغلبية. وتتعدد العتبات بين 3 في المائة على النحو المعتمد في الانتخابات البلدية في تونس، أو نسبة 5 في المائة في الانتخابات التشريعية في ألمانيا، وتصل النسبة لـ10 في المائة والمثال التقليدي هي تركيا وهي نسبة عتبة مرتفعة.

تعني العتبة وضع نسبة مائوية لا يمكن الحصول على مقعد في صورة عدم بلوغها وتوجد دعوات لاعتمادها في النظام الانتخابي للتشريعيات بعد إضافتها في البلديات

لو نعود لمحاكاة نظام العتبة مع انتخابات 2014، سنجد 5 أحزاب فقط حققت 3 في المائة من الأصوات على المستوى الوطني وهي نداء تونس وحركة النهضة والجبهة الشعبية والوطني الحر وآفاق تونس، ولو نعتمد عتبة بـ5 في المائة لا نجد إلا حزبي النداء والنهضة ممثلين. ربّما اعتماد نظام العتبة على مستوى الدائرة وليس على المستوى الوطني هو أكثر رفقًا بالأحزاب الصغيرة، وخلاصة تظل العتبة إحدى أكثر التقنيات استعمالًا لتجاوز بعض عيوب النظام النسبي.

5 - ماهو النظام الأنسب إذًا؟

لا يساعد فعلًا النظام الحالي في تونس أي نظام التمثيل النسبي مع أكبر البقايا على وجود أغلبية ويفرض التحالفات الحزبية لتكوين حكومة، ولكنه هو واحد من أكثر الأنظمة عدلًا بنسبية تمثيلية الأصوات في البرلمان. ففي انتخابات 2014، تحصل نداء تونس على 37.5 في المائة من الأصوات قابلها 39 في المائة من المقاعد، فيما حازت النهضة على 27 في المائة من الأصوات قابلها 32 في المائة من المقاعد.

بيد أن الأهم هو أن هذا النظام جاري اعتماده في فترات الانتقال الديمقراطي أولا لضمان عدم استفراد حزب واحد أو حزبين على مشهد سياسي جديد بعد اسقاط نظام الاستبداد، وثانيا لضمان تمثيلية لمختلف الأحزاب الأيدولوجية والسياسية والاجتماعية في فترات التأسيس الديمقراطي. وهو ما نجده مميزاته مع المجلس التأسيسي ورهان صياغة دستور بالتوافق بين مختلف التيارات وليس بالغلبة العددية، والتي تابعنا كيف تحوّلت هذه الغلبة في فترة 3 سنوات، وهذا طبيعي في سياق انتقال ديمقراطي وعدم استقرار المشهد السياسي، بسيطرة حزب على نحو 40 في المائة من المقاعد لم يكن ممثلا في المجلس التأسيسي.

التمثيل النسبي جاري اعتماده في فترات الانتقال الديمقراطي لضمان عدم استفراد حزب واحد أو حزبين ولضمان تمثيلية منوّعة في مرحلة التأسيس

ولكن، يؤكد المتحفظون على النظام الحالي أن تجاوزه الزمن بانتهاء صياغة الدستور وبضرورة ضمان استقرار سياسي بما يفترض التقليص من الفسيفسائية الحزبية في البرلمان، وذهب كل فريق من المتحفظين في اتجاه اقتراح واحد من أنظمة الاقتراع السابق عرضها. وفي الواقع، يصعب القول بتجاوز الزمن للنظام الحالي ليس فقط لأنه معتمد في أنظمة ديمقراطية مستقرة، بل كذلك لأن الانتقال الديمقراطي لازال جاريًا في تونس، بحيث لازالت الديمقراطية ناشئة لم تستكمل بناء مؤسساتها. إضافة لذلك، لازال المشهد السياسي-الحزبي مضطربًا وغير مستقرّ، حيث لازالت الأحزاب خاصة المتوسطة والصغيرة تتلمس طريقها بين دعوات توحيد الأحزاب المنتمية لعائلة سياسية واحدة وعمليات الانصهار في الفترة الأخيرة.

وعدم الحصول على الأغلبية لا يمكن أن يكون سببًا للأزمات السياسية والاقتصادية المتتالية، حيث لا يمكن رمي فشل الطبقة السياسية الحاكمة على نظام انتخابي، خاصة إن كانت هذه الطبقة الحاكمة تستحوذ على أغلبية مريحة داخل البرلمان وتمرّر قوانينها دون أي صعوبات تذكر. كما إن الدعوة لتنقيح النظام الانتخابي في غياب أي توافق بين الفاعلين السياسيين على مبدأ تنقيحه عدا عن النظام الجديد سيمثل عنصر تأزيم جديد للوضع السياسي خاصة في مناخ عدم ثقة حول مضي جهة الدعوة لتغيير النظام في إرساء الديمقراطية.

لا توجد مسوّغات جديّة ومتماسكة لتغيير للنظام الانتخابي حاليًا ولكن يمكن القيام ببعض التحويرات الجزئية كإضافة عتبة بسيطة ولكن بشرط اعتماد مبدأ التوافق مع المعارضة لا منطق الغلبة

بذلك، لا توجد مسوّغات جديّة ومتماسكة تفترض تغييرًا للنظام الاقتراع الحالي وإن يجب طرح مناقشته ولكن في ضرورة مناخ ثقة ووجود ضمانات حول عدم السعي لإقصاء أصوات وأحزاب بقوة نظام انتخابي يلائم الحزبين الكبيرين على حساب بقية الأحزاب، خاصة وأن الانتقال الديمقراطي لايزال يسير ببطء. كما لازال المرحلة الحالية تفترض اعتماد التمثيل النسبي، ولكن يمكن القيام ببعض التحويرات الجزئية على النظام المعتمد على غرار إضافة عتبة بنسبة اثنان أو ثلاثة في المائة لا أكثر، وهو ما قد يدفع الأحزاب المتوسطة والصغيرة المنتمية لذات العائلة السياسية على التحالف السياسي أو الانتخابي على الأقل لضمان تمثيليتها في البرلمان، وهو ما يضمن إجمالًا تنوعًا حزبيًا عقلانيًا في السنوات القادمة، ولكن بشرط جوهري هو قبول أحزاب المعارضة الحالية أو أغلبها بهذا التحوير بعيدًا للابتعاد عن منطق الغلبة في مسألة محورية في مستقبل الديمقراطية الناشئة. فتغيير نظام الانتخاب يجب أن يكون للمصلحة الوطنية الجامعة وليس لمصلحة طرف دون آخر.

 

اقرأ/ي أيضًا:

كيف تفاعلت الأحزاب السياسية مع مقترح قائد السبسي؟

مبادرة السبسي.. تباين في مواقف أساتذة القانون الدستوري