تغيّر في الأولويات.. لماذا يؤجل جيل التسعينيات في تونس الزواج؟
23 يونيو 2026
لم يعد سؤال "متى ستتزوج؟" يُطرح على أبناء جيل التسعينيات في تونس بالحدة نفسها التي كان يُطرح بها على آبائهم قبل عقود. فبلوغ الثلاثين دون زواج لم يعد حالة استثنائية تثير الاستغراب، بل أصبح جزءًا من مشهد اجتماعي يتسع تدريجيًا تحت تأثير تحولات اقتصادية وثقافية متسارعة.
في المقاهي ووسائل النقل وأماكن العمل، تتكرر الحكايات ذاتها بأسماء مختلفة: شاب يؤجل الزواج إلى حين امتلاك منزل، وآخر ينتظر وظيفة أكثر استقرارًا، وثالث يضع الهجرة كأولوية تسبق مشروع الأسرة. أما كثير من الشابات، فلم يعد الزواج بالنسبة إليهن محطة مبكرة في مسار الحياة، بل خيارًا يأتي بعد استكمال الدراسة وبناء استقلال مهني.
وبينما كان الزواج في أجيال سابقة خطوة طبيعية نحو الاستقرار، يبدو أنه تحول لدى شريحة واسعة من أبناء التسعينيات إلى نتيجة لهذا الاستقرار لا شرطًا لتحقيقه. لذلك لم يعد التأخير مرتبطًا بالرغبة فقط، بل بمنظومة شروط اجتماعية واقتصادية باتت تسبق القرار.
لم يعد سؤال "متى ستتزوج؟" يُطرح على أبناء جيل التسعينيات في تونس بالحدة نفسها التي كان يُطرح بها على آبائهم قبل عقود. فبلوغ الثلاثين دون زواج لم يعد حالة استثنائية تثير الاستغراب، بل أصبح جزءًا من مشهد اجتماعي يتسع تدريجيًا تحت تأثير تحولات اقتصادية وثقافية متسارعة
ولا تبدو تونس استثناءً في هذا السياق. فقد رصد مركز (Pew Research Center) تحولات مماثلة لدى جيل الألفية في الولايات المتحدة، حيث تراجعت معدلات الزواج وتكوين الأسر مقارنة بالأجيال السابقة. وتشير دراسة نشرها المركز سنة 2020 إلى أن 30% فقط من أبناء جيل الألفية كانوا يعيشون مع زوج أو زوجة وطفل عند اقترابهم من سن الأربعين، مقابل 40% من أبناء جيل "إكس" في العمر نفسه. كما تبين الدراسة أن 44% فقط من أبناء جيل الألفية كانوا متزوجين، مقارنة بـ53% من جيل "إكس" و61% من جيل "الطفرة السكانية" في المرحلة العمرية ذاتها، ما يعكس اتجاهاً واضحاً نحو تأجيل الزواج وتكوين الأسرة لصالح أولويات التعليم والعمل والاستقرار الاقتصادي.
السكن كعامل حاسم في الزواج.. كيف تحول إلى عائق؟
يصعب الحديث عن تأخير الزواج في تونس دون التطرق إلى السكن، الذي تحول خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أكبر التحديات أمام الشباب.
فامتلاك منزل أو حتى استئجار مسكن مستقل لم يعد أمرًا يسيرًا بالنسبة إلى أصحاب الدخل المتوسط أو المحدود. وبين ارتفاع أسعار العقارات وكلفة التأثيث ومتطلبات الحياة اليومية، أصبح كثير من الشباب ينظرون إلى الزواج باعتباره مشروعًا ماليًا ضخمًا يحتاج إلى سنوات من الادخار والتخطيط.
اقرأ/ي أيضًا: جيل التسعينيات.. الأوفر حظًا بذكرياته والأكثر تعاسة بتناقضات حاضره
وتبدو المفارقة واضحة عند مقارنة واقع اليوم بما عاشته الأجيال السابقة. ففي حين تمكن كثير من الآباء من بناء منازلهم أو شراء أراضٍ في سن مبكرة نسبيًا، يجد أبناء التسعينيات أنفسهم أمام سوق عقارية أكثر تعقيدًا وقدرة شرائية أقل، ما يجعل حلم الاستقرار السكني يتراجع عامًا بعد آخر.
داخل هذا السياق، يختصر "أحمد" (اسم مستعار)، وهو شاب في الثلاثينيات يعمل في شركة خاصة ويتقاضى قرابة 1800 دينار شهريًا، هذه المعادلة الصعبة قائلاً لـ"الترا تونس": "نظريًا يمكنني الزواج، لكن عمليًا لا أستطيع تحمّل مصاريف السكن بمفردي. حتى الادخار أصبح شبه مستحيل في ظل تكاليف المعيشة الحالية".
يصعب الحديث عن تأخير الزواج في تونس دون التطرق إلى السكن، الذي تحول خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أكبر التحديات أمام الشباب. فامتلاك منزل أو حتى استئجار مسكن مستقل لم يعد أمرًا يسيرًا بالنسبة إلى أصحاب الدخل المتوسط أو المحدود
ويضيف لـ"الترا تونس": "المشكلة لا تتعلق بالزواج في حد ذاته، بل بالسكن وما يليه من التزامات. الإيجار، الفواتير، ثم المسؤوليات المستقبلية.. كلها تجعل القرار مؤجلاً إلى أجل غير واضح".
بهذا الشكل، يتحول السكن من مجرد عنصر مادي إلى عامل حاسم في إعادة رسم توقيت الزواج لدى شريحة واسعة من الشباب، الذين يجدون أنفسهم أمام معادلة صعبة: الاستقرار السكني أولًا، أم تكوين الأسرة أولًا؟
العمل أولًا.. ثم التفكير في الزواج
إذا كان السكن يمثل العقبة الأولى، فإن الاستقرار المهني يأتي مباشرة بعدها.
فالكثير من الشباب التونسيين يدخلون سوق العمل في ظروف تتسم بعدم اليقين، سواء بسبب البطالة أو العقود المؤقتة أو ضعف الأجور مقارنة بارتفاع تكاليف المعيشة. وفي ظل هذا الواقع، يصبح الزواج مشروعًا مؤجلًا إلى حين تحقيق حد أدنى من الأمان الاقتصادي.
ولا يتعلق الأمر فقط بتوفير تكاليف حفل الزفاف أو تجهيز المنزل، بل بالقدرة على تحمّل مسؤوليات طويلة الأمد في بيئة اقتصادية تتسم بالتقلب وعدم الاستقرار.
ولهذا السبب، أصبح الحصول على وظيفة مستقرة بالنسبة إلى كثير من الشباب خطوة تسبق التفكير في الزواج، لا خطوة تأتي بعده كما كان الحال لدى أجيال سابقة.
يقول حاتم (29 سنة) لـ"الترا تونس"، وهو شاب يعمل في قطاع التوزيع (Livreur): "أعمل يومًا بيوم، وإذا توقفت عن العمل حتى لفترة قصيرة تتعطل حياتي بالكامل. أحيانًا أصل إلى نهاية الشهر وأنا أحسب كل مصروف صغير قبل اتخاذ أي خطوة، لأن أي خلل بسيط في الدخل ينعكس مباشرة على أبسط الاحتياجات اليومية. كيف يمكن أن أفكر في الزواج في ظل وضع كهذا؟".
إذا كان السكن يمثل العقبة الأولى، فإن الاستقرار المهني يأتي مباشرة بعدها. فالكثير من الشباب التونسيين يدخلون سوق العمل في ظروف تتسم بعدم اليقين. وفي ظل هذا الواقع، يصبح الزواج مشروعًا مؤجلًا إلى حين تحقيق حد أدنى من الأمان الاقتصادي
أما إيمان (28 سنة) وهي شابة تعمل في مغازة كبرى براتب يقارب 700 دينار، فتصف واقعها بوضوح مماثل: "أعمل طوال الشهر لأغطي أساسيات الحياة فقط… الإيجار، المأكل، والتنقل. في نهاية الشهر لا يتبقى ما يمكن أن يُبنى عليه مشروع مثل الزواج، وكأن هذا القرار يخص حياة أخرى غير حياتي الحالية."
من تحقيق الذات إلى إعادة ترتيب الأولويات
الاقتصاد وحده لا يفسر الظاهرة بالكامل، فالدراسات التي تناولت جيل الألفية في عدد من دول العالم تشير إلى تحولات أعمق في طريقة تفكير الشباب تجاه الحياة والأولويات. ووفق أبحاث مركز Pew Research Center، باتت الدراسة والعمل وتطوير المهارات وتحقيق الاستقلال الفردي تحتل موقعًا متقدمًا مقارنة بالأجيال السابقة.
وفي تونس، تبدو هذه التحولات حاضرة بدرجات متفاوتة، حيث لم تعد سنوات العشرينات مخصصة حصريًا لتكوين الأسرة، بل أصبحت مرحلة تُستثمر في الدراسة وبناء المسار المهني أو خوض تجارب عمل وحياة داخل البلاد وخارجها. ونتيجة لذلك، لم يعد الزواج بالنسبة إلى كثيرين المشروع الوحيد الذي يمنح الحياة معناها أو استقرارها، بل واحدًا من بين مشاريع متعددة تتنافس على الوقت والجهد والموارد.
هل يتخلى الشباب عن الزواج فعلًا؟
رغم كثرة الحديث عن "عزوف الشباب عن الزواج"، لا تبدو الصورة بهذه البساطة.
فمعظم المؤشرات والدراسات لا تتحدث عن رفض الزواج بقدر ما تتحدث عن تأجيله. إذ ما يزال الزواج حاضرًا في تصورات عدد كبير من الشباب باعتباره هدفًا مرغوبًا، لكنه لم يعد أولوية مطلقة تتقدم على بقية المشاريع الحياتية.
رغم كثرة الحديث عن "عزوف الشباب عن الزواج"، لا تبدو الصورة بهذه البساطة. فمعظم المؤشرات والدراسات لا تتحدث عن رفض الزواج بقدر ما تتحدث عن تأجيله. إذ ما يزال الزواج حاضرًا في تصورات عدد كبير من الشباب باعتباره هدفًا مرغوبًا، لكنه لم يعد أولوية مطلقة
وتشير بيانات صادرة عن المعهد الوطني للإحصاء في تونس إلى أن سن الزواج الأول في البلاد شهد ارتفاعًا واضحًا خلال العقود الأخيرة، حيث ارتفع لدى الرجال من حدود منتصف العشرينيات في العقود السابقة إلى ما يفوق الثلاثين في السنوات الأخيرة، بينما ارتفع لدى النساء بشكل ملحوظ أيضًا، في مؤشر يعكس تأخرًا عامًا في تكوين الأسرة وليس تراجعًا في الإقبال عليه.
كما تُظهر نفس المعطيات أن عدد عقود الزواج المسجلة سنويًا شهد تذبذبًا مع ميل عام نحو التراجع مقارنة بالسنوات السابقة، وهو ما يرتبط بتغيرات اقتصادية واجتماعية تشمل ارتفاع كلفة المعيشة وصعوبة الاستقلال السكني والمهني.
وبين ضغوط السكن والعمل وأحلام الهجرة وتغير أنماط العيش، يبدو أن جيل التسعينيات لا يبتعد عن الزواج بقدر ما يعيد التفاوض على شروطه وتوقيته.
فإذا كانت الأجيال السابقة قد رأت في الزواج بداية الطريق نحو الاستقرار، فإن أبناء التسعينيات يحاولون أولًا الوصول إلى هذا الاستقرار قبل التفكير في خوض التجربة نفسها، حتى وإن أدى ذلك إلى تأجيلها سنوات طويلة.
الكلمات المفتاحية
زيادات في أسعار الأدوية تخلّف استياءً واسعًا ومخاوف على المرضى في تونس
خلّفت مراجعة أسعار عدد من الأدوية، وإقرار زيادات في أسعار عدد منها، بعد المنشور الصادر مؤخرًا عن الصيدلية المركزية المتعلق بتحيين أسعار الأدوية والذي شمل نحو 300 دواء، تفاعلات عديدة في تونس.
البلاستيك مقابل الكراسات.. ما قصة هذه المبادرة البيئية الفريدة في قرقنة؟
مبادرة بيئية في قرقنة تحثّ التلاميذ على جمع النفايات مقابل مستلزماتهم المدرسية بعنوان "قرقنة صفر بلاستيك" وتحت شعار "معًا لعودة مدرسية سعيدة وبيئة نظيفة".. إليك التفاصيل
قمم مبتورة.. عندما تتحول الجبال في تونس إلى أكياس أسمنت
"ندوب" بيضاء ورمادية هائلة تشقّ الجبال وتلوح للناظر من على بعد كيلومترات. إنّها مقاطع الحجارة والرخام والحصى التي تعمل منذ عقود دون توقف..
خلاف بين الفنان رؤوف ماهر ومهرجان المنستير.. ما القصة؟
وجه الفنان رؤوف ماهر رسالةً إلى مدير مهرجان المنستير الدولي إثر..
موجة حرّ متوقعة في تونس الأسبوع القادم
المرصد التونسي للطقس والمناخ: الحرارة ستكون أربعينية في أغلب المناطق التونسية لعدة أيام أي من 40 إلى 45 درجة عمومًا على أغلب المناطق التونسية
طقس تونس.. درجات الحرارة القصوى تصل إلى 43 درجة
أعلن المعهد الوطني للرصد الجوي أن طقس اليوم الأربعاء 19 أوت/أغسطس 2026 سيكون..
لماذا ينتظر تونس خريف استثنائي؟ مختص في الشأن البيئي يوضّح
حمدي حشاد (مختص في الشأن البيئي): من المتوقع استمرار ارتفاع درجات الحرارة بشكل ملحوظ خلال أشهر الخريف، فضلًا عن تأثير ظاهرة "النينيو" المناخية