تزامنًا مع كل عودة جامعية.. السكن هاجس يلاحق الطلبة التونسيين
14 سبتمبر 2026
"ارحمونا، فنحن ننتمي إلى عائلات محدودة الدخل وقادمون من مناطق بعيدة جدًا"، كان هذا منشورًا لطالبة نشرته في إحدى مجموعات البحث عن سكن للكراء في تونس، تستغيث فيه بأصحاب العقارات المعدة للكراء وتطلب منهم "الرحمة"، في وقت يشهد فيه الإيجار في تونس ارتفاعًا لافتًا سنة تلو الأخرى.
فبالتزامن مع موعد العودة الجامعية، لا ينشغل عدد كبير من الطلبة التونسيين بالتحضير لبدء الدروس والالتحاق بجامعتهم، بل يجدون أنفسهم أمام معركة أخرى تبدأ قبل دخول المدرجات ألا وهي العثور على سكن مناسب وبكلفة يمكن تحمّلها.
ووفق بيانات صادرة عن المعهد الوطني للإحصاء، فقد شهدت أسعار الإيجار في تونس ارتفاعًا ملحوظًا بنسبة تجاوزت 29% في المدن الكبرى بين عامي 2020 و2024.
بالتزامن مع موعد العودة الجامعية، لا ينشغل عدد كبير من الطلبة التونسيين بالتحضير لبدء الدروس والالتحاق بجامعتهم، بل يجدون أنفسهم أمام معركة أخرى تبدأ قبل دخول المدرجات ألا وهي العثور على سكن مناسب وبكلفة يمكن تحمّلها
الإيجار للطلبة.. ارتفاع الأسعار يثقل كل العائلات
بدأت ريهام بن صالح (اسم مستعار)، أصيلة ولاية سيدي بوزيد، رحلة البحث عن غرفة فردية للإيجار في تونس العاصمة، منذ شهر أوت/أغسطس الماضي لكنها لم تجد حتى الآن ما يناسب حاجتها.
تقول ريهام في حديثها مع "الترا تونس": "بدأت رحلة البحث عن غرفة للإيجار منذ نهاية شهر أوت/أغسطس الفائت وها نحن قد بلغنا منتصف شهر سبتمبر/أيلول لكنني لم أنجح في إيجاد ما أبحث عنه".
تدرس ريهام في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس وهي مرسمة بالسنة الثالثة، وتبحث عن غرفة في مبيت خاص أو منزل للكراء بالسرير، على ألا تتجاوز كلفة السكن 150 دينارًا شهريًا، نظرًا إلى الوضعية المادية الصعبة لعائلتها وعدم قدرة والدها على تحمّل تكاليف سكنها ودراستها، إلى جانب مصاريف دراسة إخوتها.
ويمنح ديوان الخدمات الجامعية للطلبة حق الانتفاع بالسكن الجامعي، شرط ألا تقل المسافة بين مقر إقامتهم ومؤسستهم الجامعية عن 30 كيلومترًا، بينما تُمنح الإقامة الجامعية للطلبة الذكور لمدة سنة واحدة، مقابل سنتين للطالبات.
وتؤكد ريهام في حديثها أنها قررت خلال الأيام الأولى من بحثها الاستعانة بـ"سمسار" لمساعدتها في العثور على سكن، لكنها سرعان ما خسرت جزءًا كبيرًا من أموالها، إذ كان يتقاضى 20 دينارًا عن كل زيارة لمعاينة عقار معروض للكراء، حتى في حال عدم إتمام عملية الإيجار.
تتابع قائلة: "لقد كان الأمر مرهقًا بالنسبة إليّ كطالبة لا دخل لها ومنحدرة من عائلة محدودة الدخل، حتى السماسرة ومكاتب العقارات يستغلون الطلبة بشكل لا يُصدق".
طالبة أصيلة ولاية سيدي بوزيد لـ"الترا تونس": ما أزال أبحث عن غرفة فردية في مبيت جامعي خاص أو منزل قريب من جامعتي، بمقابل لا يتجاوز 150 دينارًا شهريًا، لكنّ الأسعار تتجاوز قدرتي المادية بكثير، إذ يتراوح سعر الغرفة الفردية بين 200 و350 دينارًا
تضيف قائلة: "لقد كان الأمر مرهقًا لي كطالبة لا دخل لها ومنحدرة من عائلة محدودة الدخل، حتى السماسرة ومكاتب العقارات يستغلون الطلبة بشكل كبير، تخيلي أنهم يأخذون عمولة تساوي نصف قيمة المكان المُكترى، فمثلًا إذا كانت الغرفة بـ200 دينار تأخد الوكالة 100 دينار وإذا كان منزلًا بـ500 دينار تأخذ الوكالة 250 دينار".
وإلى جانب ما تتقاضاه الوكالة يجد الطالب نفسه مطالبًا بدفع الإيجار الشهري إضافة إلى دفع شهر كامل مسبقًا كضمان، وهو مبلغ يُسترد عادة عند انتهاء فترة الإيجار، في حال عدم تسجيل أضرار أو تلف في الأثاث، وهي مصاريف يقول الطلبة إنها "تزيد من الأعباء المالية الملقاة على عاتقهم".
ولا تزال ريهام تبحث عن غرفة فردية في مبيت جامعي خاص أو منزل قريب من جامعتها، بمقابل لا يتجاوز 150 دينارًا شهريًا، لكنها تقول إن الأسعار تتجاوز قدرتها المادية بكثير، إذ يتراوح سعر الغرفة الفردية بين 200 و350 دينارًا. وترى أن هذه المبالغ مرتفعة جدًا ولا تراعي الوضعية المادية للطلبة وعائلاتهم.
طالب يبحث عن الإيجار: رحلة بحث شاقة ومكلفة
يبحث أحمد شلبي، أصيل ولاية سليانة، هو الآخر عن غرفة في مبيت جامعي أو منزل مؤثث في تونس العاصمة، أو في منطقتي باب الخضراء وباردو، ليكون قريبًا من كليته، لكنه يؤكد أنه يخوض، رفقة عدد من زملائه، رحلة شاقة ومكلفة بحثًا عن سكن مناسب.
يضيف في حديثه مع "الترا تونس"، أنه بدأ منذ بداية شهر سبتمبر/أيلول الجاري رحلة البحث عن سكن للكراء لكنه تفاجأ بالارتفاع اللافت في الأسعار مقارنة بالسنة الماضية، مؤكدًا، أن سعر الاستوديو، المكوّن من غرفة واحدة ومطبخ صغير، بلغ في بعض المناطق 500 دينار.
يواصل حديثه قائلًا إنه كان يقيم السنة الماضية في غرفة رفقة صديقه، مقابل 150 دينارًا للشخص الواحد، مؤكدًا أن كلفة الغرفة ارتفعت هذا العام إلى 200 دينار وقد يتجاوز سعرها 350 دينارًا إذا أضاف صاحب العقار بعض الخدمات، مثل خدمة الواي فاي أو جهاز التكييف.
أحمد شلبي (طالب أصيل ولاية سليانة) لـ"الترا تونس": أزمة الكراء في العاصمة والارتفاع الكبير في الأسعار، قد يحول دون مواصلتي المرحلة الثانية من التعليم العالي والحصول على شهادة الماجستير، وقد يضطرني ذلك إلى الاكتفاء بالإجازة
ويقول أحمد إنه مرسّم حاليًا بالسنة الثالثة في كلية العلوم الاقتصادية والتصرف بتونس، وإنه بدلًا من أن يكون في هذه الفترة يستعد للالتحاق بمدرجات الجامعة، لا يزال يركض بحثًا عن سكن للكراء.
ويضيف أنه يدفع للسمسار ومكتب العقارات والمالك مبالغ طائلة مقابل غرفة تكون أحيانًا فوق سطح أحد المباني وغير مجهزة، موضحًا أن أزمة الكراء في العاصمة قد تحول دون مواصلته المرحلة الثانية من التعليم العالي والحصول على شهادة الماجستير، وقد تضطره إلى الاكتفاء بالإجازة.
كما يؤكد أن المبيتات الجامعية الحكومية تعاني بدورها من الاكتظاظ، وأن الطلبة جميعًا يعانون من أزمة السكن، خصوصًا مع الارتفاع الكبير والمخيف الذي تشهده أسعار الكراء في المدن المكتظة بينما تقف المبيتات الجامعية عاجزة عن استيعاب كل الطلبة، وفق قوله.
اقرأ/ي أيضًا: رحلة البحث عن سقف.. حين يثقل الغلاء جيوب الطلبة في تونس
اتحاد الطلبة: السكن الجامعي حق لا امتياز
يقول الأمين العام للاتحاد العام لطلبة تونس، محمد أولاد محمد، إن آلاف الطلبة وجدوا أنفسهم اليوم أمام أزمة سكن حقيقية، مشيرًا إلى أن الأرقام تؤكد أن طاقة استيعاب المبيتات الجامعية لا تواكب الحاجيات المتزايدة للطلبة.
ويضيف أن "المشكل اليوم هو أن آلاف الطلبة يقفون أمام جامعة مفتوحة نظريًا وبدأ في تقديم الدروس، لكن من دون سقف يأويهم ويضمن لهم مواصلة الدراسة فعليًا".
ويرى محدث "الترا تونس" أنّ السكن الجامعي للطلبة من المفترض أن يكون جزءًا من الحق في التعليم، ومن يُحرم منه قد يُحرم عمليًا من الجامعة".
وأوضح أولاد محمد، أنّ الخيارات المتاحة أمام الطلبة الذين لا يحصلون على سكن جامعي، باتت محدودة ومكلفة، لأن الطالب الذي لا يتمكن من الحصول على سكن جامعي يجد نفسه أمام خيار الكراء الخاص بأسعار مرتفعة، أو يضطر إلى التنقل يوميًا لمسافات طويلة، وفي بعض الحالات قد ينتهي به الأمر إلى التفكير في تغيير المؤسسة الجامعية أو حتى الانقطاع عن الدراسة.
محمد أولاد محمد (أمين عام الاتحاد العام لطلبة تونس) لـ"الترا تونس": آلاف الطلبة وجدوا أنفسهم اليوم أمام أزمة سكن حقيقية، والأرقام تؤكد أن طاقة استيعاب المبيتات الجامعية لا تواكب الحاجيات المتزايدة للطلبة
يضيف قائلًا: أعتبر أن "ما يسمى بـ"إسعاف السكن"، حلًا استثنائيًا وليس بديلًا دائمًا عن سياسة سكن جامعي عمومية تستجيب لحاجيات آلاف الطلبة، ونحن لا نريد أن يتحول الطالب إلى طالب نجدة كل سنة؛ نريد دولة تخطط للسكن الجامعي قبل بداية السنة الجامعية ولا بدّ أن يكون السكن الجامعي حقًا لا امتيازًا.
وأكد في السياق ذاته، أنّ غلاء أسعار الإيجارات أثر بشكل لافت على الطلبة خصوصًا على أبناء العائلات محدودة ومتوسطة الدخل، موضحًا أن الطالب الذي لا يجد مكانًا في المبيت لا يدفع فقط معلوم الكراء، بل يدفع أيضًا معلوم الكهرباء والماء والنقل والأكل ومصاريف أخرى، وهي أعباء إضافية تثقل كاهل الطلبة.
اقرأ/ي أيضًا: السكن الجامعي في تونس.. سوء الخدمات وغلاء الأسعار
وأكد، أن كلفة السكن المرتفعة قد تصبح سببًا في التخلي عن الدراسة وأن الطالب يجب ألا يجد نفسه مخيّرًا بين الكراء والجامعة، مشيرًا إلى أنهم رصدوا حالات لعدد من الطلبة الذين أكدوا أنهم غير قادرين على الالتحاق بجامعاتهم إذا لم يحصلوا على سكن وأنهم قد يضطرون إلى العودة إلى منازل عائلاتهم.
ويرى محمد أولاد محمد في السياق ذاته، أنّ كل طالب يغادر الجامعة بسبب عدم قدرته على توفير سقف يحميه هو فشل جماعي في حماية الحق في التعليم، وأن الاتحاد العام لطلبة تونس لن يقبل أن يكون الوضع الاجتماعي للطالب هو الذي يحدد قدرته على مواصلة دراسته.
مدير الخدمات الجامعية بديوان الخدمات الجامعية للشمال: تم تعزيز المبيتات الجامعية الراجعة بالنظر للديوان هذه السنة بـ1500 سرير إضافي لتبلغ طاقة الاستيعاب الجملية أكثر من 29 ألف سرير منها حوالي 4 آلاف سرير في إطار السكن الاستثنائي
وأوضح أنّ الاتحاد العام لطلبة تونس يطالب بالتعامل مع هذه السنة الجامعية بمنطق الاستنفار، خصوصًا بالنسبة إلى الطلبة الذين لم يحصلوا على سكن والحرص على الترفيع في طاقة الاستيعاب من خلال استغلال كل الفضاءات القابلة للتهيئة والتسريع في مشاريع المبيتات الجديدة، وتفعيل حلول انتقالية عاجلة بالتنسيق مع السلطات الجهوية والمحلية والقطاع الخاص، مع إعطاء الأولوية للطلبة القادمين من الجهات الداخلية وللعائلات محدودة الدخل.
ويرى محدث "الترا تونس"، أنّ الحل الحقيقي لا يمكن أن يكون ظرفيًا، وأن تونس اليوم تحتاج إلى مدن جامعية جديدة تجمع السكن والخدمات الجامعية والنقل والفضاءات الرياضية والثقافية، وتكون جزءًا من التخطيط العمراني للمدن.
شكري العكرمي: تعزيز المبيتات الجامعية في الشمال
ووفق مدير الخدمات الجامعية بديوان الخدمات الجامعية للشمال، شكري العكرمي، فقد تم تعزيز المبيتات الجامعية الراجعة بالنظر للديوان هذه السنة بـ1500 سرير إضافي لتبلغ طاقة الاستيعاب الجملية أكثر من 29 ألف سرير منها حوالي 4 آلاف سرير في إطار السكن الاستثنائي.
وأكد في تصريح للإذاعة التونسية، أن ديوان الخدمات الجامعية للشمال يستأثر بـ50% من الطلبة في كامل أنحاء الجمهورية، مضيفًا أن ما بين 125 ألفًا و130 ألف طالب يتمتعون بالخدمات التي يوفرها الديوان.
وأشار إلى أنه تم تهيئة الحي الجامعي برأس الطابية وتعزيزه بـ500 سرير إضافي لتصبح طاقة استيعابه الجملية 2400 سرير، إضافة إلى إحداث الحي الجامعي الجديد "حنبعل" بسيدي ثابت المخصص بالكامل لطالبات المعهد العالي للبيوتكنولوجيا بسيدي ثابت، مشيرًا إلى أن طاقة استيعابه في حدود الـ300 سرير.
كما أوضح في السياق ذاته، أنّ المبيتات الخاصة تخضع لكراس شروط حيث لا يجب أن يتجاوز عدد الأسرة في الغرفة الواحدة الثلاثة أسرة وهو معمول به كذلك في المبيتات العمومية.
الكلمات المفتاحية
ما بعد الرماد.. قصص عائلات منكوبة وحياة معلقة على أطراف الجبال المحترقة
بسبب الحرائق التي نشبت في عدّة مناطق في تونس صائفة هذا العام تغيّر المشهد وتغيرت معها الحركة في تلك المناطق المحترقة، وبات السكان هناك يتحدّثون عما بعد الرماد
فاجعة اغتصاب قاصر بالملاسين.. صدمة واسعة في تونس ودعوات لمحاسبة المعتدين
خلّفت حادثة احتجاز قاصر واغتصابها في جهة الملاسين بضواحي العاصمة، وفق المعطيات الأولية، صدمة كبيرة في الشارع التونسي، ودعت عدة جهات حقوقية ومدنية إلى تطبيق القانون ومحاسبة المعتدين
أولياء يحتجون من أجل تشغيل أبنائهم.. حين يحمل الآباء مطالب جيل عاطل
الكاتب العام الجهوي لاتحاد أصحاب الشهادات المعطلين وسيم جدي لـ"الترا تونس": آمال المعطلين عن العمل معلّقة على القانون عدد 18
طقس تونس.. سحب كثيفة مع أمطار وانخفاض في درجات الحرارة
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تشهد انخفاضًا نسبيًا، وتصل أقصاها إلى 31 درجة بأقصى الجنوب
معهد الرصد الجوي يكشف الولايات المعنيّة بنزول أمطار غزيرة يوم الجمعة
معهد الرصد الجوي: يتواصل نزول أمطار متفرقة ومؤقتًا رعدية يوم الغد السبت 10 أكتوبر 2026 بالمناطق الساحلية الشمالية
الإمارات تفرض البطاقة عدد 3 على التونسيين الراغبين في العمل بها
بالنسبة إلى المواطنين التونسيين الموجودين بدولة الإمارات بتأشيرات زيارة، الذين تحصلوا على فرص عمل ويرغبون في تسوية وضعياتهم القانونية واستكمال إجراءات الحصول على تأشيرات عمل، أفادت القنصلية بأنهم يتمتعون بمهلة قدرها 45 يومًا من تاريخ دخول القرار حيز التنفيذ.
طقس تونس.. الحرارة في انخفاض ملحوظ مع أمطار غزيرة بعدد من الجهات
معهد الرصد الجوي: الريح تكون قوية نسبيًا فتدريجيًا قوية قرب السواحل الشرقية وبالجنوب حيث تثير محليًا الرمال والأتربة وضعيفة فمعتدلة ببقية الجهات