ترفيع في تعريفات النقل العمومي في تونس.. استياء وريبة

ترفيع في تعريفات النقل العمومي في تونس.. استياء وريبة

انطلق العمل بالتعريفات الجديدة للنقل العمومي بداية شهر جوان 2021 (فتحي بلعيد/ أ ف ب)

 

تشير الساعة إلى السابعة صباحًا هنا في محطة المترو بالحبيب ثامر، تلقي نعيمة بظهرها على العمود الإسمنتي وعنقها مشرئبة نحو باب المحطة تنتظر المترو الذي سيقلّها إلى محطتها الأخيرة نحو مقر عملها بمدينة أريانة.

بدت المحطة مكتظة كعادتها بالمسافرين الذين يبدؤون وينهون رحلتهم بين مقرات أعمالهم ومنازلهم بين الانتظار والتدافع نحو العربات والحافلات نزولًا وصعودًا. ترتسم على الوجوه علامات الامتعاض من طول الانتظار الذي فاق نصف الساعة، ويبدي البعض شكوى مسموعة من سوء الخدمات في هذا القطاع الحيوي الذي يعتبرونه شريان حياتهم اليومية بعد مغادرة مترو مكتظّ بالركاب لا يتسع حتى ليد أو لساق أخرى، وتهكمًا من زيادات وزارة النقل التي تعتبرها تعديلًا في التعريفة. 

وزارة النقل اعتبرت الزيادات الأخيرة في تعريفة النقل نتيجة حتمية للظروف المالية واللوجستية للشركة حتى تتمكن من توفير مداخيل مادية لتحسين برامجها الاستثمارية

وزارة النقل اعتبرت الإجراء نتيجة حتمية للظروف المالية واللوجستية للشركة حتى تتمكن من توفير مداخيل مادية لتحسين برامجها الاستثمارية، لكن مواطنين وفاعلين سياسيين رفضوا الخطوة التي وصفوها بالاعتباطية، واعتبروا أنها لا تستجيب للوضع الاقتصادي المتردي الذي تنعكس آثاره على المواطن وتزيد من عجزه من جهة، كما أنها لا تستقيم في ظل تردّي الخدمات المقدمة من جهة أخرى.  

  • زيادات نتيجة للصعوبات الاقتصادية للشركة

انطلق العمل بالتعريفة الجديدة للنقل العمومي بداية شهر جوان/ يونيو الحالي، شملت 10 تذاكر تم اختزالها في ثلاث تعريفات فقط تتراوح بين 500 و1500 مليمًا.

أفاد مدير الإعلام والاتصال في شركة نقل تونس محمد الشملي في تصريح لـ"الترا تونس" أن التعديل شمل مختلف سندات النقل بما في ذلك الاشتراكات الأسبوعية والسنوية وغيرها، وأن الأقسام العشرة لتعريفة التذاكر هي فقط مثال بالنظر لأنها الأكثر تداولًا. ولم يفصح عن نسب التذاكر حسب كل قسم، ولا المعيار المحدد لمبلغ التعديل.


تعريفات النقل الجديدة (شركة نقل تونس)

وأوضح الشملي أن وزارة النقل قررت هذا التعديل في إطار دراسات شملت شركات النقل البري، في إطار مقترحات لعدة سيناريوهات مرتبطة بتكلفة الإنتاج وبالمسافات المقطوعة وبميزانية معينة، مذكّرًا بأن زيادة التعريفة تمت مرة واحدة سنة 2010 منذ تعديلها في سنة 2003. 

وقال الشملي إن الأمر لا يتعلق بتغطية أعباء الإنتاج المرتفعة، على حد قوله، وإنما مرتبطة بالصعوبات المالية التي تمر بها الشركة المرتبطة بالوضع العام في الدولة. كما نفى أن يكون ذلك جزءًا من توجه عام لرفع الدعم عن الأسعار، مشيرًا إلى أن مساهمة الدولة في دعم النقل الحضري للمسافرين تبلغ 80%.  

وأشار محدّثنا إلى لأن تفهّم المسافرين لهذا الإجراء التعديلي يساهم في استمرارية هذا المرافق وتأمين الخدمات لطالبيها، قائلًا إن برامج الشركة ليست مرتبطة بعائدات التعديل وإنما ببرامج عمل منفصلة.

مدير الإعلام والاتصال في شركة نقل تونس لـ"الترا تونس": الزيادات مرتبطة بالصعوبات المالية التي تمر بها الشركة ومساهمة الدولة في دعم النقل الحضري للمسافرين تبلغ 80%

 وفي سياق متّصل، أضاف أن منظومة الاستخلاص التي انطلق العمل عليها سنة 2010 تعطلت بسبب الإرباك الذي حصل سنة 2011 وإشكاليات البنية التحتية في المحطات وبوابات النفاذ الآلية، مؤكدًا أن الشركة بصدد فض الإشكاليات الحاصلة بالخصوص. وكشف محدثنا عن مشاريع لاقتناء 740 حافلة خلال الفترة من 2022 إلى 2025، زيادة على أعمال الصيانة للأسطول في إطار السعي للاستجابة إلى الطلبات على خدمات النقل.   

وقد أفرزت النتيجة المحاسبية للشركة عجزًا بما قدره 167.3 م د سنة 2017 مقابل 144.7 م د سنة 2016 بارتفاع الخسائر بما قدره 22.6 م د، حسب ما ورد في آخر تقرير نشاط لشركة نقل تونس صدر سنة 2017.  

وبلغ عدد المسافرين خالصي الأجر دون التلاميذ والطلبة 122.6 مليون مسافر فيما بلغت مداخيل التذاكر وسندات الاستظهار 705.1 ألف دينار. أما الأسطول، فقد بلغ عدد الحافلات المستغلة على سبيل المثال 1263 سنة 2017 بمعدل عمر يناهز 10 سنوات.


مداخيل التذاكر وسندات الاستظهار (تقرير نشاط لشركة نقل تونس صدر سنة 2017)

وكان وزير النقل معز شقشوق أعلن في تصريحات إعلامية أن عملية مراجعة التعريفة تأتي في إطار استراتيجية تجمع بين الأقسام لتسهيل احتساب التعريفات وتفسيرها للمواطن. 

  • إجراء مسقط واعتباطي

"زيادات غير مدروسة تثقل كاهل المواطن مقابل خدمات في تراجع كبير وانتهازية مفرطة من مسؤولين فاشلين"، "آخر زيادة في النقل العمومي مشطّة للغاية وليست مقنعة"، "أين هي الخدمات كي يرفعوا في أسعارها؟" هذه التعليقات وغيرها الكثير على منصات التواصل وداخل الشارع التونسي عن قرار ما تسميه وزارة النقل والشركات الراجعة لها بالنظر تعديلًا في التعريفة. حتى إن تذاكر السفر بين المدن وفي الجهات غزت مواقع التواصل الاجتماعي في حملة تنديد بالزيادة التي فاقت 2000 مليمًا في خط نابل وسليانة مثلًا و5 دنانير كاملة بين سوسة وبنقردان.  

وصف عاطف الذي يستقل الحافلة بين مقر إقامته بالكريب ومقر ولاية سليانة الزيادة بمثابة التحيل والضربة القوية لمحدودي الدخل، يقول إنها زيادة مشطة خاصة مقابل خدمات تفتقر إلى الجودة سواءً فيما يتعلق بانتظام السفرات أو ملاءمتها للتوقيت الإداري، أو حتى جودة الأسطول، وفق تقديره. 


اكتظاظ يشهده المترو بمحطة الحبيب ثامر (رجاء غرسة/ الترا تونس)

وجاء في بلاغ لمرصد رقابة بالخصوص "أن هذا التغيير لا ينبع من حاجة شركات النقل ولا ينسجم مع واقعها". وأوضح المكلف بالإعلام والاتصال في المرصد إسماعيل دبارة لـ"الترا تونس" أنه "ليس لمرصد رقابة أيّ إشكال مع مراجعة تعريفة النقل، بل نعتقد أن هذا الأمر كان يجب أن يحصل منذ سنوات كثيرة. لكن المشكل هو أن هذه المراجعة ليست منسجمة بتاتًا مع حاجة الشركات ووضعها اليوم".

اقرأ/ي أيضًا: مرصد رقابة: تعريفة النقل الجديدة تخدم فقط مصلحة مزوّد خاص وأصحاب المصالح

وأضاف أن تحفظات المرصد تتعلق بعدم استشارة شركات النقل الجهوية، والاقتصار على طلب عرض التغيير التعريفي على مجالس الإدارة للحصول على موافقتها، دون أن يحظى التغيير بدراسات مستفيضة، وهذا التغيير يتمثل في توحيد التعريفات وحصرها في ثلاث تعريفات. 

وكان المرصد لفت في بلاغ صدر له بالخصوص أن "السبب في توحيد التعريفات والاكتفاء بثلاث عوض الاعتماد على تعريفات متعددة دقيقة بين المحطات حسب المسافات، يعود إلى أن منظومة الاستخلاص للمزود الأجنبي لا تحتمل سوى عدد قليل من التعريفات لأنها معدة في الأصل للمدن الأوروبية التي يتم تقسيمها إلى مناطق تعريفية محددة عدديًا وتوجد فيها وسائل نقل متعددة في كل منطقة يتم التنقل بينها بنفس التذكرة".

يؤكد دبارة لـ"الترا تونس" أنه تم إسقاط نموذج جاهز لا يأخذ بعين الاعتبار أولويات النقل في تونس ومشاكله بل يستنسخ تجارب قد تكون ناجحة في ظروف أخرى لا في السياق التونسي".

المكلف بالإعلام والاتصال في مرصد رقابة لـ"الترا تونس": تحفظات المرصد تتعلق بعدم استشارة شركات النقل الجهوية، والاقتصار على طلب عرض التغيير التعريفي على مجالس الإدارة للحصول على موافقتها

ودعا وزارة النقل لتحمل مسؤوليتها في خصوص كل من تسبّب في فشل مشروع منظومة الاستخلاص وإبعادهم نهائيًا عن المشاريع العمومية والكف عن تقديم خدمات لهم، كما جدّد الدعوة إلى الشركات الجهوية لتحمل مسؤوليتها وإنجاز دراساتها الخاصة بخصوص منظومة التسعير والاستخلاص وعدم القبول بأي قرارات نابعة عن مصالح وحسابات خاصة في المستوى المركزي. 

وقال محدّثنا إن مرصد رقابة "يتابع مشروع منظومة الاستخلاص منذ فترة طويلة ويعرف كل إخلالات ومشاكل منظومة التعريفات والاستخلاص في مختلف الشركات الجهوية وهو يعمل الآن على تقييمها وسينشرها قريبًا للعموم.

كما أوضح أن التغيير التعريفي المفروض هو جزء من مشروع منظومة الاستخلاص بشركة النقل بتونس الذي انطلق في 2010 لمدة ثلاث سنوات ومازال لم ينته إلى حد اليوم وفشل فشلًا ذريعًا وكبّد تونس 40 مليون دينار لحدّ الآن.


محطة مترو الحبيب ثامر (رجاء غرسة/ الترا تونس)

  • تنديد واستياء

وندّدت أحزاب سياسية في تونس من جانبها بما اعتبرته قرارًا أحاديًا للزيادة في تعريفة النقل وزيادة في أسعار بعض المواد، واعتبرها التيار الديمقراطي مثلًا "توجّهًا معلنًا وصريحًا نحو استهداف وعقاب جماعي للكادحين والعاطلين عن العمل". في حين وصفت حركة الشعب الزيادة بالـ"العدوانية" و قالت إنها بمثابة "إعلان حرب على أوسع شريحة من المواطنين لصالح نفس الفئة المتمعّشة من الأزمات". أما اتحاد الشغل فاعتبر سلسلة الزيادات خطوة استفزازية وتنفيذًا لما التزمت به انفراديًا من برامج أمام صندوق النقد الدولي. 

الباحث المختص في الاقتصاد آرام بلحاج لـ"الترا تونس": هذه القرارات لا تستند إلى استراتيجية واضحة وخطة اتصالية دقيقة وهي تضرب مصداقية الحكومة وتزيد من أزمة الثقة لدى الشعب ولدى الشركاء الاجتماعيين

وفي هذا السياق، قال الأستاذ الجامعي والباحث المختص في الاقتصاد آرام بلحاج في تصريح لـ"الترا تونس" إن ما أقدمت عليه الحكومة من زيادة في الأسعار فيه الكثير من المخاطرة وهي ليست إلا رسالة طمأنة لصندوق النقد الدولي وترضية للمؤسسات المالية الدولية على حساب المواطن التونسي وخاصة الطبقة المتوسطة والضعيفة. 

وأضاف محدّثنا أن هذه القرارات التي وصفها بالاعتباطية الخطيرة والتي لا تستند إلى استراتيجية واضحة وخطة اتصالية دقيقة، تضرب مصداقية الحكومة وتزيد من أزمة الثقة لدى الشعب ولدى الشركاء الاجتماعيين وسيكون لها تبعات وتحركات اجتماعية. 

وتساءل بلحاج إن كانت مثل هذه الزيادات مرفوقة بحلول للإصلاح سواءً فيما يخّص قطاع السكّر أو النقل. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

حوار| آرام بلحاج: تعهدات تونس مع صندوق النقد قد تؤدي إلى انفجار اجتماعي 

معز شقشوق: كان لدينا 26 باخرة منذ 20 سنة.. اليوم أسطولنا يضم 8 فقط