تحت ظلال القباب التونسية.. حكاية هندسة تقاوم النسيان
12 يوليو 2026
كلّما توغلت في أزقة المدن العتيقة، من العاصمة إلى سوسة والقيروان وحتى صفاقس، وصولًا إلى حارات جربة المشرقة بالبياض، تلفت انتباهك تلك الانحناءات الرشيقة التي تعلو الأسطح. فالقباب التونسية ليست مُجرّد زينة هندسية، بل هي رئة المنزل القديم وسر برودته وسط هجير الصيف.
تبدو القُبّة من الخارج كجرم سماوي مصغّر استقر فوق أسطح البيوت العتيقة، مطلية كالعادة بالجير الأبيض ليعكس أشعة الشمس الحارقة. أما من الداخل، فالأمر أشبه بدخول عالم آخر، فضاء فسيح يتنفس بحرية.
تعتمد القبة التونسية خاصة التقليدية منها على نوع معين من الطوب أو الآجر الصغير، ليسمح الفراغ الداخلي للهواء الساخن بالصعود إلى أعلى ليرتفع ويخرج من فتحات صغيرة مخصصة تُسمى القمريات، بينما يبقى الهواء البارد في الأسفل، مما يخفض حرارة المنزل بنحو 5 إلى 8 درجات مئوية مقارنة بالخارج، دون الحاجة لأيّ مكيف حديث. تلك التقنية كانت تستخدم خصوصًا في أسقف قاعات الجلوس وبيوت النوم قديمًا لضمان برودة المسكن.
وجمالية السكون تمنح القبة هدوءًا صوتيًا عجيبًا بفضل تشتيتها للموجات الصوتية، بينما تتسلل خيوط الشمس من نوافذها الصغيرة لترسم لوحة متغيرة من الضوء والظل على الجدران العتيقة طوال اليوم.
يبني الحرفي التونسي، القُبّة غالبًا دون مخططات ورقية أو قوالب خشبية معقدة، لكنّ أيّ خطأ صغير قد يؤدي إلى انهيار الهيكل بأكمله قبل اكتماله، أو اعوجاج القبة
وبناء القبة ليس مُجرّد رصّ للحجارة أو الآجر، بل هو طقس هندسي يتطلب مهارة بالغة. فالحرفي التونسي، أو ما يُعرف بـ"المعلم"، يبني القُبّة غالبًا دون مخططات ورقية أو قوالب خشبية معقدة. يعتمد فقط على الميزان وخيط رفيع، وخبرته.
"تبدأ العملية من المثمن أو المربع أي قاعدة القبة، حيث يتعين على الحرفي تحويل الزوايا القائمة إلى انحناء دائري تدريجي مستمر. كل آجرة توضع بزاوية ميلان دقيقة جدًا نحو الداخل، وتُثبت بخلطة تقليدية سريعة التماسك أي تعتمد على الجير والجبس التقليدي. الخطأ في مليمتر واحد قد يؤدي إلى انهيار الهيكل بأكمله قبل اكتماله، أو اعوجاج القبة". وفق ما يشير إليه حازم أحد مُتقني بناء هذا النوع من المعمار.
يجلس على سقالة خشبية معلقة بين الأرض والسماء، يلفّه غبار ناعم يتطاير في حزم الضوء النافذة من الفتحات الجانبية. بين أصابعه حكاية أخرى، لا يحتاج إلى ميزان ماء أو أدوات قياس حديثة ليعرف استقامة القوس، فعينه هي ميزانه، وحسه الهندسي يسري في دمه كإرث متوارث. تراه يرتدي ملابس عمل بسيطة تشربت لون التراب، ويعتمر شاشًا يلتف حول رأسه ليحميه من شمس النهار. يبدأ من القاعدة الدائرية، ويرتفع صفًا بعد صف، مائلًا بالبناء نحو الداخل بتدرج دقيق جدًا. كل حجر يضعه يبدو للناظر وكأنّه سيسقط بفعل الجاذبية، لكن "المعلّم" يعرف سرّ التوازن، يدرك أن كل قطعة تسند الأخرى وتتحمل معها العبء.
اقرأ/ي أيضًا: المقر القديم لبورصة الشغل.. جاذبية المعمار الروسي واختزان لذاكرة تونس النقابية
وعندما يقترب من المركز، تضيق الدائرة في تلك اللحظة الأخيرة، حيث لم يتبقَ سوى فجوة صغيرة في قمة السماء المصغرة، يتأمل عمله بنظرة فخر صامتة. يختار الحجر الأخير الذي يسميه حجر العقد أو المفتاح ينحته بعناية فائقة ليكون الخاتمة المسك. يضعه في مكانه بحزم وهدوء، يطرق عليه طرقة أخيرة يعلن بها اكتمال الدائرة وثبات القبة.
حازم (حرفي يتقن بناء القباب) لـ"الترا تونس": تعلّمتُ عن والدي هذا النوع من المعمار الذي قدم مع الأندلسيين بالأساس.. لكن عدد الحرفيين الذين يتقنون البناء التقليدي للقباب يتناقص بشكل كبير
يقول الشاب حازم إنّه "تعلّم حرفة البناء عن والده. ومنذ تسع سنوات يتقن هذا النوع من المعمار الذي قدم مع الأندلسيين بالأساس". مضيفًا أنّه "يعمل في عدّة جهات ولكن أكثر المناطق التي عمل فيها هي مدن وجهات في ولاية نابل على غرار الحمامات والمرازقة وفي عدّة مناطق في جربة التي تتميّز بتلك القباب. وبات يمزج حتى بين البناء العربي القديم والمعمار الحديث".
ويؤكد حازم أنّ "تلك القباب مازالت تبنى في بعض المنازل تحديدًا في غرف النوم وبيوت الاستقبال والضيافة وحتى في الممرات الخارجية لبعض الفيلات الحديثة".
قباب قصور البايات والأعيان
وفي عقود مضت، كانت هذه التقنية هي المقياس الأسمى للوجاهة وسلطان العمارة، فامتلكت مكانة الصدارة في تشييد القصور الفاخرة وإقامات البايات والأعيان. فأغلب أسقف قاعات الجلوس وغرف النوم كانت على شكل قباب. ولم تكن القبة فوق مجالس السلاطين والباشوات مجرد سقف يقيهم الحرّ والمطر، بل كانت بنيانًا يُترجم عمق النفوذ والرفعة، حيث يتبارى الملوك في استقطاب أمهر المعلّمين ليتحدوا الفراغ في القاعات الفسيحة، صانعين سماوات داخلية شاهقة تزدان بنقوش الجص أو الخشب المنحوت، وتتلاعب في أرجائها خيوط الشمس عبر النوافذ العلوية المحفورة. فكانت القبة حينها رمزًا للرفاهية المطلقة والتمكن الهندسي، وشاهدًا يعكس كيف يمكن للطين والآجرّ البسيطين، تحت يد الحرفي المبدع، أن يتشكلا في حيز يعج بالفخامة والأبهة التي تليق بعلية القوم.
اقرأ/ي أيضًا: "قباب الهوى".. أرخبيل الحب والمتع عند بايات تونس
حرفة على شفا الاندثار
وتتميز صناعة القباب التقليدية بخصائص بيئية وحرارية مذهلة تعجز عنها العمارة الحديثة، فهي تتنفس، وتمتص الرطوبة، وتكيف الهواء طبيعيًا. ورغم القيمة الجمالية والبيئية للقباب، فإنّ هذا الفن المعماري يُواجه اليوم خطر الاندثار. فعدد الحرفيين الذين يتقنون البناء التقليدي للقباب يتناقص بشكل كبير، تاركًا الساحة للبناء الإسمنتي الحديث المسطح والأقل كلفة، بسبب عزوف الشباب اليوم عن تعلم هذه الحرفة الشاقة التي تتطلب سنوات من الصبر والملاحظة. إضافة إلى طغيان قوالب الخرسانة المسلحة والتصاميم الجاهزة على حساب البناء التقليدي، واقتصر الطلب على القباب في المساجد أو بعض الفلل الفاخرة التي تبحث عن مسحة فولكلورية، بدلاً من كونها أسلوب حياة وعمارة مستدامة.
عبد الرحمان الكافي (أحد أقدم "معلمي" البناء التقليدي وتحديدًا القباب): أخشى أن تصبح القبة مجرد صورة في كتب التاريخ. فتراجع عدد القادرين على تشييد القباب التقليدية يعود أيضًا إلى غياب مدارس تكوين مهني متخصصة
وفي هذا السياق، يقول عبد الرحمان الكافي أحد أقدم "معلمي" البناء التقليدي وتحديدًا القباب، إنّ "بناء القبة كان يتطلب صبرًا وجهدًا كبيرًا فبناء القبة يستغرق عدّة أيام أحيانًا حسب حجمها. ولكن الشباب لا يريدون تعلم الحرفة لأنها تتطلب سنوات من الشقاء لكي تُصقل العين واليد". مضيفًا: "أخشى أن تصبح القبة مجرد صورة في كتب التاريخ. فتراجع عدد القادرين على تشييد القباب التقليدية يعود أيضًا إلى غياب مدارس تكوين مهني متخصصة في العمارة التقليدية. فالقبة ليست مجرد ديكور، هي حل بيئي مستدام لمشاكل الطاقة الحالية. نحن لا نفقد حرفة فقط، بل نفقد حلولًا ذكية صمدت لمئات السنين أمام التغيرات المناخية، لا سيما وأنّ المعمار القديم كان يعتمد على عدّة تقنيات تقليدية وأساليب تخلق الدفء في البيوت شتاءً والتبريد في الصيف".
ومع تراجع حضور هذه العمارة في الفضاءات اليومية، انحسرت تلك التقنية العريقة وتقوقعت داخل أسوار القداسة، لتصبح حصرًا على بناء المساجد ودور العبادة. فبعد أن كانت القبة تاجًا يزين بيوت العامة، والمقاهي العتيقة، والأسواق، والحمامات التقليدية لفوائدها المناخية والجمالية، جرفتها موجة الإسمنت، لتتحول في الوجدان المعاصر من أسلوب حياة وعمارة مستدامة إلى رمز ديني خالص. فاليوم لم يعد صدى طرَقات "المعلّم" ونحته للحجر يُسمع إلا في ورشات بناء المآذن والجوامع، حيث يُستدعى هذا الفن التقليدي ليس كحاجة إنشائية، بل كلفتة بصرية وهوية روحية تربط دور العبادة بجذورها التاريخية، مما جعل من المسجد الملاذ الأخير والوحيد الذي يقاوم فيه هذا الحرفي المبدع شبح البطالة، ويمنع اندثار مهنته خلف غبار النسيان.
حرفي بناء تقليدي لـ"الترا تونس": القبة ليست مجرد ديكور، هي حل بيئي مستدام لمشاكل الطاقة الحالية. نحن لا نفقد حرفة فقط، بل نفقد حلولًا ذكية صمدت لمئات السنين أمام التغيرات المناخية
ولكن تبقى القباب التونسية، الشامخة فوق أسطح البيوت والقديمة، شواهد حية على عبقرية معمارية جمعت بين الجمال والحاجة. ومع كل معلّم يرحل عن هذه الدنيا وتنطوي معه أسرار مهنته، تخسر الهوية التونسية جزءًا من ملامحها. وإنقاذ هذه الحرفة لم يعد ترفًا جماليًا، بل هو ضرورة للحفاظ على روح المدن التونسية التي طالما تميزت بقبابها.
ويؤكد حازم أنّه يطمح إلى تأسيس مؤسسة خاصة بفنّ المعمار التقليدي العربي وتعليم تلك الحرفة أي حرفة بناء القباب إلى عدّة حرفيين للحفاظ على هذا الطابع المعماري الذي كان يميّز أغلب الحارات والمدن في تونس.
الكلمات المفتاحية
بالصور.. تعرّف على منارات تونس وتاريخها
هذه المنارات التونسية، بني 16 منها زمن الاستعمار الفرنسي لتونس وذلك بداية من سنة 1888، وقد ذهبت فرنسا إلى إنشاء هذا العدد من المنارات بعد أن تعددت مصالحها في تونس.. تعرّف عليها
بالصور.. شواطئ مخفيّة لا يعرفها كثير من التونسيين
بحر تونس الزاخر بالأسرار والحكايات والحافظ للقصص والمانح للجمال. هل نعرف مكامنه؟ هل وقفنا على قصصه الإنسانية، هل أنصتنا إلى أمواجه المالحة من دموع المودعين؟ هل زرنا القصيّ منه؟ هل تأملنا انسكاب الغروب على أديمه مساء؟
كيف خطّط التونسيون لمتابعة "المباريات الفجريّة" للمنتخب التونسي في مونديال 2026؟
مونديال كرة القدم 2026 الذي يدور في الولايات المتحّدة والمكسيك وكندا، أحدث اضطرابًا فائقًا في الأنظمة الزمنيّة المذكورة فأوقع المولعين بكرة القدم في حرج وأقضّ مضاجعهم حقيقة لا مجازًا، حالة من الاضطراب والحيرة بسبب التوقيت غير المألوف
"أنا يقظ": وعود سعيّد المتعلّقة باستقلالية القضاء تم تنفيذها في اتجاه معاكس
أعلنت منظمة أنا يقظ في منشور أن "استقلالية الوظيفة القضائية..
المجلس المحلي بكسرى يعلّق نشاطه إلى فترة غير محدّدة
المجلس المحلي بكسرى من ولاية سليانة: تمّ بتاريخ 15 جويلية المنقضي، إعلام السلط المحلية والجهوية بإمكانية تعليق نشاط المجلس في حال عدم الاستجابة للمطالب الواردة في محضر جلسة
لوّحت بالتصعيد.. منظمة: أهالي المهدية يعيشون تدهورًا متواصلًا في عديد القطاعات
أعلنت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان أن أهالي ولاية المهدية يعيشون منذ سنوات على..
مسابقة اختيار "ملكة جمال قليبية" تشعل الجدل في تونس.. ما القصة؟
شددت وزارة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن على ضرورة الامتناع عن..