تثبيت حكم قضية التآمر في تونس.. هل من جديد؟
8 سبتمبر 2026
مقال رأي
أصدرت محكمة التعقيب قرارها بتاريخ 3 سبتمبر/أيلول 2026 برفض الطعون في قضية ما يُعرف بـ"التآمر على أمن الدولة" وبالتبعية تثبيت أحكام محكمة الاستئناف، ليُغلق بالتالي المسار القضائي لواحدة من أكبر المحاكمات السياسية ليس فقط بعد 25 جويلية/يوليو 2021 بل في التاريخ المعاصر البلاد وذلك لجهة عدد المحكومين الذي يبلغ أربعين متهمًا وتنوّع خلفياتهم السياسية والأديولوجية وطبيعة نشاطهم في المجال العام، وأيضًا بالنظر لثقل الأحكام السجنية، وكذلك للدور السياسي المباشر الذي تبيّن في مناسبات عديدة بوجه مكشوف. فقضية "التآمر" بالنهاية هي تنزيل للخطاب الرئاسي القائم على اتهام المعارضين بالخيانة والعمالة.
لم يكن يُنتظر أن تصحّح محكمة التعقيب وهي أعلى درجات المحاكم الأمور لجهة الخروقات والانتهاكات التي طبعت الملف منذ إثارته في فيفري/شباط 2023، وذلك ما دام يوجد تقدير جامع أن القرار ليس قضائيًا بل هو سياسي، فإن انعدم القرار السياسي فلا يُعوّل أن تؤدي محكمة القانون المهمّة.
وهنا، ولجهة غياب شروط المحاكمة العادلة وفي مقدمتها استقلال القضاء، لا يجب أن ننسى دائمًا أن القضاة العدليين في تونس يؤدون مهامهم منذ ثلاث سنوات في غياب مجلس أعلى للقضاء بما جعل وزارة العدل بما هي سلطة سياسية تدير المسارات المهنية للقضاء تعيينًا ونقلة وإبعادًا، وهو ما يعني نسف أبسط مقوّم لقدرة القضاة على أداء مهامهم باستقلالية عن السلطة السياسية التي دخلت للمحاكم من الأبواب العريضة دون حاجة حتى لمنافذ سرية. بوجه مكشوف، دخلت السياسة لقصور العدالة باسم "تطهير القضاء" والغاية تجيير القضاء لخدمة أهداف السلطة السياسية.
من المنتظر أن يؤدي إنهاء إمكانية الاتصال المباشر بالمحامين، وهو ما كان متاحًا بصورة يومية نظريًا رغم التضييقات المطردة ومنها حصر زيارات المحامين دون أساس قانوني، إلى مضاعفة كلفة سلب الحرية. وذلك عبر حصر قناة التواصل مع العالم الخارجي في الزيارة العائلية الأسبوعية
وفي هذا الجانب، كان قد وجّه المعتقل السياسي في قضية "التآمر"، العياشي الهمامي، من سجنه، رسالة إلى رئيس الدائرة التعقيبية ومستشاريها محمًلًا إياهم المسؤولية للحكم بالقانون والعدل وإيقاف المظلمة، مبيّنًا بالخصوص أن تغييب ضمانات استقلالية القضاء لا تعفي القضاة من واجب الدفاع عن استقلاليتهم والحكم طبق ضمائرهم، بل إنّ مسؤوليتهم تتكثّف في هكذا صورة. ولكن بالنهاية، من الواضح أن رسالته لم يكن لها أثر في آذان من توجّهت إليهم. مرة أخرى، مادامت السلطة السياسية عاقدة العزم للحسم في هذا الملف نحو الإدانة، على نحو ما كان بخطاب رئاسي مباشر قبيْل إثارة الملف وعند أعمال البحث الأولى قبل حتى بدء التحقيق القضائي في فيفري 2023، فإنه لا ينتظر أن تستعيد محكمة القانون دورها في الانتصار للقانون والدفاع عن الحريات. المحكمة التي للتذكير لازالت تعمل لليوم دون رئيس أوّل ودون وكيل للدولة العام أي دون أهم قاضيين في تنظيمها بسبب "حالة الاستثناء" الممتدة داخل القضاء في تونس منذ سنوات.
اقرأ/ي أيضًا: ما مصير المعتقلين في قضية "التآمر 1" بعد إقرار الأحكام ضدّهم؟
قرار رفض التعقيب، في الأثناء، يسدل الستار على مسار التقاضي ولكنه يؤشر على بدء مرحلة جديدة لقضية "التآمر" وهي حصره كملف سياسي في إطار النضال الحقوقي والديمقراطي لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين بعد إغلاق السلطة لمنافذ المسار القضائي. إذ بانتهاء مخاض المحاكمات داخل أروقة المحاكم، تظلّ المعركة السياسية لوحدها على الساحة وهي المعركة الرئيسية منذ البداية. وتصبح بالتالي مصائر المعتقلين ليست مرتبطة بحكم قضائي ولكن بحدث سياسي وهو ما يعزّز طبيعة القضية بوصفها محاكمة سياسية استهدفت سياسيين بإرادة سياسية على نحو أن حلها هو بالضرورة سياسي.
يدخل المعتقلون في قضية التآمر -بانقطاع تواصلهم مع محاميهم- عزلة متزايدة طيلة الفترة المقبلة.. وهذا أهمّ مستجدّ حمله قرار محكمة التعقيب علاوة على حصر القضية في نطاقها السياسي المحض
ولكن قرار محكمة التعقيب يحمل جديدًا من نوع آخر يتعلّق بفرض المزيد من العزلة على المعتقلين، ذلك أنّ صدور حكم بات في القضية وما يعنيه من انتهاء المحاكمات يؤدي بالتبعية إلى عدم قدرة المحامين على زيارتهم كما كان الأمر طيلة ثلاث سنوات ونصف.
إذ من المنتظر أن يؤدي إنهاء إمكانية الاتصال المباشر بالمحامين، وهو ما كان متاحًا بصورة يومية نظريًا رغم التضييقات المطردة ومنها حصر زيارات المحامين دون أساس قانوني، إلى مضاعفة كلفة سلب الحرية. وذلك عبر حصر قناة التواصل مع العالم الخارجي في الزيارة العائلية الأسبوعية التي تمتد لدقائق، في حين أن الزيارات الدورية للمحامين كانت تؤمّن للمعتقلين الحد اللازم من الاتصال بما يجري خارج أسوار السجن بالخصوص نقل الأخبار والمعلومات التي لا يمكن لهم الاطلاع عليها من داخل السجن، فضلًا عن اضطلاع المحامين بمهمة نقل أصوات المعتقلين ومواقفهم إلى الرأي العام من خلال البلاغات والتصريحات التي تصدر عنهم، وذلك علاوة على نقل أخبارهم ومتابعة أوضاع إيقافهم داخل السجن.
بذلك يدخل المعتقلون في قضية التآمر -بانقطاع تواصلهم مع محاميهم- عزلة متزايدة طيلة الفترة المقبلة. وهذا أهمّ مستجدّ حمله قرار محكمة التعقيب علاوة على حصر القضية في نطاقها السياسي المحض، كما هي منذ البداية، بعيدًا عن ردهات المحاكم وعلى التعويل على إنصاف من قضاء هو بذاته بحاجة لمن ينصفه ويرجع إليه الحد الأدنى من استقلاليته.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية
10 ملاحظات حول تنقيح المرسوم 54.. وميض خافت لا يبدّد الظلام
"إن تنقيح المرسوم على محدوديته.. هو إقرار من السلطة السياسية صاحبة المرسوم أي رئيس الجمهورية بخطيئة إصداره بالصيغة الأصلية عام 2022، وما سبّبته من محاكمات وعقوبات سجنية شملت عديد التونسيين"
المرسوم 54 ليس أصل الدّاء
بالعقيدة الزّجريّة ذاتِها، لنظام زين العابدين بن عليّ بادر الرّئيس، قيس سعيّد، في خريف عام 2022، بإصدار المرسوم 54.. وسرعان ما تحوّل هذا النّصّ إلى سيف مسلّط على رقاب كلّ نَفَسٍ نقديٍّ في البلاد
شرف هذا الطفل التونسي السجن من أجل فلسطين
تلفيق التهم بتعلّة الفساد المالي وسوء التصرف في التبرعات، فهذا النوع من التهم قد يصدق في مسائل الشأن العام الداخلي والمحلي، لكنه لا يصلح في التعامل مع موجات التطوع والتبرع بالدم والمال لأجل فلسطين
طقس تونس.. سحب كثيفة مع أمطار وانخفاض في درجات الحرارة
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تشهد انخفاضًا نسبيًا، وتصل أقصاها إلى 31 درجة بأقصى الجنوب
معهد الرصد الجوي يكشف الولايات المعنيّة بنزول أمطار غزيرة يوم الجمعة
معهد الرصد الجوي: يتواصل نزول أمطار متفرقة ومؤقتًا رعدية يوم الغد السبت 10 أكتوبر 2026 بالمناطق الساحلية الشمالية
الإمارات تفرض البطاقة عدد 3 على التونسيين الراغبين في العمل بها
بالنسبة إلى المواطنين التونسيين الموجودين بدولة الإمارات بتأشيرات زيارة، الذين تحصلوا على فرص عمل ويرغبون في تسوية وضعياتهم القانونية واستكمال إجراءات الحصول على تأشيرات عمل، أفادت القنصلية بأنهم يتمتعون بمهلة قدرها 45 يومًا من تاريخ دخول القرار حيز التنفيذ.
طقس تونس.. الحرارة في انخفاض ملحوظ مع أمطار غزيرة بعدد من الجهات
معهد الرصد الجوي: الريح تكون قوية نسبيًا فتدريجيًا قوية قرب السواحل الشرقية وبالجنوب حيث تثير محليًا الرمال والأتربة وضعيفة فمعتدلة ببقية الجهات