ultracheck
رأي

تبرير الفشل بالاستشهاد بالعقود الخوالي لم يعد مجديًا

23 يناير 2026
تبرير الفشل بالاستشهاد بالعقود الخوالي لم يعد مجديًا
"من الواضح أنّ الدّولة التّونسيّة فقدت كلّ مَلَكَات الإبداع والتّصوّر، منذ عقود، للتّقدّم بالبلاد وإلحاقها بجيرانها" (صورة توضيحية/ فتحي بلعيد/ أ ف ب/ Getty)
بسام بونني
بسام بونني صحفي وكاتب تونسي

مقال رأي  

 

رحم الله موتانا وعجّل بشفاء الجرحى وأعاد المفقودين إلى ذويهم وعوّض المنكوبين. مرّت العاصفة "هاري" ثقيلة على تونس لتُحوّل عددًا من ولاياتها إلى مناطق منكوبة، في غضون ساعات. الآن، وقد وضعت الكارثة أوزارها، من الضّروريّ التوقّف لحظة، أمام حجم الدّمار، لنسأل ما تفرضه علينا هذه المحنة من أسئلة، ليس أقلّها: هل نحن مستعدّون لمزيد من المصائب الطّبيعيّة و/أو لمصائب أكثر حدّة؟ قطعًا، لا!

لنتفّق، أوّلًا، على أنّ بلادنا، قُبيل أسابيع قليلة من احتفالها بالّذكرى السّبعين لاستقلالها، لا تتوفّر على مدينة واحدة تنطبق عليها الشّروط الحضريّة الدّنيا لوصف "المدينة". التّعريف الأكثر شُيوعًا للمدينة يتوقّف عند عدد السّكّان والكتلة العمرانيّة والأنشطة الاقتصاديّة والاجتماعيّة الخدماتيّة، وهي مسائل مشكوك أصلًا هشّة في معظم التجمّعات السّكنيّة، سواء كانت كبرى أو متوسّطة أو صغرى. بيد أنّ المدينة، لديمومتها، يجب أن تتوّفر فيها شروط التّوسّع بشكل لا يُحوّلها إلى رقعة جغرافيّة فوضويّة، من جهة، والتّكيّف، مع المتغيّرات، مهما كان شكلها أو طبيعتها، من جهة أخرى.

خطاب الرّئيس، قيس سعيّد، لم يختلف عن أسلافه، إذ حمّل الحكومات السّابقة مسؤوليّة ما حلّ بالمناطق المنكوبة. ولا يعكس هذا التّبرير استمرار تنصّل سلطة الأمر الواقع من المسؤوليّة فحسب، بل تنكّرها لما هو آت

ولا أعتقد أنّنا سنختلف، ثانيًا، على أنّ البنية التّحتية، في بلادنا، هي من الأكثر تخلّفًا، في المنطقة، قياسًا لمؤشّر الأمن والسّلم، إذ يعود معظم معالمها إلى عقود خلت أو أنّها أنشئت على عجل، بمواصفات أكل عليها الدّهر وشرب، ناهيك عن الفساد المستشري في الصّفقات العموميّة المتأصّل في الدّولة، منذ استقلالها، على الأقلّ.

ولننتبه، ثالثًا، إلى حتميّة التّداعيات الوخيمة للتغيّر المناخيّ بشكل بات يُشكّل تهديدًا حقيقيًّا على البلاد التّونسيّة. فموجات الحرارة أصبحت قصوى والأمطار نادرة والجفاف متكرّر. وتُشير وزارة البيئة إلى ارتفاع درجات الحرارة في تونس بمعدّل 1.2 درجة مئويّة خلال العقود الثّلاثة الأخيرة، بينما تراجعت الموارد المائيّة بنسبة 28% مقارنة بثمانينيات القرن الماضي.

وبالرّغم من أنّ المسألة خرجت من دائرة التّخمين أو السّيناريوهات المبالَغ في تشاؤم أصحابها، بانتقالها إلى أرض الواقع كجملةٍ من الأحداث من الّسهل التأكّد من صحّتها، فإنّ خطاب الرّئيس، قيس سعيّد، لم يختلف عن أسلافه، إذ حمّل الحكومات السّابقة مسؤوليّة ما حلّ بالمناطق المنكوبة. ولا يعكس هذا التّبرير استمرار تنصّل سلطة الأمر الواقع من المسؤوليّة فحسب بل تنكّرها لما هو آت، أي أنّ خطاب إلقاء اللّوم على "الآخر" يُشير إلى إسقاط أجهزة الدّولة مجرّد التّفكير في وضع استراتيجيّة إدارة الأزمات واستباق كوارث طبيعيّة أخرى محتمَلة.

اقرأ/ي أيضًا: جمعية: الأمطار الأخيرة عرّت هشاشة البنية التحتية وفضحت قصور سياستنا المناخية

وحذّرت الأمم المتّحدة مرارًا من أنّ تونس، مثل باقي دول شمال إفريقيا، معرّضة بشكل خاصّ لتداعيات التغيّر المناخيّ بسبب هشاشة مواردها المائية واعتمادها الكبير على الزّراعة المطريّة، دون أن نُغفل الثمّن الباهظ لصناعات عدّة مُستنزفة لمقدّراتنا المائيّة، وفي مقدّمتها صناعة النّسيج. وقدّر البنك الدّوليّ خسائر تونس الاقتصاديّة النّاجمة عن الكوارث المناخيّة بحلول عام 2030 بـ3.4% من النّاتج المحلّيّ الإجماليّ، إذا لم تتّخذ الدّولة إجراءات عاجلة، بينما رجّح تقرير للبنك الأفريقيّ للتّنمية، عام 2023، أن تُكبّد الأضرار المناخيّة خزينة الدّولة التّونسيّة خسائر بنحو 5 مليارات دولار، مشدّدًا على ضرورة توفير 25 مليار دولار للاستجابة بشكل ملائم لتلك التّحدّيّات، حتّى عام 2030.

لم يعد الأمر، إذن، مُجرّد سيناريوهات فحسب، بل بتنا في عين العاصفة، بشكل يُلزم الدّولة التّونسيّة ضرورة الحذر والتوّقّي بشكل علميّ وعمليّ في آن واحد. ولأنّ التّغيّرات المناخيّة ليست أمرًا طارئًا ولا حدثًا معزولًا، فإنّه من الضّروريّ التّركيز على رسم أهداف واضحة في قطاعات ذات صلة، أهمّها على الإطلاق كيفيّة تحقيق السّيادة الغذائيّة، وإن بشكل تدريجيّ.

مع كلّ هذا الكمّ من التّحدّيات، يزداد الإحباط حين نقف عند غياب سياسات عموميّة، في الوقت الرّاهن، لإنقاذ ما يُمكن إنقاذه. فالخطاب الرّسميّ لا يُقدّم حلولًا ولا بدائل، بل مُبرّرات وأفكارًا هُلاميّة

وعلى أهمّيّة معضلة التغيّرات المناخيّة وتداعياتها، فإنّ الأزمة أوسع بكثير، إذ من الواضح أنّ الدّولة التّونسيّة فقدت كلّ مَلَكَات الإبداع والتّصوّر، منذ عقود، للتّقدّم بالبلاد وإلحاقها بجيرانها، بما في ذلك دول الضّفّة الشّماليّة للبحر الأبيض المتوسّط. وحتّى ما اصطلح على تسميته بـ"المشاريع الكبرى" الّتي أعقبت استقلال تونس عن المستعمِر الفرنسيّ قد بلغت من العمر ما يُفقدها أيّ نجاعة اقتصاديّة واجتماعيّة، ناهيك عن آثارها البيئيّة المُدمّرة، ولعلّ أفضل مثال الجريمة الّتي تُرتَكب في حقّ قابس، حيث يُدمّر المجمع الكيميائيّ الجهة برمّتها أكثر فأكثر. 

اقرأ/ي أيضًا: منظمة "غرينبيس": العاصفة "هاري" تضرب تونس وتكشف حجم التحديات المناخية

ويزداد الإحباط بكلّ هذا الكمّ من التّحدّيات حين نقف عند غياب سياسات عموميّة، في الوقت الرّاهن، لإنقاذ ما يُمكن إنقاذه. فالخطاب الرّسميّ لا يُقدّم حلولًا ولا بدائل، بل مُبرّرات وأفكارًا هُلاميّة لا تمنع دوران السّاعة بالسّرعة القُصوى.

ومن باب الأمانة أنّ ما من حكومة في العقود الأخيرة، بما في ذلك في الفاصلة بين عامين 2011 و2021، وضعت حجر أساس واحدًا لمشروع - يستحقّ وصف المشروع – يعكس، ولو من باب رفع الحرج، وجود إرادة ووعيٍ سياسيّين بأنّ زمن التّخبّط والعشوائيّة في التّعامل مع المسألة البيئيّة قد ولّى ومضى.

فشل الحكومات المتعاقبة بات أمرًا من الماضي، الآن، ولن تُعالج مشاكلنا الوجوديّة بمجرّد تبرير العجز الحالي بأخطاء السّابقين. ذاك ما فات. والآن، يجب مواجهة ما هو آت! إنّ المسألة مسألة حياة أو موت!

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

الكلمات المفتاحية

صورة من لقاء قيس سعيّد، يوم 22 ماي 2024 بطهران،  المرشد الأعلى الإيراني علي الخامنئي

"أعتقد أنّه كان يُخاطب الرّأي العامّ التّونسيّ"

لم يُحدّد بيان وزارة الخارجيّة التّونسيّة، المسؤوليّات ولا الأطراف الفاعلة في الأزمة، بل إنّه لم يأت على ذكر إيران، مُكتفيًا بالتّعبير عن "التّضامن الكامل" مع الدّول العربيّة المُستهدفَة والدّعوة الرّتيبة إلى "تغليب الحكمة والعودة إلى طاولة المفاوضات".


الطاقات المتجددة في تونس.. سراب السيادة

الطاقات المتجددة في تونس.. سراب السيادة

إذا كان هناك ملف يستوجب النظر إليه تحديدًا من زاوية السيادة فهو بلا شك ملف الطاقات المتجددة. فهل يشير خطاب السيادة إلى سياسات فعلية في ملف الطاقات المتجددة، أم أنه يعكس سرابًا؟


العاصمة طهران.jpg

خارجية تونس والعدوان على إيران.. الحساب المُفرط يغلب الحناجر

بيان حذر جدًا صدر الخارجية التونسية اعتبره البعض يعكس موقفًا مسؤولًا ورصينًا.. وفي المقابل، اعتبره البعض الآخر بيانًا لا يعكس نأيًا بالنفس بقدر ما يعكس تخاذلًا بالمساواة بين المعتدي والمعتدى عليه


إيران Getty

العدوان على إيران.. كيف يمكن أن يهمنا في تونس؟

"لن نغوص هنا في التحليل العام، بل أساسًا في مسألة كيف يمكن أن تهمنا الحرب في بلدنا. يتعلق الأمر طبعًا بسيناريوهات لا نتحكم فيها، ومن بينها طول أمد الحرب وأهدافها وتطورها"

منظمة تونسية العدوان على إيران يهدف إلى فرض الهيمنة على مقدرات المنطقة وثرواتها
سیاسة

منظمة تونسية: العدوان يتجاوز حدود إيران ويوسّع حرب الإبادة الوحشية في المنطقة

المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية: نتضامن مع كل الشعوب العربية التي تدفع سياسات الهيمنة والتحالفات التي لا تعبر عن تطلعاتها، إذ لا يمكن تبرير هذا العدوان بأي خطاب حول نشر الديمقراطية أو حماية الأمن بل يعكس منطق الهيمنة وفرض الإرادات بالقوة على حساب حق الشعوب في تقرير مصيرها

وزارة التجارة: حجز 277 مسدسا للأطفال و 912زوج حذاء
مجتمع

مع اقتراب عيد الفطر.. إعادة تصدير وإتلاف أكثر من 18 ألف قطعة لعب أطفال

أعلنت وزارة التجارة التونسية عن نتائج عمليات المراقبة المكثفة للمنتجات الاستهلاكية خلال النصف الأول من شهر رمضان 2026، في إطار جهودها لضمان جودة وسلامة المنتجات التي يزداد الطلب عليها، بما في ذلك الملابس الجاهزة، الأحذية، لعب الأطفال وماء الجفال


حواجز محيطة بمقر سفارتي فرنسا والسعودية وتمثال ابن خلدون.. وزارة الداخلية توضح
مجتمع

حواجز محيطة بمقر سفارتي فرنسا والسعودية وتمثال ابن خلدون.. وزارة الداخلية توضح

وزارة الداخلية التونسية: الحواجز الإسمنية والحديدية الموجودة بمقر سفارة فرنسا ومحيط مقر سفارة المملكة العربية السعودية بالعاصمة، خاصة بمنظومة تأمين المنشآت الديبلوماسية، ولا تمثل عائقًا أمام حركة المرور أو تنقل المترجلين

عبير موسي حسن مراد Getty DeFodi Images
سیاسة

الاتحاد البرلماني الدولي: الأحكام الصادرة ضد عبير موسي قاسية وغير مبرّرة

قالت هيئة الدفاع عن رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي في بيان، نشرته مساء الخميس 5 مارس 2026، أن "لجنة حقوق الإنسان التابعة لـالاتحاد البرلماني الدولي أصدرت قرارًا خلال دورتها الـ179 المنعقدة في جنيف من 2 إلى 18 فيفري 2026، عبّرت فيه عن إدانتها للأحكام الصادرة ضد موسي وانتقدت استمرار احتجازها.

الأكثر قراءة

1
میدیا

الخُطيفة.. مسلسل يُصالح المتفرج التونسي مع الدراما الرمضانية


2
مجتمع

ما حقيقة انهيار جزء من السقف في مطار تونس قرطاج الدولي؟


3
اقتصاد

ارتفاع نسبة التضخم في تونس إلى 5% خلال شهر فيفري 2026


4
سیاسة

علي العريض: أنا على يقين من براءتي التامة في ملف "التسفير" وقدّمت أدلة قاطعة


5
مجتمع

العراق يمنح تأشيرة مؤقتة للتونسيين المقيمين في دول مجاورة