بين كورونا ورمضان.. تونسيّون يغيّرون مهنهم خوفًا من الفقر

بين كورونا ورمضان.. تونسيّون يغيّرون مهنهم خوفًا من الفقر

يمثّل المنتمون إلى قطاع الخدمات وعمال المياومة أكثر الفئات المتضررة من انعكاسات كورونا الاقتصادية (ياسين القايدي/ الأناضول)

 

لا تزال ارتدادات وباء كورونا تتتابع بنسق عنيف رغم انطلاق حملات التطعيم في أغلب دول العالم، اقتصاديات لدول عظمى بدأت تترنح تحت وطأة الجائحة للسنة الثانية على التوالي بعد أن عجز العالم عن إيجاد الوصفة الملائمة التي تحفظ التوازنات المالية والأرواح البشرية والتي مثلت معادلة صعبة الحل خاصّة لدى البلدان التي تعرف وضعيات اقتصادية هشّة من المرجّح أن يخلّف فيها الوباء تشوّهات سترافقها للسنوات القادمة.

في تونس وحسب المعهد الوطني للإحصاء ارتفعت نسبة البطالة في الثلاثي الرابع من سنة 2020 إلى 725 ألف عاطل عن العمل مقابل 676 ألفًا في الثلاثي الثالث من نفس السنة وهو مؤشر خطير اقترن بتراجع معدّل النمو بشكل غير مسبوق، مما عمّق هوّة الفقر وكشف ترهّل منظومة التغطية الاجتماعية لدى فئة هامة من التونسيين، جعلتهم يرتجلون حلولاً تقيهم الفاقة والحاجة خاصة مع الإجراءات التي اتخذتها الحكومة والتي تزامنت مع بداية شهر رمضان.

اقرأ/ي أيضًا: من بينها تغيير توقيت حظر التجول.. المشيشي يعلن عن إجراءات جديدة لمجابهة كورونا

ويمثّل المنتمون إلى قطاعات الخدمات وعمال المياومة أكثر الفئات المتضررة من سلسلة الإجراءات الحكومية خاصة مع تواصل قرار الإغلاق وحظر الجولان منذ ساعات الليل الأولى في شهر رمضان الذي كان في وقت مضى فترة ملائمة لمضاعفة المداخيل مما حدا بهم إلى إيجاد مراوغات مهنية غير مريحة لطيف كبير منهم للحفاظ على أدنى مستوى معيشي يمكنهم من تجاوز هذه الأزمة بأخف الأضرار رغم صعوبة المهمّة.

يمثّل المنتمون إلى قطاعات الخدمات وعمال المياومة أكثر الفئات المتضررة من سلسلة الإجراءات الحكومية خاصة مع حظر الجولان منذ ساعات الليل الأولى في شهر رمضان

  • من السيارة إلى عربة الخضار

عمر، شاب تونسي (31 سنة) اضطرته الجائحة والإجراءات المرافقة المتخذة منذ أشهر إلى المراوحة بين مهنتين مختلفتين تمامًا، حسب قوله، من سائق سيارة أجرة بدوام ليلي كامل إلى سائق سيارة أجرة بربع دوام وبائع على عربة خضار في ما بقي له من الوقت وهي مهنة توجّه نحوها حديثًا لتوفّر له دخلًا إضافيًا يساعده على رأب النقص المالي الذي يتكبده جراء حظر الجولان.

يقول محدثنا إنه لم يتصوّر نفسه يومًا بائعًا في السوق وهو الذي لم يعتد حتى على ارتياده للتبضّع وطالما أوكل هذه المهمّة لزوجته، ولكنها ظروف الحياة التي ترغم الإنسان على التأقلم والتعاطي مع الأوضاع الجديدة نظرًا للمسؤوليات التي تقع على عاتقيه، مضيفًا لـ"الترا تونس" أن مخاوفه تجاه المستقبل تفاقمت منذ بداية الجائحة التي فاجأت إمكانياته المادية البسيطة والمستقرة على الأقل في الماضي لتجعلها تدخل نفقًا لا يقدر على توقّع نهايته أو تاريخ الخروج منه.

عمر، مثل غيره من حالات البطالة المقنّعة يواصل كفاحه اليومي على أمل أن تحدث انفراجة في القريب العاجل دون أن يعلم أن البنك الدولي أعلن في أواخر 2020 تعديله إلى السلب توقعات انكماش الاقتصاد التونسي إلى 9 بالمائة مما يجعله أسوأ مؤشر تعرفه البلاد منذ سنة 1966 الأمر الذي سيجعل من التعافي الاقتصادي مهمة بالغة التعقيد ربما تتطلب سنوات وسياسات مالية موجعة ستعرف رجع صدى على معيشة التونسيين من أمثاله.

عمر (31 سنة): مخاوفي من المستقبل تفاقمت منذ بداية الجائحة التي فاجأت إمكانياتي المادية البسيطة والمستقرة على الأقل في الماضي لتجعلها تدخل نفقًا لا يقدر على توقّع نهايته

  • التعويل على مهارات الزوجات

الأمور لم تعرف نفس المنحى بالنسبة إلى التونسي مراد ( 52 سنة )، وهو الذي قضى أكثر من عقدين من العمر نادلاً بمقهى والذي اضطر مثل عشرات الآلاف من بني مهنته إلى تحمّل تبعات إجراءات الحكومة للحد من تفشّي وباء كورونا عن طريق تخفيض ساعات الدوام والتقليص في عدد مرتادي المقهى الذي يعمل به إضافة إلى حالته الصحية الدقيقة نوعًا ما والتي ساهمت في تعقيد وضعه المالي مع خوف دائم من الإصابة بالعدوى نظرًا لظروف العمل التي تعتبر خطيرة في هذه الفترة.

يقول بعد أن اتخذ مكانًا أمام المقهى المغلق في أول أيام رمضان أنه وزوجته وجدا حلاً بديلًا تمثّل في استثمار مهاراتها في صنع المعجّنات الغذائية التي يكثر الإقبال عليها في شهر رمضان من قبيل تحضير "الملسوقة" و"النواصر" و"الحلالم" (أطباق تقليدية تونسية تعرف إقبالاً كبيرًا في شهر رمضان) على أن يتكفّل هو باستثمار شبكة علاقاته في عرضها للبيع في محلات المواد الغذائية التي يعرف أصحابها بحكم مهنته.

ويعتبر مراد أن هذا النشاط الموسمي لا يمكن أن يتواصل بعد شهر رمضان بنفس المردودية مضيفًا لـ"الترا تونس" أنها حلول وقتية لا تفي بالغرض وأن الحل يكمن حسب تصوّره في إيجاد حلول جذرية من طرف الدولة تضمن العيش الكريم للشعب و خاصة لذوي الدخل الضعيف و غير القار مثله و ليس في تركهم يتخبطون في المجهول مما افقدهم الثقة في الدولة برمتها.

مراد (52 سنة ـ عامل بمقهى): وجد وزوجته حلاً بديلًا تمثّل في استثمار مهاراتها في صنع "الملسوقة" و"النواصر" و"الحلالم" على أن يتكفّل هو باستثمار شبكة علاقاته في عرضها للبيع في المحلات

يُذكر أن أصحاب المقاهي في مختلف ولايات الجمهورية قاموا الأسبوع الفارط بوقفات احتجاجية مندّدة بالقرارات التي اتخذتها الحكومة بشأن أوقات فتح وإغلاق المقاهي في شهر رمضان، إذ وحسب صدري بن عزوز نائب رئيس الغرفة الوطنية لأصحاب المقاهي فان 2000 مقهى أغلقت أبوابها في تونس، فيما يوجد 18 ألف  مقهى  في حالة إفلاس إضافة  إلى  40 ألف عاطل عن العمل  كانوا يعملون في المقاهي.

اقرأ/ي أيضًا: المهن الموسمية في رمضان.. باب رزق

  • الحديقة لتغيير الحقيقة

حبيب (40 سنة) ليس من هواة البستنة كما يوحي لنا انكبابه في ركن من حديقته المنزلية الصغيرة، هو في الأصل عامل يومي يمتهن العمل في حضائر البناء ولكن وقع إعلامه أسبوعين قبل بداية شهر رمضان بالدخول في عطلة إجبارية غير مدفوعة الأجر نظرًا لانتهاء التزامات المقاول الذي يعمل معه مما اضطره إلى اللجوء إلى زراعة وبيع حزم النعناع والإكليل التي دأب على زراعتها بصفة تلقائية منذ مدة.

حبيب (40 سنة) لجأ إلى زراعة وبيع حزم النعناع والإكليل التي دأب على زراعتها بصفة تلقائية منذ مدة

ويقول إنه يكتفي بالنزر القليل الذي توفّره له هذه التجارة نظرًا لكونه أعزب خاليًا من كل مسؤولية عائلية، مضيفًا بنبرة ساخرة أنه "يحمد الله على بطلان مراسم زواجه منذ سنتين وإلا لكان في حالة أشدّ سوءًا مما هو عليه الآن "نظرًا لما يراه من أحوال المتزوجين في محيطه البسيط وتقلبهم وكفاحهم من أجل قوت الأطفال والعائلة في هذا الظرف العصيب".

تتغير التفاصيل في حياة هذه الشريحة لكن الواقع واحد تطغى فيه الحلول الظرفية التي لا يمكن أن تمثل مرفأ أمان بالنسبة لهم، اليوم اليوم وليس غدًا هي الحكمة التي يصرفون بها شؤونهم اليومية، فالغد وما سيحمله أصعب من أن تستوعبه أذهانهم في ظل وضعية سياسية واقتصادية غامضة تخاطبهم بمفردات غريبة عن واقعهم المرير.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"عولة رمضان".. عادة تونسية تواجه الاندثار

من بيع "الملسوقة" إلى "الطابونة".. تونسيات كادحات "يراودن" لقمة العيش في رمضان