"بين حياة وموت".. عندما يضع المسرح إصبعه على جرح العدالة الانتقالية

هالة عياد ومحمد الزرامي في أحد مشاهد مسرحية"بين حياة وموت"

 

هل جرّبت أن تعيش يومًا وأنت تدرك أنك قد فقدت جزءًا منك أو أنك متّ من الداخل؟ هل تساءلت يومًا عمّا يمكن أن تفعله إذا جمعتك الحياة في صدفة غريبة وغير متوقعة مع جلادك، الشخص الذي قام بتعذيبك وقتل روحك مع الإصرار على إبقاء جسدك حيًا كي لا تنسى؟

"بين حياة وموت" للمخرجة هالة عيّاد عمل مسرحي وضع الإصبع على جرح ضحايا الاستبداد

اقرأ/ي أيضًا: عرض "للا" لأمينة الصرارفي.. عن سحر الصوفية المؤنّثة

الإنسان قد يتناسى معاناته ويتظاهر أنه يحاول مواصلة حياته بشكل طبيعي، لكنه يدرك أن ما فقده داخله لن يعود أبدًا وأن بعض الجروح آثارها لا تزول مع مرور الزمن. ويكفي لأمر في غاية البساطة أن يعيد هذه الذكريات ويدفعها إلى سطح آلامنا، قد تكون رائحة ما أو صوتًا أو لحنا موسيقيًا لفرانز شوبير.

هذه الجروح تتعاظم آثارها إذا تعلّقت بتعذيب ممنهج وسياسة يتّبعها نظام مستبدّ ضدّ معارضيه ومنتقديه فتؤدي إلى تشوهات مجتمعية من شأنها أن تفكّك المجتمع وتشتّته إذا لم تقع معالجتها بشكل جذري وتمكين الضحايا من اعتذار يغسل جزءًا من آلامهم ويعوّض مقدارًا بسيطًا من ليال قضوها تحت سياط جلّاديهم.

"بين حياة وموت" للمخرجة هالة عيّاد عمل مسرحي وضع الإصبع على جرح ضحايا الاستبداد ومسار عدالة انتقالية شابتها حسابات سياسوية في ظلّ بروز شقين، شق يمثل النظام الديكتاتوري وآخر اختار صف المعارضة ودفع الثمن غاليًا مقابل تضحياته. تضحيات أدت في أحيان إلى وفاة معارضين، ولكنها اغتالت آخرين من الداخل وأبقتهم جثة في حالة وفاة وبحث عن روحهم التي فقدوها في غياهب السجون وأنفاق وزارة الداخلية.

ولئن كانت المسرحية مقتبسة من فيلم "La jeune fille et la mort" (الفتاة والموت) لرومان بولنسكي الصادر سنة 1994، فقد نجحت هالة عياد في إعادة تركيبه وتطويعه بعناصر تونسية مستعيرة حبكة الفيلم لتعيد لضحايا انتهاكات لم تنصفهم العدالة أصواتهم.

فعلى خشبة مسرح التياترو بالعاصمة تونس المظلم، سادت في بداية العرض موسيقى وغابت الأضواء لتطلّ امرأة لا نرى منها سوى فستانها الأبيض وخطواتها الراقصة.خطوات هادئة تتناقل بخفة على عتبة المسرح قبل أن يتغيّر نسقها وتصبح مواجهة مع أمر مخيف نجهله ولا نبصره، لكننا نبصر الخوف في خطوات المرأة وتغيّر الموسيقى. في نهاية الرقصة تجلس المرأة على كرسي في العتمة وتستمع لحوار بين رجلين.

"بين حياة وموت" مسرحية تعرّي أمامنا مأساة امرأة تلخص قصص عشرات ضحايا الانتهاكات

مُشاهد المسرحية سيفهم أن نور، المرأة التي كانت ترقص، والتي تؤدي دورها هالة عياد، تعرَّضت إلى الاختطاف والتعذيب، تعذيب كان قاسيًا جدًا وترك آثاره في روحها، اغتال شيئًا منها، أو ربما سرق روحها، بسبب خيارها معارضة النظام ورفضها الإفصاح عن هوية حبيبها، الذي تزوجها لاحقًا وكلّفه الرئيس بترؤس لجنة ستحقق في الانتهاكات التي ارتكبت في عهد الاستبداد والتي أدت إلى وفاة معارضين دون أن تتطرّق إلى معاناة الضحايا الذين لم يفارقوا الحياة.

الزوج مهدي (الممثل محمد الزرامي) يبدو متفائلًا بعمل اللجنة ويأمل تحقيق جزء ولو بسيط من العدالة لفائدة الضحايا وتقوده الصدفة إلى التعرّف على الدكتور بن مراد (الممثل عبد الحميد بوشناق). ومع زيارة هذا الأخير لمهدي، ستعتقد نور أنها تعرّفت على صوت جلادها ومغتصبها، ذلك الدكتور الذي كان يتمّ إحضاره كي يشرف على عمليات التعذيب دون أن يموت أي من الضحايا بين يديه.

اقرأ/ي أيضًا: ملتقى تونس للرواية العربية: فتح أبواب المسكوت عنه في الثقافة العربية

حبكة المسرحية التي احتضنها مسرح التياترو يومي الأحد والاثنين 19 و20 ماي/ أيار 2019، تعرّي أمامنا مأساة امرأة تلخص قصص عشرات الضحايا، فهي لم تبصر وجه مغتصبها، ولكنها تتذكر جيدًا صوته وتستحضر رائحة جسده، فتقرّر تحقيق العدالة لنفسها.

فكّرت نور كثيرًا في الانتقام الذي يستحقه جلادها المفترض، وصل بها الأمر إلى التفكير في أنه يستحق الاغتصاب أيضًا، ولكنها تدرك أن ذلك لن يطفئ نار غضبها ولن يعيدها إلى الحياة ولن يعيد روحها إليها. تعترف نور لزوجها في أحد المشاهد أنها تكون معه على الفراش تفكّر في مغتصبيها وتدعي المتعة. وتقرّ أنها تريد أن تستعيد نفسها ولكنها تعجز عن ذلك.

نهاية مسرحية "بين حياة وموت" حاولت أن تقدّم آفاقًا أرحب للمستقبل لتكون كلمة "نتعايشو" مسك ختام عرض أبكى الحاضرين وأضحكهم

يحاول مهدي في المقابل ثنيها عن الانتقام ويحاول إنقاذ الدكتور بن مراد. اداء الممثلين الثلاث كان مقنعًا للغاية إلى درجة أنهم تماهوا مع الشخصيات فنسي المشاهدون أنهم يشاهدون مسرحية ولوهلة اعتقدنا أننا أمام محاكمة لجلاد تقوم بها ضحية في منزلها حاملة في يدها سيفًا تخيف به زوجها والجلاد المفترض.

صراعات داخلية نقلها الممثلون إلى الجمهور لا من خلال النص فقط بل بملامحهم وتعابير وجوههم. ورغم جدية الموضوع ومشاعر الحزن والخوف التي سيطرت على جلّ مشاهد المسرحية، تخلّل العرض بعض المشاهد الكوميدية التي أضحكت الجمهور دون أن تبتعد عن سوداوية الشعور بالظلم والقهر.

نهاية المسرحية حاولت أن تقدّم آفاقًا أرحب للمستقبل لتكون كلمة "نتعايشو" مسك ختام عرض أبكى الحاضرين وأضحكهم ونقل بأسلوب سلس وراق وبعيد عن الابتذال معضلة العدالة الانتقالية التي لا تزال مطروحة في تونس، خصوصًا وأن ملف الانتهاكات مازال بعيدًا عن الحسم نتيجة تغليب مصالح السياسيين على حقوق الضحايا وبقاء الجلادين دون محاسبة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أوبرا شهرزاد.. ليلة في جنان الحكايات وبهاء الأغنيات

مسرحية حوار بورقيبة 2019: "الزعيم" هنا ليجيب عن أسئلة لا تموت