بين تعثّر الأشغال ومداهمة الشتاء.. هضبة سيدي بوسعيد على شفير الهاوية
7 سبتمبر 2026
تواجه هضبة سيدي بوسعيد، الجوهرة السياحية والتاريخية المُطلّة على خليج قرطاج، أزمة بيئية وهندسية هشة تُهدّد سلامتها. فتلك المدينة شهدت في فصل الشتاء الماضي أمطارًا شديدة الغزارة وغير مسبوقة منذ أكثر من 70 عامًا، بحسب ما أفاد المعهد الوطني للرصد الجوي، وهو ما فاقم التحديات التي تواجهها.
وتمتد الهضبة على مساحة تتجاوز 170 هكتارًا، كما تمتاز بشريط ساحلي يمتد إلى 4.5 كيلومترات. ولكن توسعت الشقوق والانزلاقات التُرابية في تلك الهضبة، وتآكلت بعض واجهاتها البحرية لا سيما هذا العام، وهو ما أفرز مخاوف جدّية من انهيارات قد تطال المنشآت العمرانية والمعالم الأثرية المحاذية للمنحدرات.
أمام تلك الأزمة، صدر مُقرر رئيسة الحكومة عدد 11 المؤرخ في 26 جانفي/يناير 2026، المتعلق بتكليف وزارة التجهيز والإسكان بمتابعة إنجاز دراسات وأشغال حماية هضبة سيدي بوسعيد من الانزلاقات الأرضية، وذلك في إطار برنامج حماية المناطق العمرانية والشريط الساحلي والتحكم في المنشآت.
مشكلة الانزلاقات في الهضبة ليست بالجديدة، فمنذ أكثر من عشر سنوات، سبق وحذّر العديد من الخبراء والمتدخلين من خطورة الانزلاقات. إذ أكد المدير العام بالنيابة لوكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي مهدي بلحاج، منذ 2024 أنّ هضبة سيدي بوسعيد تشكو مخاطر الانزلاق الأرضي. معتبرًا وقتها أنّه لا يمكن، تقدير نسبة الخطورة ودرجة الانزلاقات المتوقعة إلا بعد القيام بتشخيص دقيق للوضعية.
توسع الشقوق والانزلاقات التُرابية في هضبة سيدي بوسعيد، وتآكل بعض واجهاتها البحرية لا سيما هذا العام، أفرز مخاوف جدّية من انهيارات قد تطال المنشآت العمرانية والمعالم الأثرية المحاذية للمنحدرات
وأوضح أنّ تآكل الهضبة من الأسفل يأتي نتيجة الانجراف البحري لافتًا إلى أن نوعية تربة الهضبة يجعلها معرضة للتآكل. كما بدأت تشهد انجرافًا بفعل عامل الأمطار، مشيرًا إلى وجود انزلاقات تحت قصر النجمة الزهراء.
وحذّر بلحاج من مساهمة مخالفات البناء السكني على الهضبة في هذا الخطر الداهم. مؤكدًا أنّه من خلال المعاينة الأولية، التي تم إجراؤها أواخر سنة 2023، توفرت شكوك تخص عوامل أخرى متسببة في هذا الخطر على غرار تسرّب المياه بالإضافة إلى مياه السقي ومياه المسابح.
وسبق لوكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي أن أطلقت خلال شهر أفريل/نيسان 2024 طلب عروض للقيام بدراسة فنية تشمل التشخيص والحلول وتقدير كلفة الأشغال، على أن تدوم مدة الدراسة ستة أشهر. وفق مهدي بلحاج. مشيرًا إلى أنّ الوكالة تحصلت على تمويل الدارسة من طرف وزارة المالية بمبلغ قدره 400 ألف دينار.
وأردف بأنه سيقع، من خلال الدراسة، اختيار الحلول المناسبة للهضبة باعتماد حلول جيو-تقنية مضيفًا أن التدخل سيكون إثر استكمال الدراسة وتحديد نوعية التدخلات، متوقعًا أن يكون القيام بسلسلة حجرية من بين الحلول.
اقرأ/ي أيضًا: رسميًا.. إدراج قرية سيدي بوسعيد على قائمة التراث العالمي لليونسكو
وذكر في هذا الخصوص، أنّه سبق أن تمّ التّدخل الجزئي في الهضبة خلال المدة المتراوحة بين سنتي 2002 و2004 وأنّ الخطر ظلّ قائمًا، لافتًا إلى أنّ الوكالة نبهت إلى ذلك خلال سنة 2016 ولكن لم يتم إدراج المسألة في المخطط الخماسي آنذاك.
وتجدر الإشارة إلى أن جلسة عمل فنية انعقدت يوم 29 جانفي/يناير 2024 بمقر بلدية سيدي بوسعيد تحت إشراف وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، عبد المنعم بلعاتي، خصصت للنظر في الحلول العملية لوضعية الانزلاقات الأرضية بهضبة سيدي بوسعيد ومحيط قصر النجمة الزهراء وضمت جميع الأطراف المتدخلة.
وأوصى الوزير آن ذاك بضرورة التحرك السريع لتحديد أولويات ومتطلبات التدخل والاستباق للحد من المخاطر المحتملة.
اجتماعات متكررة وأشغال معطلة
وقد انعقدت في 3 فيفري/شباط 2026 أول جلسة عمل بإشراف صلاح الزواري، وزير التجهيز والإسكان، خصصت لمشروع حماية هضبة سيدي بوسعيد من الانزلاقات الأرضية. وذلك على إثر صدور مُقرّر من رئيسة الحكومة عدد 11 المؤرخ في 26 جانفي 2026، والمتعلق بتكليف وزارة التجهيز والإسكان بمتابعة إنجاز دراسات وأشغال حماية هضبة سيدي بوسعيد من الانزلاقات الأرضية في إطار برنامج حماية المناطق العمرانية والشريط الساحلي والتحكم في المنشآت. وحضر الجلسة ممثلين عن مختلف الوزارات والهيئات المعنية، بما في ذلك وكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي، والمعهد الوطني للتراث، والديوان الوطني للمناجم، الديوان الوطني للتطهير، وبلدية سيدي بوسعيد، ومركز التجارب وتقنيات البناء وثلة من إطارات الوزارة.
خلال الجلسة تم عرض الإطار العام لمشروع حماية هضبة سيدي بوسعيد من الانزلاقات، وخصائصه، والحاجيات المُراد تسديدها، وتم أيضًا مناقشة نتائج الزيارات الميدانية وتشخيص وضعية المنطقة.
بعد مرور 7 أشهر عن أول اجتماع عقدته الوزارة، لا توجد اليوم أيّ أخبار أو أي معلومات عما إذا كانت أشغال حماية هضبة سيدي بوسعيد من الانزلاقات الأرضية، التي كان من المزمع أن تنطلق في أوت الماضي قد انطلقت أم لا
وخلال اللّقاء، دعا وزير التجهيز جميع الجهات ذات العلاقة إلى مد الوزارة بجميع الدراسات والمعطيات ذات العلاقة بالهضبة بهدف وضع برنامج عمل وتحديد كلفة المشروع للانطلاق الفعلي في الأشغال. ومن بينها التدخلات العاجلة وذلك في إطار لجنة قيادة تضم مختلف المتدخلين تشرف على متابعة المشروع وحسن تنفيذه. كما حث وزير التجهيز على حسن التنسيق للتسريع في الإنجاز مع توفير المساعدة الفنية اللازمة. وبيّن الوزير أنّ توجهات الدولة تُؤكد على ادراج المشروع ضمن المشاريع العمومية الكبرى للتسريع في تنفيذ أولوية وطنية، متمثّلة في حماية المنطقة من الانزلاقات لضمان سلامة الأشخاص والممتلكات. وأشار إلى أهمية هضبة سيدي بوسعيد باعتبارها موروثًا تاريخيًا وثقافيًا ومعماريًا.
لم يتمّ نشر أيّ نتائج بعد تشخيص وضعية الهضبة على إثر ذلك اللقاء. وبعد أربعة أشهر وتحديدًا في 10 جوان/يونيو 2026 أبرمت لجنة قيادة مشروع حماية هضبة سيدي بوسعيد من الانزلاقات الأرضية اتفاقية مع المركز الوطني للاستشعار عن بعد للقيام بالأشغال الطبوغرافية والصور الجوية اللازمة، واتفاقية أخرى مع الديوان الوطني للمناجم لإنجاز الخرائط الجيولوجية والجيوفيزيائية، بهدف تحديد التدخلات العاجلة وتحديد أماكن التدخل حسب الأولوية.
اقرأ/ي أيضًا: نحو إخلاء مساكن بسيدي بوسعيد وهدم بنايات آيلة للسقوط بولاية تونس
وأفادت وزارة التجهيز بأنّه تم خلال اجتماع اللجنة عرض تقدّم إنجاز المرحلة الأولى من دراسة مشروع حماية هضبة سيدي بوسعيد من الانزلاقات الأرضية، والمُتعلّقة بتشخيص الوضعية وتقديم مختلف المعطيات ذات العلاقة بالهضبة، وذلك تنفيذًا لمقرّر رئيسة الحكومة. ودعا الوزير، إلى الالتزام بالرزنامة المحدّدة للمشروع والحرص على تسخير كافة الإمكانيات للانطلاق في الأشغال. مؤكدًا أن توجهات الدولة تؤكد على إدراج المشروع ضمن المشاريع العمومية الكبرى للتسريع في تنفيذه، حمايةً للمنطقة من الانزلاقات الأرضية وضماناً لسلامة الأشخاص والممتلكات، مشدّدًا في الآن ذاته على أهمية هضبة سيدي بوسعيد باعتبارها موروثاً تاريخيًا وثقافيًا ومعماريًا. حسب ما نشرته الوزارة في بيان لها.
الدكتور شكري يعيش (أستاذ التعليم العالي في الجيولوجيا وعلوم الأرض): ما حصل لهضبة سيدي بوسعيد الشتاء الماضي هو انزلاق سطحي، وليس انهيارًا كبيرًا. ولا يجب الاستهانة بالمؤشرات المسجّلة
بعد شهر من ذلك الاجتماع، وتحديدًا في 8 جويلية/يوليو 2026 أصدرت وزارة التجهيز بلاغًا ذكرت فيه أنّه تمّ عقد اجتماع لجنة قيادة مشروع حماية هضبة سيدي بوسعيد من الانزلاقات الأرضية، بإشراف وزير التجهيز والإسكان صلاح الزواري، لعرض ومناقشة نتائج المرحلة الأولى من الدراسة، والمتمثلة في تشخيص وضعية هضبة سيدي بوسعيد، ومقترحات مكتب الدراسات المتعلقة بالتدخلات العاجلة وبرنامج الأشغال الميدانية المستوجبة.
وأكد الوزير خلال اللقاء على اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة، والتنسيق مع الجهات المعنية، للانطلاق في الأشغال خلال شهر أوت/أغسطس 2026، كما دعا إلى الالتزام بالرزنامة المحددة للمشروع، وتسخير كافة الإمكانيات للتسريع في تنفيذه، وذلك لحماية المنطقة من مخاطر الانزلاقات، وضمان سلامة الأشخاص والممتلكات، وفق ما جاء في بلاغ لوزارة التجهيز.
المتمعن في البلاغات الثلاثة يلاحظ أنّ بعض الأسطر تكرّرت فيها حرفيًا. ودعوات وزير التجهيز من شهر فيفري/شباط حتى جويلية/يوليو هي نفسها. وبعد مرور سبعة أشهر عن أول اجتماع عقدته الوزارة لا توجد اليوم أيّ أخبار أو أي معلومات عما إذا كانت الأشغال التي كان من المزمع أن تنطلق في أوت/أغسطس الماضي قد انطلقت أم لا. كما لا توجد أيّ معلومات عن مدّة تلك الأشغال والحال أنّ تونس تشهد خلال شهر سبتمبر/أيلول وخصوصًا خلال النصف الثاني منه تساقطات هامة تُعرف في تونس بـ"غسالة النوادر" وعادة ما تكون بكميات كبيرة تصحبها تقلبات جوية دقيقة. وبين تعثّر الأشغال ومداهمة الشتاء تبقى هضبة سيدي بوسعيد على شفير الهاوية.
خبراء يحذرون من انزلاقات هضبة سيدي بوسعيد
يرى خبراء الجيولوجيا والهندسة المدنية أنّ هضبة سيدي بوسعيد تتكون من طبقات رسوبية وطينية هشّة تتأثر بشكل مباشر بتشبع التربة بالمياه التي تتسرب من القنوات الباطنية ومن التساقطات الهامة التي تشهدها المنطقة سنويًا. وسبق وأكد الدكتور شكري يعيش أستاذ التعليم العالي في الجيولوجيا وعلوم الأرض ودكتور دولة في علوم الأرض والبيئة، أنّ نوعية الهضبة والتربة في سيدي بوسعيد تلعب دورًا مهمًا في حدوث الانزلاقات، مبيّنًا أنها متكوّنة إمّا من تربة طينية أو من صخور غير صلبة بطبيعتها، وهي مواد تتأثر بسرعة بالمياه. مشيرًا إلى أنّ مياه الأمطار والسيول تُسرّع من فقدان التربة لتماسكها، ما يجعلها أكثر عرضة للانزلاق، خاصة عندما تتشبّع بالماء.
كريم أحد تجار الصناعات التقليدية بهضبة سيدي بوسعيد: مازلنا حتى اليوم نعاني من تراكم البضائع وتراجع المبيعات اليومية إثر انزلاقات الشتاء الماضي، نحن نطالب السلط بضرورة التدخل العاجل قبل انطلاق الموسم الشتوي المقبل
وأضاف المتحدّث أنّ وجود صدوع جيولوجية في المنطقة يساعد على توجيه جريان المياه داخل الهضبة، وهو ما يزيد من تأثير ضغط المياه على تركيبتها.
وأكد شكري يعيش، أن "ما حصل لهضبة سيدي بوسعيد الشتاء الماضي هو انزلاق سطحي، وليس انهيارًا كبيرًا. ولا يجب الاستهانة بالمؤشرات المسجّلة".
مخاوف سكان وتجار المدينة
بعد الانجراف الذي شهدته الهضبة، أدى الانزلاق إلى أضرار كبيرة خاصة في الجزء المطل على البحر، وقد اتخذت السلطات على إثرها قرارًا بغلق قصر النجمة الزهراء حفاظًا على سلامة زائريه، إضافة إلى غلق العديد من المحلات التجارية ومنع صعود الحافلات السياحية إلى الهضبة. وخلال زيارته للمكان على إثر تلك الانزلاقات في جانفي/يناير الماضي، أكد قيس سعيّد أنّها آيلة للسقوط وتتطلب تدخلًا عاجلًا.
يقول كريم أحد تجارة الصناعات التقليدية بالمكان إنّه "بعد الانزلاقات الأخيرة التي شهدتها هضبة سيدي بوسعيد عقب أمطار الشتاء الماضي، أصبحت حركتنا التجارية شبه مشلولة، فالانهيارات لم تضر بالبنية التحتية فحسب، بل أدّت إلى تراجع كبير في عدد حرفائنا خصوصًا بعد إغلاقنا لمحلاتنا القريبة من قصر النجمة الزهراء لأيام مخافة السقوط، ومازلنا حتى اليوم نعاني من تراكم البضائع وتراجع المبيعات اليومية". مضيفًا: "نحن نطالب السلط بضرورة التدخل العاجل قبل انطلاق الموسم الشتوي المقبل".
يذكر أنّ قرية سيدي بوسعيد أدرجت في جويلية/يوليو الماضي ضمن قائمة التراث العالمي. وبذلك أصبحت تونس تضم عشرة مواقع على قائمة التراث العالمي.
الكلمات المفتاحية
ما بعد الرماد.. قصص عائلات منكوبة وحياة معلقة على أطراف الجبال المحترقة
بسبب الحرائق التي نشبت في عدّة مناطق في تونس صائفة هذا العام تغيّر المشهد وتغيرت معها الحركة في تلك المناطق المحترقة، وبات السكان هناك يتحدّثون عما بعد الرماد
فاجعة اغتصاب قاصر بالملاسين.. صدمة واسعة في تونس ودعوات لمحاسبة المعتدين
خلّفت حادثة احتجاز قاصر واغتصابها في جهة الملاسين بضواحي العاصمة، وفق المعطيات الأولية، صدمة كبيرة في الشارع التونسي، ودعت عدة جهات حقوقية ومدنية إلى تطبيق القانون ومحاسبة المعتدين
أولياء يحتجون من أجل تشغيل أبنائهم.. حين يحمل الآباء مطالب جيل عاطل
الكاتب العام الجهوي لاتحاد أصحاب الشهادات المعطلين وسيم جدي لـ"الترا تونس": آمال المعطلين عن العمل معلّقة على القانون عدد 18
معهد الرصد الجوي يكشف الولايات المعنيّة بنزول أمطار غزيرة يوم الجمعة
معهد الرصد الجوي: يتواصل نزول أمطار متفرقة ومؤقتًا رعدية يوم الغد السبت 10 أكتوبر 2026 بالمناطق الساحلية الشمالية
الإمارات تفرض البطاقة عدد 3 على التونسيين الراغبين في العمل بها
بالنسبة إلى المواطنين التونسيين الموجودين بدولة الإمارات بتأشيرات زيارة، الذين تحصلوا على فرص عمل ويرغبون في تسوية وضعياتهم القانونية واستكمال إجراءات الحصول على تأشيرات عمل، أفادت القنصلية بأنهم يتمتعون بمهلة قدرها 45 يومًا من تاريخ دخول القرار حيز التنفيذ.
طقس تونس.. الحرارة في انخفاض ملحوظ مع أمطار غزيرة بعدد من الجهات
معهد الرصد الجوي: الريح تكون قوية نسبيًا فتدريجيًا قوية قرب السواحل الشرقية وبالجنوب حيث تثير محليًا الرمال والأتربة وضعيفة فمعتدلة ببقية الجهات
قضية اغتصاب قاصر بالملاسين.. إصدار بطاقات إيداع بالسجن في حق 10 متهمين
عرفت التطورات القضائية أيضًا، الإفراج عن وسيط عقاري "سمسار" قام بتأجير منزل لمتهمين اثنين قبل أن تكشف الأبحاث عدم معرفته بهما