بين الانضباط الصارم وقهر الانقطاع.. كيف تربّعت تسنيم وآلاء على عرش "النوفيام"؟
4 يوليو 2026
تعيش العائلات التونسية على وقع إعلان نتائج امتحان شهادة ختم التعليم الأساسي العام والتقني (النوفيام)، وهي محطة وطنية حاسمة تتجه فيها الأنظار ككل عام نحو النماذج المضيئة التي تصنع الحدث وتلهم الآلاف.
فخلف لغة الأرقام والمعدلات، تختبئ دائمًا حكايات استثنائية من التحدي، وقصص تُثبت أن التميز ليس مجرد صدفة، بل هو نتاج حتمي لالتقاء العزيمة الفردية بالدعم الأسري والمحيط الحاضن.
هذا العام، لم تكن النتائج مجرد تتويج لمسار دراسي اعتيادي، بل وضعتنا أمام حكايتين لتلميذتين تونسيتين اعتليتا منصة التتويج الوطني بجدارة.
تختلف تفاصيل رحلتيهما حد التناقض؛ فالأولى شقت طريقها نحو الصدارة بانضباط صارم وبيئة دراسية خالية من المشتتات، والثانية رسمت قصة انبعاث ملهمة بعد انقطاع وتعثر، لتثبت أن للنجاح ألف طريق متى حضرت الإرادة. حكايتان اجتمعتا في النهاية عند قمة التفوق الوطني.
تسنيم الشريف وآلاء المنصوري.. تلميذتان تصدّرتا شهادة ختم التعليم الأساسي العام والتقني (النوفيام) لسنة 2026.. تختلف تفاصيل رحلتيهما حد التناقض، لكنهما تجتمعان في النهاية عند قمة التفوق الوطني
ففي إنجاز يعكس قيمة الاجتهاد والدعم الأسري، تمكنت التلميذة تسنيم الشريف من افتكاك المرتبة الأولى وطنيًا في مناظرة الدخول للمعاهد النموذجية (النوفيام)، بمعدل متميز (19.21).
موقع "الترا تونس" أجرى حوارًا مع تسنيم ووالدها، عبد الستار، لكشف كواليس هذه الوصفة السحرية للتفوق.
تسنيم الشريف.. تلميذة شغوفة بالمعرفة تحدّت بعض الصعوبات
لم تكن النتيجة مفاجأة بالكامل لعائلة تسنيم نظرًا لمستواها العلمي المتميز، لكن تصدرها الترتيب الوطني كان بمثابة تتويج استثنائي أدخل البهجة على قلوب الجميع. ينسب والدها عبد الستار جزءًا كبيرًا من هذا النجاح إلى والدتها، إيمان، التي سهرت على بناء شخصية ابنتها المعرفية.
يقول والدها في حواره مع "الترا تونس": "جهويًا، كنا ننتظر تفوقها بحكم المنافسة، لكن وطنيًا هذا فضل ومكافأة من عند ربي.. وأمها، إيمان، هي من حبّبتها في المطالعة، حتى أنها تشارك في البطولة الوطنية للمطالعة منذ ثلاث سنوات". هذه اللمسة الأمومية الخفية كانت حجر الزاوية في مسيرة تسنيم، حيث حولت المطالعة من واجب مدرسي إلى شغف يومي يغذي عقولها ويثري مداركها.
والد تسنيم الشريف لـ"الترا تونس": من أبرز أسرار تفوق تسنيم هو ابتعادها عن المشتتات الرقمية، واجتهاد والدتها في ترغيبها في المطالعة التي تحولت من واجب مدرسي إلى شغف يومي
ومن أبرز أسرار تفوق تسنيم هو ابتعادها عن المشتتات الرقمية التي تستهلك وقت شباب اليوم. وبصفتها تلميذة شغوفة بالمعرفة، وفرت لها العائلة بيئة دراسية صارمة وداعمة في آنٍ واحد.
فتسنيم تمتلك هاتفًا ذكيًا تستعمله لبعض الوقت فقط، وتعتمد حصرًا على حاسوب شخصي لأغراض البحث العلمي وتوسيع آفاقها المعرفية. هذه الخطوة حمتها من دوامة وسائل التواصل الاجتماعي ومكّنتها من استغلال وقتها بكفاءة بحسب ما أكده والدها.
وتربت تسنيم على الاعتماد على النفس فهي تدرس باستقلالية تامة في غرفتها، دون تدخل مستمر أو ضغط من الوالدين. هذا النهج عزز لديها مهارات التعلم الذاتي والمسؤولية منذ سن مبكرة.
وقد وجه والدها نصيحة للأولياء قائلاً: "الولي من المفروض أن يترك ابنه يدرس بمفرده وبحرية.. ابنتي تراجع في غرفتها، ونحن كأولياء لا نتدخل إلا إذا طلبت هي المساعدة لتوضيح مسألة مستعصية". هذه الفلسفة التربوية التي تجمع بين الثقة والمراقبة غير المباشرة أثبتت نجاحها بامتياز، وفق الأب عبد الستار.

وبصوت يملؤه الفرح والثقة، وببراءة تلميذة تضع أولى خطواتها نحو مستقبل مشرق، عبّرت تسنيم في حديثها لـ"الترا تونس" عن امتنانها العميق لكل من ساندها في مسيرتها.
تقول: "أهدي هذا النجاح لعائلتي، لأمي وأبي، ولأساتذتي وأصدقائي.. أما الوصفة السحرية للنجاح فهي ببساطة تنظيم الوقت، التخلص من الخوف، والتحلي بالثقة في النفس".
اقرأ/ي أيضًا: نسبة النجاح في مناظرة "النوفيام" لسنة 2026 بلغت 63.96%
هذه الكلمات البسيطة تحمل في طياتها فلسفة متكاملة للنجاح، حيث الجمع بين الجانب النفسي والجانب العملي هما المفتاح الحقيقي للتفوق. وقد أكدت البطلة الوطنية أنها تطمح مستقبلاً للتخصص في مجال الهندسة، لمواصلة مسيرتها العلمية المتميزة.
ورغم هذا الإنجاز الباهر، لم تخلُ يوميات تسنيم الشريف من الصعوبات، فقد أشار والدها إلى مشقة النقل اليومي من منطقة "المطوية" أين تقطن تسنيم إلى الإعدادية النموذجية بقابس.
والد تسنيم الشريف لـ"الترا تونس": واجهتنا مشقة النقل اليومي من منطقة "المطوية" إلى الإعدادية النموذجية بقابس إذ هناك حافلة وحيدة تقل التلاميذ والطلبة والعملة تُعرف باكتظاظها الشديد ما اضطرنا أحيانًا للاعتماد على سيارات الأجرة
فحافلة وحيدة تقل التلاميذ والطلبة والعملة، وكل من يرغب في التوجه إلى قابس وأحيانًا لا تتوقف في محطة المطوية إلى جانب الاكتظاظ الشديد في الحافلات بحسب قول والد تسنيم، وهو ما اضطر العائلة أحيانًا للاعتماد على سيارات الأجرة (التاكسي) على نفقتهم الخاصة لضمان راحة ابنتهم ووصولها في الوقت المناسب، وهو ما يستهلك وقتها ويمنعها من ممارسة هوايات أخرى. لكن هذا العائق لم يثنِ تسنيم عن تحقيق حلمها، بل زادها إصرارًا وتحديًا.
وفي ختام اللقاء، استغل الأب عبد الستار، بصفته أستاذ رياضيات، الفرصة للتعبير عن حسرته لظاهرة عزوف التلاميذ النجباء عن شعب الرياضيات والعلوم الهندسية لصالح التخصصات الطبية. وعبر عن فخره بميول ابنته العلمية، متمنيًا أن تواصل طريقها نحو التألق في مجال الهندسة.
آلاء المنصوري.. عائدة بعد انقطاع 3 سنوات لتحتلّ الصدراة
وراء كل نجاح باهر قصة تحدٍّ، وقصة التلميذة آلاء المنصوري هي خير دليل على أن السقوط ليس نهاية المطاف، بل قد يكون دافعًا لقفزة أعلى. بعد ثلاث سنوات من الانقطاع عن الدراسة، عادت آلاء لتتصدر المشهد التعليمي وتحصد أعلى معدل في مناظرة السنة التاسعة أساسي تقني(14.52)على المستوى الوطني، لتثبت أن العزيمة قادرة على تذليل كل الصعاب.
لم تكن رحلة آلاء التعليمية مفروشة بالورود؛ ففي منتصف سنتها الدراسية بالثامنة أساسي (عام 2021)، اتخذت قرارًا صعبًا بمغادرة مقاعد الدراسة. لم يكن القرار نابعًا من ضعف في القدرات، بل كان نتيجة لضغوطات المراهقة، وعدم الشعور بالانتماء والارتياح في محيطها المدرسي ما أفقدها الشغف والرغبة في مواصلة التعلم.. تقول آلاء لـ"الترا تونس".

ورغم ابتعادها عن المدرسة، لم ينطفئ نور الطموح بداخلها. ظلت آلاء تبحث عن منفذ يعيدها إلى مسارها الصحيح، حتى وجدت ضالتها في "مدرسة الفرصة الثانية" مطلع عام 2024.
هناك، لم تجد مجرد فصول دراسية، بل وجدت بيئة حاضنة استمعت لمخاوفها وقدمت لها الدعم النفسي والبيداغوجي اللازم. بفضل توجيهات الأساتذة والمؤطرين، استعادت ثقتها بنفسها وتم توجيهها للالتحاق بالمدرسة الإعدادية التقنية برادس.
آلاء المنصوري لـ"الترا تونس": وجدتُ ضالتي في مدرسة الفرصة الثانية بعد انقطاع 3 سنوات.. يجب التحلي بالشجاعة لمراجعة الذات والعودة إلى مقاعد العلم. العمر لم ولن يكون يومًا عائقًا، والتدارك ممكن دائمًا
منذ عودتها، أعلنت آلاء عن انطلاقة جديدة، فتصدرت نتائج قسمها ومدرستها في السنتين الثامنة والتاسعة أساسي. وعن سر هذا التفوق الباهر، تؤكد آلاء لـ"الترا تونس" أنها لم تعتمد على الدراسة المرهقة ليل نهار، بل كان السلاح الأقوى هو التركيز العالي داخل القسم والاستيعاب الجيد لشرح الأساتذة.
إلى جانب المجهود الشخصي، كان للمحيط الداعم دور جوهري؛ فقد شكلت عائلتها السند الأكبر، وفرحت بنجاحها بشكل فاق التوقعات. كما كان لتشجيع أساتذتها وأصدقائها أثر بالغ في دفعها نحو التميز.
اقرأ/ي أيضًا: قصة ملهمة.. الأولى وطنيًا في مناظرة "النوفيام" التقني عادت بعد انقطاع لـ3 سنوات
لا تقف أحلام آلاء عند مناظرة التاسعة أساسي، بل تتطلع للعودة إلى مسار التعليم العام في المرحلة الثانوية. عينها الآن مصوبة نحو شهادة البكالوريا، التي تطمح لنيلها بتفوق، وتفكر جديًا في التخصص بمجال المحاسبة، تاركة الباب مفتوحًا لاكتشاف شغفها الأكاديمي في قادم السنوات.
لم تنسَ آلاء في غمرة فرحتها أولئك الذين يمرون بنفس التجربة التي عاشتها. ووجهت رسالة صادقة لكل من انقطع عن الدراسة: "يجب التحلي بالشجاعة لمراجعة الذات والعودة إلى مقاعد العلم. العمر لم ولن يكون يومًا عائقًا، والتدارك ممكن دائمًا.. فالمستوى التعليمي والثقافي هو السلاح الأقوى لبناء المستقبل".
قصتا تسنيم الشريف وآلاء المنصوري ليستا مجرد قصص نجاح دراسي عابر، بل هما نموذجان ملهمان للأجيال القادمة. تسنيم تثبت أن البيئة الداعمة وتنظيم الوقت والابتعاد عن المشتتات هي مفاتيح التفوق، بينما تؤكد آلاء أن العزيمة والإصرار يمكنان من تذليل أعتى الصعاب والعودة بقوة أكبر.
الكلمات المفتاحية

تزامنًا مع كل عودة جامعية.. السكن هاجس يلاحق الطلبة التونسيين
طالب يؤكد أن المبيتات الجامعية الحكومية تعاني بدورها من الاكتظاظ، وأن الطلبة جميعًا يعانون من أزمة السكن، خصوصًا مع الارتفاع الكبير والمخيف الذي تشهده أسعار الكراء في المدن المكتظة بينما تقف المبيتات الجامعية عاجزة عن استيعاب كل الطلبة، وفقه

العودة المدرسية 2026 – 2027 في تونس.. كيف يرافق الأولياء أبناءهم دون ضغط؟
تستعد العائلات التونسية لاستقبال العودة المدرسية 2026 – 2027، بعد عطلة صيفية طويلة غيّرت نسق الحياة اليومية داخل الأسر، من مواعيد النوم والأكل إلى ساعات استعمال الشاشات والخروج والسهر

العودة المدرسية 2026 – 2027 في تونس في أرقام
وزارة التربية أعلنت إنجاز انتدابات في مختلف الأصناف تقريبًا، بما في ذلك سلك الأساتذة، في وقت حذّرت فيه النقابات من تواصل تدهور المنظومة التربوية والنقص الفادح في الموارد البشرية

طقس تونس.. حرارة قصوى تصل إلى 35 درجة
أعلن المعهد الوطني للرصد الجوي أن طقس اليوم الثلاثاء 15 سبتمبر/أيلول 2026 سيتميز بسحب عابرة على..

طقس تونس.. سحب عابرة وأمطار متفرقة في بعض المناطق
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة تتراوح بين 26 و31 درجة بالشمال وجهة الساحل

طقس تونس.. الحرارة في استقرار مع أمطار متفرقة وغزيرة ببعض المناطق
معهد الرصد الجوي: الريح فتكون من القطاع الشمالي قوية نسبيًا قرب السواحل الشرقية وبالجنوب وضعيفة فمعتدلة ببقية الجهات

طقس تونس.. انخفاض في درجات الحرارة وأمطار رعدية في عدة جهات
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة تواصل الانخفاض، لتتراوح القصوى بين 23 و28 درجة بالشمال والمرتفعات





