بين إرساء مؤجّل وسؤال الاستقلالية.. قراءة في مشروع المحكمة الدستورية في تونس
20 فبراير 2026
رغم إقرار الدستور الجديد منذ صيف 2022، لم يصادق البرلمان إلى حدّ الآن على قانون ينظّم المحكمة الدستورية في ظلّ عدم تقديم رئيس الجمهورية مشروع قانون في الغرض في تأخّر غير مبرّر في استكمال إرسائها. وهو ما دفع نوابًا إلى تقديم مقترح قانون في جويلية/يوليو 2025 غير أنّ لجنة التشريع العام لم تنطلق في مناقشته إلا في فيفري/شباط 2026.
وتتطابق هيكلية مشروع القانون المعروض ومضامينه بوجه عامّ مع قانون المحكمة الدستورية لعام 2015 المصادق عليه تنزيلًا لدستور 2014. وهو تطابق يتقاطع مع تبنّي دستور 2022 أيضًا عمومًا لنفس التنظيم الدستوري لها في الدستور السابق مع اختلافين أساسيْن في التركيبة من جهة والمهام الخاصة من جهة أخرى.
ويظلّ السؤال حول مدى قدرة المحكمة المنتظرة، والتي يظهر أن السلطة التنفيذية غير متحمّسة لإرسائها، في أداء مهامها بكل استقلالية وحياد، وإن ما كانت سترى النور قريبًا؟
تركيبة قضائية بالأقدمية: هل الاستقلالية مضمونة؟
ينصّ المقترح على نحو ما فرضه دستور 2022 على تركيبة قضائية صرفة للمحكمة الدستورية إذ تتكوّن من تسع أعضاء بتفصيل أقدم ثلاث رؤساء دوائر في أعلى سلّم محاكم القضاء العدلي والإداري والمالي، وذلك على خلاف دستور 2014 الذي اعتمد على تركيبة مختلطة عبر تكوّنها من اثني عشر عضوًا، ثلاثة أرباعهم من المختصين في القانون. وتأسّس خيار الدستور السابق على اعتبار تأويل النص الدستوري وخاصة الأحكام المرتبطة بالمبادئ العامة والحقوق والحريات ليس مسألة تحتاج لخبرة قانونية صرفة، بل تحتاج أيضًا لخبرة في اختصاصات أخرى في المواد الإنسانية والاجتماعية كالفقه الإسلامي وعلم الاجتماع والتاريخ.
لم يصادق البرلمان التونسي إلى حدّ الآن على قانون ينظّم المحكمة الدستورية في ظلّ عدم تقديم رئيس الجمهورية مشروع قانون في الغرض في تأخّر غير مبرّر لاستكمال إرسائها، وهو ما دفع نوابًا إلى تقديم مقترح قانون في صيف 2025 ولم تنطلق مناقشته إلا في فيفري 2026
كما أن اعتماد معيار الأقدمية فقط يتعارض مع مبدأ الشرعية الانتخابية وتعدّد جهة التعيين في الدستور السابق الذي يمنح للبرلمان وللمجلس الأعلى للقضاء انتخاب أربعة أعضاء لكل هيكل منهما مع تعيين رئيس الجمهورية للأربعة المتبقين. وهو توزيع متساوٍ بين ممثلي السلط الثلاث يهدف لضمان الموازنة في التمثيلية في المحكمة. في حين أن معيار الأقدمية في الدوائر القضائية فقط يفتح الباب واقعًا لهيمنة جهة واحدة بحكم إمكانية التأثير في توزيع رؤساء الدوائر وترتيبهم حسب السن بما يمكّن من هندسة استباقية للمحكمة.
اقرأ/ي أيضًا: ما تداعيات غياب المحكمة الدستورية في تونس؟ أساتذة قانون يجيبون
ذلك أن معيار الأقدمية وإن كان ظاهرًا معيارًا موضوعيًا فهو ليس محايدًا متى كانت الجهة التي تشرف على الحركة القضائية لها اليد الطولى في نهاية المطاف. وهذه الجهة سواء كانت المجلس الأعلى للقضاء الذي لم ير بدوره النور اليوم أو السلطة التنفيذية في ظلّ واقع إدارة وزارة العدل للمسارات المهنية للقضاة العدليين بما يشمل قضاة محكمة التعقيب على وجه الخصوص. مع الملاحظة أن المرسوم عدد 11 المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء المؤقت منح لرئيس الدولة حق الاعتراض على التسمية بما يفتح الباب لدور مباشر لرئيس الجمهورية خاصة على مستوى رؤساء الدوائر المرجّح التحاقهم بالمحكمة الدستورية.
من جانب آخر، إن اعتماد معيار الأقدمية يظلّ مشوبًا بعيب إضافي وهو ما يفرضه من تغيير مستمرّ في تركيبة المحكمة بمجرّد بلوغ العضو لسن التقاعد وهو ما حاول الدستور نفسه التقليص من أثر هذا العيب عبر التنصيص أنه "إذا بلغ أحد الأعضاء سنّ الإحالة على التقاعد، يتم تعويضه آليًا بمن يليه في الأقدمية، على ألاّ تقل مدّة العضوية في كل الحالات عن سنة واحدة". غير أن ذلك يظلّ غير كافٍ، إذ يظل الباب مفتوحًا للتغيير الدوري في التركيبة بما يتعارض مع المدد المطوّلة المفترضة لأعضاء المحكمة في التجارب المقارنة، بل حتى في دستور 2014 الذي حدّد مدة العضوية بتسع سنوات كاملة. ذلك أن استقرار تركيبة المحكمة هو شرط لإنتاج فقه قضاء دستوري مستقرّ.
النظر في دستورية مشاريع القوانين والدفع بعدم الدستورية
نظّمت مبادرة المحكمة، في الأثناء، كيفية ممارسة اختصاصاتها وفي مقدمتها البت في دستورية مشاريع القوانين مع الملاحظة أن المبادرة عنونت القسم المنظم لهذا الاختصاص بـ"دستورية القوانين" وذلك في خلط بين دستورية المشاريع التي يمارسها البرلمان ورئيس الجمهورية من جهة ودستورية القوانين التي يمارسها الخصوم عبر الدفع بعدم الدستورية أمام المحاكم.
اعتماد معيار الأقدمية فقط في تركيبة المحكمة الدستورية يتعارض مع مبدأ الشرعية الانتخابية وتعدّد جهة التعيين.. كما أن اعتماد معيار الأقدمية يظلّ مشوبًا بعيب إضافي وهو ما يفرضه من تغيير مستمرّ في تركيبة المحكمة بمجرّد بلوغ العضو لسن التقاعد
وكان واضحًا عمومًا التأثر بقانون المحكمة لعام 2015 بوجه عامّ ولكن دون استنساخه بشكل كلّي خشية اعتبار أن نواب البرلمان الحالي تبنّوا نفس القانون الصادر قبل زهاء عقد. وهو ما يبدو أنه دفع لتخلّي المبادرة الحالية عن صيغة إمكانية طلب استعجال النظر في دستورية مشاريع القوانين، كتخلّيها عن تقنية التفكيك التي تمنح للمحكمة الدستورية فصل الأحكام في نفس المشروع لتحيل ما قضى بدستوريته دون ما قضي بعدم دستوريته.
وفي القسم المتعلق بالدفع بعدم الدستورية، لم تنصّ المبادرة على آلية رقابة أوليّة منصوص عليها في قانون 2015 الذي أنشأ لجنة خاصة للتثبت في مدى احترام مذكّرة الدفع بعدم الدستورية لموجباتها الشكلية والإجرائية، وذلك لضمان عدم إثقال كاهل المحكمة بدفوعات مختلّة. كما لم تنصّ المبادرة على خصوصية الدفع بعدم دستورية القوانين المتعلّقة بالانتخابات والتي أقرّ قانون 2015 أن قرار المحكمة بعدم دستوريتها يتعلق بحق الطاعن فقط دون سواه.
اقرأ/ي أيضًا: مختصون في القانون: دستور 2022 يمثل انتكاسة والبيئة السياسية قائمة على الترهيب
وكان ملاحظًا أن المبادرة بخصوص الدفع بعدم الدستورية قد قلّصت الأجل الأقصى للبت من 6 أشهر في قانون 2015 إلى 3 أشهر في مقترحها، وهو أجل قد يبدو قصيرًا خاصة في ظلّ عدم إحداث لجنة رقابة أوليّة على مذكرات الدفع بعدم الدستورية، وخاصة أيضًا في ظل التقليص في عدد أعضاء المحكمة نفسها من 12 عضوًا إلى 9 أعضاء.
شغور منصب رئيس الجمهورية: المسكوت عنه
سكت مقترح قانون المحكمة، في جانب آخر، عن تنظيم دورها في حالة شغور منصب رئيس الجمهورية، سواء بصفة مؤقتة أو دائمة. والحال أنّ دستور 2022 ينصّ على أنّه عند الشغور النهائي لمنصب رئيس الجمهورية، يتولّى رئيس المحكمة الدستورية مهام الرئاسة بصفة مؤقتة، دون أن يحدّد الجهة المختصّة بمعاينة هذا الشغور أو إقراره. ويختلف ذلك عمّا كان عليه الأمر في دستور 2014 الذي خوّل للمحكمة الدستورية صلاحية إقرار الشغور المؤقت، في صورة تعذّر تفويض رئيس الدولة لصلاحياته إضافة إلى صلاحية إقرار الشغور النهائي.
تأخّر إرساء المحكمة الدستورية يظلّ محفوفًا بمخاطر فراغ دستوري باعتبار أنّ رئيسها هو الذي يتولّى مهام الرئاسة بصفة مؤقتة في حالة الشغور الدائم لمنصب رئيس الجمهورية. كما أن غيابها يجعل رئيس الجمهورية يحتكر سلطة تأويل الدستور بمفرده بما يعزّز من سطوته في نهاية المطاف
ورغم أنّ دستور 2022 لم ينصّ صراحة إلا على دور رئيس المحكمة في تعويض رئيس الجمهورية عند الشغور النهائي، فإنّه تعمّد عدم تحديد الجهة التي تقرّر هذا الشغور، وهو فراغ كان يمكن لقانون المحكمة الدستورية سدّه، خاصة وأنّ رئيسها هو الذي يتولّى مهام الرئاسة المؤقتة. ومن باب أولى، يفترض أن تكون المحكمة نفسها هي الجهة المختصّة بإقرار الشغور. كما يمكن إسنادها صلاحية معاينة الشغور المؤقت في صورة عدم قدرة رئيس الدولة على تفويض صلاحياته لرئيس الحكومة منعًا لأي فراغ دستوري.
لكن هل ترى المحكمة النور؟
يظلّ السؤال المطروح، في النهاية، ما إذا كانت المحكمة الدستورية سترى النور في ظلّ مؤشرات عدم مبادرة السلطة التنفيذية، وتحديدًا رئاسة الجمهورية، إلى استكمال مسار إرسائها، من خلال عدم تقديم مشروع قانون ينظّمها. ويزداد هذا التساؤل وجاهة بالنظر إلى أنّ استكمال تركيبتها يبدو ميسّرًا، خاصة مع اعتماد معيار الأقدمية في اختيار أعضائها من رؤساء الدوائر القضائية. ذلك أن تأخّر إرساء المحكمة يظلّ محفوفًا بمخاطر فراغ دستوري باعتبار أنّ رئيسها هو الذي يتولّى مهام الرئاسة بصفة مؤقتة في حالة الشغور الدائم لمنصب رئيس الجمهورية. كما أن غيابها يجعل رئيس الجمهورية يحتكر سلطة تأويل الدستور بمفرده بما يعزّز من سطوته في نهاية المطاف.
الكلمات المفتاحية
مبادرة تشريعية لتنفيذ أحكام القضاء.. سؤال النجاعة والمبدئية في آن
تحتاج معالجة معضلة عدم تنفيذ أحكام القضاء لمقاربة مركّبة يعدّ النص القانوني جزءًا منها بما في ذلك النص الجزائي، فيما تظلّ عوامل أخرى رهينة الإرادة السياسية والإصلاح الإداري..
ثلاث سنوات دون مجالس بلدية.. كلفة متصاعدة في تونس
يظلّ السؤال اليوم، في نهاية المطاف، هل سنرى يومًا ما قانونًا للبلديات يضمن مبادئ اللامركزية والديمقراطية المحلية ويعيد الاعتبار للبلديات؟ وهل ستُجرى قريبًا انتخابات بلدية تنافسية وشفافة ونزيهة، على خلاف مناخ إجراء الانتخابات التشريعية والرئيسية؟
قضاة جدد خارج الحركة القضائية.. الاستثناء الذي أصبح قاعدة في تونس
تتكرّر مجدّدًا تسمية القضاة الجدد خارج الحركة القضائية السنوية التي المفترض أن يعدّها المجلس الأعلى للقضاء قبل إحالتها لرئيس الجمهورية لختمها، بعد صدور أمر رئاسي يقضي بتسمية الملحقين القضائيين المتخرّجين من المعهد الأعلى للقضاء بعدد من المحاكم،
تهديدات بالقتل تطال حمة الهمامي وآخرين.. استنكار واسع لتصاعد خطاب الكراهية في تونس
الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان: مقاومة خطاب الكراهية والتحريض على العنف ليست خيارًا سياسيًا، بل هي واجب قانوني وأخلاقي، وأن التساهل مع هذه الممارسات يمثل تهديدًا مباشرًا للديمقراطية وللحق في الحياة
منظمات: مذكرة التفاهم مع الاتحاد الأوروبي أجّجت انتهاكات حقوقية جسيمة في تونس
قالت 47 منظمة حقوقية وإنسانية، في بيان مشترك صدر اليوم، الخميس 16 جويلية/يوليو 2026، إن "على الاتحاد الأوروبي ..
طقس تونس.. أجواء حارة وبحر قليل الاضطراب
أفاد المعهد الوطني للرصد الجوي بأن طقس تونس يوم الخميس 16 جويلية/يونيو 2026، سيكون..
كيف علّق وزير طاقة سابق على إجراء القطع المتعمَّد للكهرباء في تونس؟
منجي مرزوق: تونس تُعد نموذجًا جيدًا لدولة حققت وصولاً شبه شامل للكهرباء، لكنها ما زالت تلجأ إلى تخفيف (تقنين) موسمي ومحدد النطاق للكهرباء