بن عمّو مؤلف

بن عمّو مؤلف "عام الفزوع": شوقي الماجري أراد تزييف تاريخ "بن غذاهم" (حوار)

2403 مشاهدة
حسنين بن عمّو من القلائل في تونس المختصّين في الكتابة الروائية التاريخية

الكتابة الإبداعية ذات الخلفية التاريخية تعتبر من أعسر أجناس السرد، وتتمثل مرتكزاتها الأساسية في القدرة على انتقاء الفترة التاريخية ذات الأحداث الهامة وتخير الشخصيات المؤثرة في سير أحداث تلك الفترة، أما هامش التخييل فهو إبحار في التفاصيل المحيطة بالأحداث والشخصيات الحقيقية المذكورة في ذاك الحيز الزمني الذي يشتغل عليه الكاتب.

ويُعتبر الكاتب اللبناني جرجي زيدان من الكتّاب الذين أسسوا لهذا النوع من الكتابة لكن قلة قليلة من الكتّاب اللذين سلكوا دربه وواصلوا إغراق المكتبة العربية بالرغم من أن التاريخ العربي حافل بالأحداث والشخصيات.

فيما يُعتبر الكاتب والروائي حسنين بن عمّو من القلائل في تونس الذين غامروا باختيار درب الكتابة الروائية التاريخية، إذ اشتغل على حقب عديدة لكنه اختص في عهد "الدولة الحفصية" التي أسّسها أبو زكرياء الحفصي والدولة الحسينية التي أسّسها حسين بن علي في عهد الإمبراطورية العثمانية، وكذلك في فترة الاستعمار الفرنسي لتونس.

 الكاتب والروائي حسنين بن عمّو هو من القلائل في تونس المتخصّصين في الكتابة الروائية التاريخية وتحديدًا حول العهد الحفصي والحسيني وقد قدم عديد الروايات والإنتاجات الإذاعية

وأصدر بن عمّو عدة روايات ارتبطت بهذه الحقب التاريخية من بينها "باب العلوج"، و"حجّام سوق البلاط"، و"باب الفلّة "، و"الكرّوسة"، و"رحمانة"، و" قطار الضاحية"، و"فرسان السراب"، و"الموريسكيّة". وتم نشر أغلب هذه الإنتاجات بصفة متسلسلة في الصحافة التونسية منذ ثمانينيات القرن الماضي ومنها ما حولته الإذاعة التونسية إلى أعمال درامية إذاعية على غرار "باب العلوج" و"رحمانة".

وآخر إصداراته هي رواية جديدة بعنوان "عام الفزوع" نشرها خلال الأيام الماضية تتحدث عن فترة ثورة علي بن غذاهم سنة 1864 إبان حكم الصادق باي. التقى "الترا تونس" بالكاتب حسنين بن عمو وكان هذا الحوار:


  • قرابة أربعة عقود قضاها حسنين بن عمّو في كتابة الرواية التاريخية، لماذا أنت الوحيد الذي يكاد يتفرد بهذا النوع من الكتابة في تونس؟

الكتابة الروائية ذات الخلفية التاريخية تتطلب دراية بعالم الرواية وأساليب وفنون كتابتها، ومن جهة ثانية تتطلب شغفًا بقراءة التاريخ وتأمله بعين أخرى غير عين المؤرخ بل قد تكون عين السينمائي، لأن السينما من عناصر قوتها أنها تلتقط التفاصيل المنسية وتوظفها. إن الكاتب المختص في هذا النوع من الكتابة مطالب بهذه التوليفة مع قدرته الفائقة على التخييل الذي يخدم الأحداث الرئيسية الحقيقية وبالتالي تتم مخاتلة القارئ بطريقة آسرة فينغمس في التشويق إلى درجة تصديق كل ما يقدم له.

وبالتالي هناك صعوبة ما في كتابة هذا النوع من الروايات لأن له أدبياته إضافة إلى وجوب توفر اهتمام خاص من قبل الكاتب بالتاريخ وتفاصيله لذلك لا نجد كتّابًا متأصلين في هذا النوع باستثناء قلة قليلة على غرار الكاتب عبد الواحد براهم الذي اشتغل على الحقبة الاستعمارية وأنجز روايات هامة.

اقرأ/ي أيضًا: الأعمال الفنية التاريخية: تحريف للتاريخ أو وسيلة لتعميمه؟

  • بُثّ خلال شهر رمضان المنقضي مسلسل "تاج الحاضرة" وهو عمل يشتغل على نفس الحقبة التاريخية التي اهتممت بها لعقود، لماذا لم يتصل بك المخرج سامي الفهري وخير التواصل مع رضا قحّام؟

لنتفق منذ البداية أن رضا قحام ليس كاتبًا أو روائيًا هو يشتغل بالسيناريو فقط. وقد دعاه سامي الفهري لأن هذا الأخير هو تاجر متمرس ويزعم أنه يعرف كل شيء ولا يريد كاتبًا يزعجه ويناقش معه كل التفاصيل خاصة وأن هذا النوع من الأعمال يقوم على التفاصيل.

  • لكن هذا المسلسل الذي كتبه قحّام إنشدّ إليه الناس الذين كانوا متعطّشين إلى تاريخهم وقد نجح في ذلك، ما رأيك؟

لا أخفيكم سرًا ورضا قحام يعرفه وهو أنه في سنة 1999 وبعد نجاح أعمالي بالإذاعة الوطنية اتصل بي مدير عام الاذاعة والتلفزة حينها فتحي الوهيدي واقترح عليّ أن ننجز أعمالًا للتلفزة التونسية. واتفقنا فعلًا أن نعدّ 45 حلقة تتوزع على حكم ثلاث بايات وهم أحمد باي والتركيز في فترته على تحرير الرق، ومحمد باي والتركيز في فترته على دستور عهد الأمان، والصادق باي والتركيز في فترته على ثورة علي بن غذاهم.

لكن مدير القنوات التلفزية في ذلك الوقت عبد الله عمامي، وهو أحد أذرع المستشار الرئاسي السابق زمن بن علي عبد الوهاب عبد الله، أقبر المشروع. إذ كان يتدخل في جلساتي معه في سير الأحداث التاريخية الخاصة بالعمل، فأمرني بأن لا أذكر اليهود بسوء كما قال حرفيًا: "أخطانا من حكاية الرق.. عندنا طلبة أفارقة يقراو في تونس ينجم الموضوع يثير بعض الحساسيات مع دولهم". وأنجزنا حوالي خمس حلقات تجريبية، وكان رضا قحام سيعالج معي السيناريو باقتراح من عبد الله عمامي، لكن شعرت أن هذا العمل لن يرى النور.

حسنين بن عمّو لـ"الترا تونس":كنت سأعدّ عملًا تلفزيًا حول البايات ولكن المشروع ظل ينتظر التأشيرة السياسية زمن بن علي حتى تمّ نسفه والتلفزة التونسية تتحمّل المسؤولية أيضًا بسبب بيروقراطيتها

فإلى جانب البيروقراطيات بإدارة التلفزة التونسية والحديث المطول عن التكلفة، ظل المشروع تنتظره التأشيرة السياسية من القصر الرئاسي وفعلًا تم نسف المشروع في النهاية. لكن يبدو أن رضا قحام عاد إليه مع سامي الفهري، وأقرّ أن مسلسل "تاج الحاضرة" أعجبني.

  • وما الذي لم يعجبك في "تاج الحاضرة"؟

لي مؤخذات على "الكاستينغ " إذ كان على المخرج أن يأتي بوجوه جديدة بالنسبة للشخصيات المركزية لا أن يستدعى نفس ممثلي مسلسل "أولاد مفيدة"، فجمهور المتلقين لا ينسي بسهولة ادوارهم القديمة. هناك أيضًا شخصيات تاريخية صغيرة في السن وقام بأدوارها ممثلون كبار في السن، وهذا في اعتقادي خطأ جسيم.

كذلك لم يعط المسلسل شخصية أحمد باي حقها كاملًا، فهذا الباي دون غيره من البايات كان تقدميًا إلى أبعد الحدود وكان شخصية عنيدة ومنغلقة وله موافق صلبة وأراء مفاجئة، وهذا هذا لم نلمحه كثيرا في" تاج الحاضرة ".

حسنين بن عمّو لـ"الترا تونس": مسلسل "تاج الحاضرة" أعجبني ولكنه لم يعط شخصية أحمد باي حقّها وكان على المخرج تقديم وجود جديدة للشخصيات المركزية

وتتمثل الملاحظة الهامة الأخرى في الغياب الواضح لدور المثقف التونسي في الحياة الاجتماعية وعلاقته بالسلطة والدور الذي نهض به داخل المدرسة الحربية التي كانت تضاهي أكبر الجامعات في عصرها، فشخصية مثل الشيخ محمود قبادو كانت غائبة تمامًا في حين أن لها دور رئيسي في تأسيس المدرسة الحربية بباردو.

  • صرحت في أكثر من مرة أن فترة الدولة الحفصية هي الأقرب إلى هواك الابداعي وأغلب كتبك ورواياتك تتعلق بها، لكنّنا نراك تنغمس في العهد الحسيني وأصدرت هذه الأيام رواية جديدة عنوانها "عام الفزوع"؟

صحيح أنا أعشق الفترة الحفصية وقرأت واطلعت على وثائق أصلية تتعلق بتلك الفترة، زد على ذلك أن مدينة تونس التي بنيت في تلك الفترة مازالت معالمها واضحة وكل نهج بها يروى قصة برمّتها.

أما بخصوص الرواية الجديدة "عام الفزوع" فأحداثها تتعلق بفترة حكم الصادق باي وخاصة ملابسات ثورة على بن غذاهم التي انطلقت من قبيلة ماجر بالوسط الغربي التونسي والتلاعبات السياسية التي حصلت وظروف إخماد هذه الثورة والشخصيات المؤثرة التي لم يلتفت إليها التاريخ. وفي حقيقة الأمر، فإن مادة هذه الرواية متوفرة لدي منذ سنوات وهي مغرية إلى حد بعيد لذاك وجدت نفسي في "عام الفزوع".

شهدت رواية "عام الفزوع" رواجًا كبيرًا في المكتبات التونسية

  • كأنك تشير إلى مشروعك مع المخرج التونسي المقيم في سوريا شوقي الماجري بخصوص شريط سينمائي حول شخصية الثائر علي بن غذاهم، والذي راج أنكما ستنجزاه معًا خاصة بعد اللقاءات المتكررة التي جمعتكما بحضور المنتج نجيب عياد؟

المخرج التونسي الشهير شوقي الماجري أحد بناة الدراما السورية من حقه أن ينجز شريطًا سينمائيًا حول "جده" على بن غذاهم لكن ليس من حقه تزييف التاريخ.

فعلًا كانت هناك اتصالات وجلسات عمل مع الماجرى حضرها المنتج التونسي نجيب عياد الذي أعتبره ابن ميدان ومتمرس، وقد جهّزت المادة التي سننطلق منها نحو الشريط لكن الماجرى طلب مني تحويرات تمس من الحقيقة التاريخية لإظهار بن غذاهم "سوبر" بطل في حين أن هذه الشخصية ضعفت أمام إغراءات السلطة وتم التغرير بها والتغرير بالمحيطين به. كما كانت لشوقي الماجري تدخلات أيضًا في إبراز أحداث دون غيرها تتعلق بتلك الفترة، وهنا اختلفت معه فأنا لا أزيف التاريخ ولا أحوّره لدواعي ابداعية أو لغايات تجارية، فالتاريخ نفسه سيحاسبنا عما فعلنا به.

حسنين بن عمّو لـ"الترا تونس": المخرج شوقي الماجري أراد تزييف التاريخ حينما طلب مني تحويرات تمسّ من الحقيقة التاريخية في الشريط السينمائي حول ثورة علي بن غذاهم 

وقد أعدت الاشتغال على هذه المادة مجددًا وأصدرت رواية "عام الفزوع" التي عرفت هذه الأيام رواجًا كبيرًا في المكتبات.

  • ما لا يعرفه القراء هو أن الكاتب حسنين بن عموّ يتقن فنّ الرّسم، ما قصّتك مع الفرشاة والألوان؟ 

قصتي مع الرّسم انطلقت منذ سبعينيات القرن الماضي حيث أقمت ثلاثة معارض سنوات 1972 و1974 و1976 وهي في اعتقادي تعتبر الفترة الذهبية للفن التشكيلي التونسي وقد كنت حينها أجاري كبار الرسامين في تونس. لكني انقطعت بعد أن شغلتني الحياة الاجتماعية وتفرغي للكتابة الروائية التاريخية وإنتاجي لمسلسلات درامية بالإذاعة الوطنية. ولكن عدت للرسم والمعارض سنة 2009 حيث أقمت برواق "بلال" بالعاصمة معرضا تأليفيًا احتوى 51 لوحة تلخص تجربتي مع الفرشاة والألوان.

  • كيف يوفّق حسنين بن عمو بين عالمين إبداعيين؟

الذات الابداعية واحدة وتحويل الواقع إلى فنّ قد يتطلب عدة أدوات، وشخصيًا أراوح بين الرسم والكتابة دون أن أجد أية صعوبة في التنقل بين عالمين مختلفين. كما أشير هنا إلى أن رسوماتي لا علاقة لها بالتاريخ، أنا أرسم أحاسيس أخرى بتقنيات مختلفة.   

 

اقرأ/ي أيضًا:

"تاج الحاضرة": التاريخ والدراما أو وجه واحد لعُملتين مختلفتين

"شورّب".. بين قسوة الواقع الاجتماعي وقسوة الدراما التلفزية