"باقون ما بقي الزيتون".. قصة تونسي يقود مبادرة استثنائية لتشجير أراضٍ في غزة
14 أغسطس 2026
يقود الأستاذ الجامعي التونسي عماد الرمضاني مبادرة استثنائية تهدف لإعادة الحياة إلى القطاع الزراعي في غزة، من خلال تمويل مشاريع لتشجير المناطق المتضررة واستصلاحها، إلى جانب العمل على إعادة تنشيط قطاع تربية الدواجن والنحل، وذلك بعد نحو عامين من حرب طالت البشر والحجر والشجر وخلّفت دمارًا واسعًا.
ولم تكن مبادرة غراسة الأشجار بالنسبة إلى المزارعين في غزة مجرد مساعدة عابرة، بل أعادت إليهم الأمل في أن أرضهم ما تزال قادرة على الإنتاج وتوفير الغذاء، ما دام الاحتلال يحاصرهم ويمنع عنهم الغذاء السليم ويدمر ممتلكاتهم بشكل ممهنج.
فبعد أن تحولت مئات الهكتارات في حي الزيتون إلى أراضٍ غير صالحة للزراعة بفعل الحرب، عاد عشرات الفلاحين اليوم إلى استغلال أرضهم وإنتاج غذائهم، وغرس الأشجار فيها، ولا سيما شجرة الزيتون التي كانت ولا تزال شاهدة على صمود الشعب الفلسطيني.

من بين الركام.. أشجار تُزرع وأمل ينبت
وتُموّل المبادرة من تبرعات يقدمها آلاف المتضامنين مع الشعب الفلسطيني، ويشرف عليها من الخارج الأستاذ التونسي عماد الرمضاني، الذي حرص منذ بداية الحرب، بل وحتى قبلها، على دعم الطلبة والمزارعين والباحثين عن فرص تتيح لهم الصمود في قطاع مدمّر ومحاصر ومجوّع. أما داخل غزة، فتُنفذ المبادرة بإشراف مؤسسة "الجود".
وعن المبادرة، يقول عماد الرمضاني لـ"الترا تونس" إنه أطلق منذ فيفري/شباط الفائت حملة لتشجير الأراضي في حي الزيتون الواقع في الجنوب الشرقي لقطاع غزة، بعد تعرض مساحات زراعية واسعة فيه لدمار هائل وغير مسبوق جراء الحرب.
يقود التونسي عماد الرمضاني مبادرة استثنائية تهدف لإعادة الحياة إلى القطاع الزراعي في غزة، من خلال تمويل مشاريع تشجير المناطق المتضررة وتنشيط قطاع تربية الدواجن والنحل، وذلك بعد نحو عامين من حرب خلّفت دمارًا واسعًا
ووفق الرمضاني، فقد تمكنوا خلال فترة قصيرة من غراسة مئات الأشجار المثمرة، من بينها نحو 1300 شجرة زيتون وأشجار الليمون والجوافة، إضافة إلى زراعة الخضروات الموجهة للاستهلاك اليومي مثل الملوخية والفلفل، إلى جانب زراعة علف الحيوانات.
ويؤكد الأستاذ الجامعي التونسي، الذي يعمل ويقيم في إسكتلندا، أن المبادرة استفاد منها حتى الآن نحو 55 فلاحًا من حي الزيتون وجباليا، مشيرًا إلى أن الهدف لا يقتصر على دعم المزارعين لاستعادة نشاطهم الزراعي، بل يتجاوز ذلك إلى المساهمة في تثبيت الغزيين في أرضهم، في مواجهة مخططات التهجير القسري التي تستهدف أبناء القطاع.

غزيون باقون ما بقي الزيتون
ولم تكن عملية شراء المشاتل ونقلها وغراستها والعناية بها أمرًا سهلًا في ظل الحصار والقصف اليومي الذي يعيشه القطاع، لكن عزيمة المزارعين وإصرارهم على استعادة أرضهم بدت أقوى من كل العوائق والحواجز، وكأنهم يجسّدون مقولة محمود درويش "باقون ما بقي الزعتر والزيتون" بكل ما تحمله من معنى.
في ذات السياق، يقول الرمضاني إنهم تمكنوا من شراء جميع المشاتل من داخل قطاع غزة، حيث بلغ سعر شجرة الزيتون، على سبيل المثال، نحو 40 شيكلًا، كما جرى إنشاء شبكة كهرباء لتشغيل الآبار وتأمين المياه اللازمة لريّ المزروعات.
وأكد أنه تم توفير المياه لنحو 15 فلاحًا مجانًا إضافة إلى شراء مستلزمات وأنظمة ريّ كاملة لفلاحين آخرين، ما مكّنهم من العناية بمشاتلهم وريّها وإنجاح الموسم الزراعي، الأمر الذي ساهم، في زيادة المعروض وتراجع أسعار بعض الخضروات في أسواق قطاع غزة، وفقه.
وأوضح الرمضاني أن المنطقة تحولت اليوم إلى مساحة زراعية خضراء وممتدة، عادت إليها الحياة وعاد إليها أصحابها، مشيرًا إلى أن بعض العائلات من بدو غزة انتقلت للعيش بالقرب من حي الزيتون، حيث عملت المبادرة أيضًا على توفير خط مياه لهم.
الأستاذ الجامعي التونسي عماد الرمضاني لـ"الترا تونس": المبادرة استفاد منها حتى الآن نحو 55 فلاحًا من حي الزيتون وجباليا.. وخلال فترة قصيرة تمكننا من غراسة نحو 1300 شجرة زيتون وأشجار الليمون والجوافة، إضافة إلى زراعة الخضروات
كما أكد أنه، إلى جانب استصلاح نحو 90 دونمًا من الأراضي (نحو 9 هكتارات) وغراسة الأشجار المثمرة وزراعة الخضروات، جرى تشجيع عدد من الفلاحين على تنويع أنشطتهم الزراعية، من خلال تربية الدواجن، ولا سيما طائر السمان، إلى جانب تربية النحل.
وأوضح الرمضاني أن شمال قطاع غزة لم يعد فيه أي نشاط لتربية النحل بعد أكثر من عامين من الحرب، فعمل المشرفون على المبادرة على شراء خلايا نحل وتوزيعها على المزارعين، ليتمكنوا اليوم من إنتاج العسل للاستهلاك والبيع، في خطوة تعكس إصرار الغزيين على استعادة مقومات الحياة الكريمة رغم ظروف الحرب والحصار.

وفي تقييمه لمدى نجاح الشتلات التي جرى غرسها، ولا سيما الأشجار المثمرة، أكد الرمضاني أن أشجار الزيتون نمت بشكل سليم، مشيرًا إلى أن الهدف هو إنجاح هذه الزراعات وضمان استدامتها، بما يحولها مع الوقت إلى مصدر للغذاء ومورد رزق بالنسبة إلى المزارعين.
ويشرف عماد الرمضاني أيضًا على عشرات المشاريع الأخرى الموجهة لدعم الطلبة والباحثين والأطباء، من بينها توفير منصات للطلبة وفضاءات للمراجعة والتعلم، إلى جانب تجهيز عدد من المدارس ورياض الأطفال. ويؤكد أنهم يحاولون مواصلة هذه المشاريع رغم تعرض مقراتهم للقصف من قبل الاحتلال في أكثر من مناسبة.
وتعمل نحو 12 منظمة قانونية مسجلة في السجل التجاري الفلسطيني على تنفيذ هذه المشاريع ميدانيًا وتحويلها من مبادرات إلى واقع ملموس، وفق الرمضاني، الذي يؤكد أن هذه المؤسسات أُنشئت لتستمر في تقديم الدعم لآلاف الأشخاص الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة ظروف قاسية بعد تدمير البنية التحتية والمدارس والجامعات والفضاءات التربوية.
الأستاذ الجامعي التونسي عماد الرمضاني لـ"الترا تونس": شمال قطاع غزة لم يعد فيه أي نشاط لتربية النحل بعد أكثر من عامين من الحرب.. وقد جرى تشجيع عدد من الفلاحين على تنويع أنشطتهم الزراعية، من خلال تربية الدواجن، ولا سيما طائر السمان، إلى جانب تربية النحل
ويقول الرمضاني: "نحن مستمرون في دعمهم ما دامت هناك إمكانية لذلك، وهذه المشاريع ليست سوى أمثلة ونواة يمكن البناء عليها لجذب اهتمام المنظمات الدولية لدعم شعب عانى من ويلات الحروب والدمار والتهجير".
ويضيف: "نؤمن بأن العمل الجاد والتمسك بالأرض قادران على إحداث فرق، ولذلك يجب أن تكون هذه المبادرات مستدامة وقادرة على الاستمرار لسنوات، لا أن تظل مجرد مبادرات ظرفية أو مؤقتة".
يُشار إلى أن وزارة الزراعة الفلسطينية كشفت في تقرير لها عن دمار واسع طال القطاع الزراعي في غزة جراء الحرب الإسرائيلية، مشيرة إلى أن نسبة الأضرار تجاوزت 85% في معظم القطاعات الإنتاجية، فيما قُدّرت الخسائر الإجمالية بنحو 3.5 مليارات دولار.

كما أفادت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) بأن أكثر من 80% من إجمالي مساحة الأراضي الزراعية في قطاع غزة تعرضت لأضرار، فيما أصبحت 77.8% منها غير متاحة للمزارعين.
وأكدت المنظمة أن الزراعة كانت تمثل، قبل الحرب، نحو 10% من اقتصاد غزة، بينما كان أكثر من 560 ألف شخص يعتمدون كليًا أو جزئيًا على زراعة المحاصيل أو الرعي أو صيد الأسماك في تأمين سبل عيشهم.
ويأمل عماد الرمضاني والمتضامنون مع الشعب الفلسطيني أن تستعيد غزة قدرتها على الإنتاج الزراعي كما كانت قبل الحرب، بما يساهم في توفير فرص عمل وتأمين الغذاء للسكان، ويخفف من مخاطر المجاعة وسوء التغذية في ظل الحصار المفروض على القطاع من قبل الاحتلال الإسرائيلي.

الكلمات المفتاحية

فاتورة الظلام.. عندما يدفع الفلاحون وصغار المهنيّين ضريبة العجز الطاقي
لم يعد القطع المتكرر للتيار الكهربائي في عدة مناطق تونسية مجرد إزعاج عابر يثير تذمر المواطنين في بيوتهم، بل تحوّل إلى نزيف اقتصادي يومي يُهدّد بإفلاس مئات الحرفيين وصغار المستثمرين

قرض جديد بـ500 مليون دولار يثير الجدل في تونس.. هل سيموّل الاستثمار أم الاستهلاك؟
كانت وزيرة المالية التونسية مشكاة سلامة قد أكدت أمام البرلمان أنّ هذا القرض يندرج في إطار التمويل مباشرة في إطار تعبئة الموارد الخارجية المبرمجة صلب قانون المالية. وشددت على أنّ القرض ليس استهلاكيًا.. وهو ما ينفيه مختصون ونواب بالبرلمان

تعليق التداول في بورصة تونس.. إجراء وقائي أم مؤشر خطر؟
تساؤلات عديدة في الساحة المالية والاقتصادية في البلاد، خاصة حول أسباب اتخاذ قرار تعليق التداول في بورصة تونس وتداعياته المحتملة.. فما رأي المختصين؟

بعد أن جرفتهما السيول.. العثور على جثمانيْ أب وابنه بالمتلوي
شارك الأهالي في عملية البحث والتمشيط المتواصلة منذ يومين، بمعية فرق الحرس الوطني والحماية المدنية وأعوان الغابات وجميع المتطوعين

طقس تونس.. حرارة قصوى تصل إلى 35 درجة
أعلن المعهد الوطني للرصد الجوي أن طقس اليوم الثلاثاء 15 سبتمبر/أيلول 2026 سيتميز بسحب عابرة على..

طقس تونس.. سحب عابرة وأمطار متفرقة في بعض المناطق
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة تتراوح بين 26 و31 درجة بالشمال وجهة الساحل

طقس تونس.. الحرارة في استقرار مع أمطار متفرقة وغزيرة ببعض المناطق
معهد الرصد الجوي: الريح فتكون من القطاع الشمالي قوية نسبيًا قرب السواحل الشرقية وبالجنوب وضعيفة فمعتدلة ببقية الجهات



