بائع الورد الصغير.. طفل يبيع الحب ويشتري

بائع الورد الصغير.. طفل يبيع الحب ويشتري "الموت"

972 مشاهدة
الطفل الصغير انقطع عن دراسته من أجل إعالة عائلته

وأنا أتأمل فسقية الأغالبة الممتدة بثقلها التاريخي والحضاري وأرقب حركة الماء الراكد فيها، لم يخطر ببالي أنني سأصادف طفلًا يبيع الحب والحلم ويشتري بثمنهما "موته"!

"تشري وردة" أنهت هذه الكلمات سفرتي عبر الزمن ووجدتني وجهًا لوجه مع طفل يحضن سلّة مصنوعة من القصب تتربع فيها ورود بلون الدم. طفل بعمر الورد، وأمثاله كثر، يبيع الورد ويبيع معه أحلامه البريئة التي تبعثرت على امتداد فسقية الأغالبة، حيث اعتاد جسده الصغير أن يحمل سلة الورد وهمومه الكبيرة.

"تشري وردة" أنهت هذه الكلمات سفرتي عبر الزمن ووجدتني وجها لوجه مع طفل يحضن سلّة مصنوعة من القصب تتربع فيها ورود بلون الدم

علت محياه مسحة من الشجن زادته سنوات من العمر فبدا كهلًا بجسم طفل، تقاسيم وجهه تروي حكايات وحكايات وفي عينيه أسرار لا تعرفها الا ابتسامته الحزينة. لم يمهلني الطفل كثيرًا من الوقت لأتفحّص ملامحه، فقد أدبر وولى وجهه شطر تجمع من زوار بركة الأغالبة علّهم على الأقل يجيبونه بالرفض أو القبول ولا تشخص أعينهم وتسكت ألسنتهم مثلما فعلتُ.

أمضيتُ بعض الوقت واجمة وأنا أحاول أن أتقمّص دور الفتى بائع الورد فلم أحتمل فكرة أن يُعرض عني أحدهم ويتعامل معي بتعال، فكان أن لحقتُ بالفتى الذي لم يكن يلحّ على المارة ليشتروا وروده. كان يأخذ الوردة من بين أخواتها ويعرضها عليك فإن لم ترغب في شرائها يعيدها إلى قلب السلة ولا يترك يده ممدودة.

اقرأ/ي أيضًا: الاستغلال الاقتصادي.. آفة الطفولة في تونس

شمس القيروان حارقة يومها، ويبدو أنّها قد أعيت الفتى الذي ألقى بجسده الصغير على إحدى السّلالم، لم أتردّد كثيرًا وجلستُ قبالته وأخبرته أنني سأشتري وردة وتحدّثنا قليلًا عن الظروف التي جعلته يمتهن بيع الورد في هذه السن.

اسمه سيف، ولكل من اسمه نصيب، ويبدو أن سيفًا قطف رؤوس أحلامه قبل أن تينع وغادر مقاعد الدراسة واختار بيع الورد مهنة. يبلغ من العمر ثلاثة عشر سنة، لم ينه سنته الرابعة في التعليم الابتدائي، ومنذ ذلك الوقت وهو يركض بين ثنايا المعالم الأثرية ليظفر ببعض الدنانير.

وأنا أتحدّث إليه كانت عيناي تتجوّل بين عينيه المليئة بالكلمات وابتسامته الحزينة التي سرعان ما يبتلعها وثقب حذائه الرياضي. ثقب حذائه بدا لي حينها كثقب في قلب الدولة يبتلع أحلام طفولة يتقاذفها الاستغلال الاقتصادي والحيف الاجتماعي.

ثقب حذائه بدا لي حينها كثقب في قلب الدولة يبتلع أحلام طفولة يتقاذفها الاستغلال الاقتصادي والحيف الاجتماعي

لم أفكّر كثيًرا وأنا أعرض عليه أن أكتب مقالًا عن مهنته وعن الظروف التي أوصلته إلى هذا الدرب ولم أتوقّع حينها أن يكون الرد "هاك كتبت شنية اللي باش يتبدّل" (ماذا سيتغيّر حينما تكتبين). ألجمتني كلماته لكنها زادتني إصرارًا على أن أكتشف هذا السيف الذي يأبى الإفراج عن كلماته في حين تزوغ عيناه كثيرًا، وتشردان في دروب مختلفة بحثًا عمن يشتري وروده.

الصورة الداخلية

لم ألحّ كثيرًا ليستجيب سيف لرغبتي، وساد صمت رهيب المكان وتردّد في أذني صدى أغنية "أعطونا الطفولة" حتّى انبرى الفتى يسرد قصّة انقطاعه عن الدراسة معلنًا موافقته على طلبي.

يقول سيف لـ"الترا تونس" إنه قرر الانقطاع عن الدراسة في سن التاسعة نظرًا لبعض الظروف التي مرّت بها عائلته. ويضيف، دون أن يرفع عينيه نحوي، أنّ أمّه لم تنفك تحاول أن تثنيه عن قرار مغادرة المدرسة ولكنّها عجزت في الأخير أمام إصراره.

لسيف أخ وأخت يصغرانه السن يقاسمانه النهوض باكرًا، لكنهما يتوجهان إلى المدرسة، فيما يحمل هو سلة الورود مع إشراقة كل شمس سعيا للحصول على بعض الدنانير. يشير إلى أنّه يعمل في كل الفصول وفي كل الظروف المناخية، التي يظهر أن قساوتها في بعض الأحيان قد ردمت ملامح الطفولة في وجهه.

هو وغيره من الأطفال بائعي الورد يبيعون الحب للعشاق على شاكلة ورد أحمر ويشترون بثمنه "الموت" الذي يأخذ طفولتهم

يتوجّه سيف في الصباح الباكر إلى منزل رئيسه في العمل، الذي يتولى توزيع الورود على عدد من الأطفال، بعضهم يبيع الورد كل يوم وبعضهم يبيعه في فترة العطل فقط، وعمومًا ينطلق سيف بعد ذلك إلى فسقية الأغالبة.

واللافت في حديث الطفل بائع الورد أنّه غير نادم لأنه انقطع عن الدراسة، وأنّه لو عاد به الزمن إلى الوراء لاتخذ نفس القرار، لكنّه في المقابل أعرب عن رغبته في أن يتلقى تكوينًا مهنيًا في ميكانيك السيارات بعيون امتزجت فيها البراءة والألم. لم يشأ الصبي أن يدلي بالمزيد من التفاصيل عن حياته الخاصة، فسلّمني وردتي لينهي الحديث وقبض ثمنها وغادر هذه المرّة مبتسمًا.

سيف عينة من أطفال كثيرين دفعتهم وضعياتهم الاقتصادية أو الاجتماعية إلى الانقطاع عن الدراسة وولوج عالم الشغل في سن مبكّرة. هو وغيره من الأطفال بائعي الورد يبيعون الحب للعشاق على شاكلة ورد أحمر ويشترون بثمنه "الموت" الذي يأخذ طفولتهم.

 

بائع الورود الصغير مع مراسلة "الترا تونس"

بائع الورود الصغير مع مراسلة "الترا تونس"

 

اقرأ/ي أيضًا:

عن عبدو السينغالي.. بائع أساور في "لافيات" وصاحب حكمة

"عساس الليل".. تراجيديات تحت القمر