"النّساء الدّيمقراطيّات" وأخواتها
26 أكتوبر 2025
مقال رأي
في خطوة أثارت موجة من القلق والاستنكار، أعلنت السّلطات التونسية تجميد نشاط الجمعيّة التّونسيّة للنّساء الدّيمقراطيّات لمدّة شهر، على خلفيّة "ارتكابها مخالفات لبعض فصول المرسوم عدد 88 المنظّم للجمعيّات"، ورغم أنّ المنظّمة استجابت لجميع التّنبيهات السّابقة ووفّرت الوثائق المطلوبة، فإنّ القرار اتّخذ بالفعل، في الوقت الّذي تخضع فيه منظمّات أخرى للتّحقيق والتّدقيق منذ أسابيع.
وكان المنتدى التّونسيّ للحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة، قد كشف، في جويلية/يوليو الماضي، تلقّيه استدعاء من فرقة الأبحاث ومكافحة التّهرّب الجبائيّ، مُعربًا عن "رفضه لأيّ محاولة لاستهدافه أو شيطنة عمله".
وسبق تلك الموجة الزّجّ بناشطين إلى السّجن، من بينهم مدافعون عن حقوق المهاجرين كشريفة الرّياحي وسعديّة مصباح ومصطفى الجمّالي، بالتّزامن مع شنّ حملة شعواء ضدّهم تقوم على اتّهامهم بـتلقّي تمويلات أجنبيّة "مشبوهة" والمشاركة في "تغيير التّركيبة الدّيمغرافية للمجتمع التّونسيّ".
يُعدّ تجميد نشاط الجمعيّة التّونسيّة للنّساء الدّيمقراطيّات رسالة واضحة لكلّ من يفكّر في معارضة السّلطة.. مفادها أن لا مكان للأصوات المستقلّة ولا تسامح مع النّقد
ولفت المحامي، الأستاذ كريم المرزوقي، إلى "الهروب التّعسفيّ للكتابة العامّة للحكومة للأمام، عبر رفع دعاوى أصليّة لحلّ جمعيّات رغم أنّ المرسوم عدد 88 نصّ صراحة أنّه لا يمكن طلب الحلّ إلا بعد استنفاذ طرق الطّعن في قرار تعليق النّشاط"، وذلك في قراءة تستبق ما هو أخطر من قرار التّجميد.
ومنذ انقلابه على الدّستور، في صيف 2021، أعلن الرّئيس، قيس سعيّد، الحرب على الأجسام الوسيطة، بالتّضييق على الأحزاب والنّقابات ووسائل الإعلام والمنظّمات. كما حلّت سلطة الأمر الواقع الهيئات الدّستوريّة والعموميّة أو أوقفت عملها، قبل أن تُلغي وجودها في دستور عام 2022.
اقرأ/ي أيضًا: تعليق نشاط جمعية النساء الديمقراطيات في تونس لمدة شهر
وقبل المصادقة على الدّستور، تسرّبت نسخة لمشروع قانون جديد لتنظيم عمل المنظّمات غير الحكوميّة، قالت 13 هيئة محلّية ودوليّة إنّها "تمنح السّلطات صلاحيّات واسعة وسلطة تقديريّة للتّدخّل في طريقة تكوين منظّمات المجتمع المدنيّ ووظائفها وأعمالها وتمويلها وقدرتها على التّحدّث علنًا عن عملها والتّعبير عن آرائها".
وليس سرًّا أنّ سعيّد ينظر إلى الأجسام الوسيطة كـ"عقبة أمام الإرادة الشّعبيّة"، فهو لا يُفوّت أيّ فرصة دون التّرويج لخطاب يستند لفكرة عبثيّة بأنّ الدّولة لا تحتاج إلى وسطاء، بل إلى "شعب موحّد" في "دولة ذات سيادة".
لكن، ما لا يُفصح عنه سعيّد هو أنّ هذا الخطاب ليس سوى واجهة إنشائيّة سمجة لنظام الفرد الواحد، نظام "القائد المنقذ الملهم".
ليس سرًّا أنّ سعيّد ينظر إلى الأجسام الوسيطة كـ"عقبة أمام الإرادة الشّعبيّة"، فهو لا يُفوّت أيّ فرصة دون التّرويج لخطاب يستند لفكرة عبثيّة بأنّ الدّولة لا تحتاج إلى وسطاء
ومن هنا، تُصبح الأجسام الوسيطة شريكة لمن يؤمن بشراسة بأن لا شريك له في السّلطة وبأنّ أيّ شراكة هي بالأساس تهديد له ولحكمه إن هو حاد، وعليه فقد وجب سحب البساط من تحت أقدامها واستنزافها بالملاحقات القضائيّة والخطاب التّحريضيّ ضدّها.
هذا التّوجّه ليس بالجديد في تونس. فقد خبرناه إبّان حكم الرّئيس الرّاحل، الحبيب بورقيبة، وبشكل أكبر، مع خلفه، زين العابدين بن عليّ. لكنّ السّياق مختلف تمامًا، الآن وهنا. فبعد ثورة كان من المفترض أنّها كرّست، على الأقلّ، حقّي التّنظّم والتّعبير بشكل لا رجوع عنه، يبدو سعيّد حريصًا على العودة بنا إلى ما وراء الوراء، ليس بانقلابه على الدّستور فحسب، بل بمضيّه قُدمًا بسياسته العدميّة الّتي ستأكل الأخضر واليابس، في بلد يئنّ فيه كلّ فرد في كلّ رُكن.
ولم تكتف سلطة الأمر الواقع بخوض حربها الضّروس على المنظّمات بالدّاخل، فاتّجهت إلى الخارج، إذ سحبت، في مارس/آذار الماضي، اعترافها باختصاص المحكمة الإفريقيّة لحقوق الإنسان في قبول العرائض الصّادرة عن الأفراد والمنظّمات غير الحكوميّة، في خطوة "اتّسمت بالطّابع السّرّيّ والمباغت"، حسبما جاء في بيان للرّابطة التّونسيّة للدّفاع عن حقوق الإنسان الّتي أضافت أنّها "انتكاسة خطيرة لالتزامات تونس الإقليميّة والدّوليّة ومحاولة للانسحاب من آلية قضائيّة مستقلّة من شأنها الحدّ من الإفلات من العقاب وضمان سبل الإنصاف للضّحايا"، بينما رأت اللّجنة من أجل احترام الحرّيّات وحقوق الإنسان في تونس في الانسحاب "تنصّلاً مخجلاً" من تعهّدات تونس بحماية حقوق الإنسان.
اقرأ/ي أيضًا: تعليق نشاط "النساء الديمقراطيات" لمدة شهر يثير استياءً في الأوساط الحقوقية التونسية
وبالفعل، لا يخرج التّضييق على المنظّمات عن إطار أوسع يتمثّل في تدهور مؤشّرات الحرّيّات والحقوق بشكل ملحوظ. فالتّقارير التّونسيّة قبل الدّوليّة تشير إلى تراجع حرّيّة التّعبير وتزايد حالات الاعتقال التّعسّفي واستهداف الصّحفيّين والنّشطاء، بينما تحوّلت أجهزة الدّولة إلى أداة في يد السّلطة الحاكمة، تُستخدم لتصفية الحسابات السّياسيّة.
لا يخرج التّضييق على المنظّمات عن إطار أوسع يتمثّل في تدهور مؤشّرات الحرّيّات والحقوق بشكل ملحوظ.. بينما تحوّلت أجهزة الدّولة إلى أداة في يد السّلطة الحاكمة، تُستخدم لتصفية الحسابات السّياسيّة
ويُعدّ تجميد نشاط الجمعيّة التّونسيّة للنّساء الدّيمقراطيّات رسالة واضحة لكلّ من يفكّر في معارضة السّلطة، بصوت خافت أو متوسّط أو عال، مفادها أن لا مكان للأصوات المستقلّة ولا تسامح مع النّقد. وحسب ما تُروّجه أصوات مقرّبة من السّلطة الحاكمة، فإنّ هذا القرار ليس سوى بداية عمليّة أوسع ستطال منظّمات أخرى.
ومهما كانت شراسة هذه الحملة، فإنّ تونس ليست بلا ذاكرة. فالمجتمع المدنيّ هو أبرز ما يُميّزها، بقوّته وتجذّره. وقد علّمنا التّاريخ أنّ التّوجّه لإسكاته، أتى، في معظم الأحيان، بنتائج عكسيّة، مهما بلغ منسوب الجَور وطال أمده. فجذوة النّضال من أجل الحرّيّة والعدالة لا تنطفئ. يجب ألّا تنطفئ!
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية

الانسحاب من "الكان".. أكبر من مجرّد إخفاق رياضيّ
"لا يُرتقَب أيّ تحسّن على المدى القريب والمتوسّط، على الأقلّ، أمام تراكم المشاكل المحيطة بالرّياضة وتعاظمها.."

في معنى التفویض واحتكار المشھد تونسيًا
"إن مفھوم "التفویض" ھو درجة أكثر تقدمًا داخل نسق الخطاب الشعبوي الذي یعتبر أن الشعب ھو فاعل سیاسي موحد یفوضه ضد النخب.."

2025.. سنة الصّعود إلى الهاوية الشّاهقة!
"البحث عن المشروعيّة هو إقرار ضمنيّ بغياب المُنجَز ومن قبله المشروع. فقد كان عام 2025 عام "الصّفر فاصل إنجاز".. وإذا ما كانت المشروعيّة تٌقاس بأعداد المتظاهرين بالفعل، فالأسلم القول إنّ "الخميس العظيم" الّذي شهدته قابس، في أكتوبر 2025، أكسب مطلبَ "تفكيك الوحدات" بالمجمع الكيمائيّ دعمًا شعبيًّا لا يُمكن تجاهله. لكنّ الملفّ لا يزال يُراوح مكانه!

الدستوري الحر يعلن تمسّكه بوثيقة "التزام وطني" وتنظيمه لمسيرة يوم 18 جانفي 2026
الحزب الدستوري الحر: نهيب بكافة القوى الحيّة في المجتمع لمساندة مسار توحيد جهود ورص صفوف الفاعلين السياسيين والمدنيين المؤمنين بالجمهوريّة والحكم المدني الديمقراطي بهدف إخراج البلاد من الأزمة الخانقة متعدّدة الأبعاد التي تتخبّط فيها

اتحاد الشغل: زيادة في أجور أعوان المساحات التجارية الكبرى بعنوان سنة 2025
تم الاتفاق على تسوية هذه التسبقة على الأجر لاحقاً عند صدور الأمر المتعلق بالزيادة في الأجور طبقًا لأحكام الفصل 15 من قانون المالية لسنة 2026، وذلك وفقًا لصيغ محددة

رابطة حقوق الإنسان: نقص حاد في أدوية الأمراض المزمنة في انتهاك صارخ للحق في الصحة
رابطة الدفاع عن حقوق الإنسان: تونس تعيش اليوم انهيارًا متسارعًا ومقلقًا للمنظومة الصحية العمومية، في ظل عجز الدولة الواضح عن الإيفاء بالتزاماتها الدستورية والقانونية في ضمان الحق في الصحة و العلاج

العجز التجاري لتونس يناهز 22 مليار دينار موفّى ديسمبر 2025
المعهد الوطني للإحصاء: بلغت الصادرات التونسية مع الاتحاد الأوروبي خلال سنة 2025 (69,9% من جملة الصادرات) ما قيمته 44527,8 مليون دينار مقابل 42862,3 مليون دينار خلال سنة 2024.

