النّحات حافظ المساهلي: السياسة الثّقافية في تونس لم تتغيّر وأنا أباغت جماليًا

النّحات حافظ المساهلي: السياسة الثّقافية في تونس لم تتغيّر وأنا أباغت جماليًا

962 مشاهدة
حافظ المساهلي يؤمن بالمباغتة الجمالية ويشتغل في النحت والشعر والرسم وغيرها من الفنون (الترا تونس)

"إنّ الفنّ ليس تمثيلًا لشيء جميل بقدر ما هو تمثيل جميل لشيء ما"، هذه المقولة للفيلسوف الألماني إيمانويل كانط تحضرني بقوة كلما وقفت أمام أعمال النحّات التونسي حافظ المساهلي وهو فنان متعدد المواهب إذ تجده مثّالًا، وشاعرًا، وتنصيبيًا ورسامًا. هو كطائر الفلسفة الذي يأتي متأخرًا ليقول بعض الحكمة وبعض الجمال ويطير مجددًا في السماء الواسعة عند كل غروب. هو فنّان يباغت ملكاتك في لحظة سكونها، يزعزع الثّابت لديك ويثني عقلك عن الرّكون إلى نفس الإجابات.

يقيم حافظ المساهلي في ألمانيا منذ تسعينيات القرن الماضي، وقد أتمّ تعليمه العالي بجامعة بريمن ليختصّ في "الرومانستيك" وتاريخ الفنّ، كما تعمّق في دراسة تاريخ الأديان بنفس الجامعة. التقيته لأول مرّة سنة 2011 إبّان معرضه الشخصي الذي احتضنته دار الثقافة ابن رشيق بالعاصمة تونس، وقد كانت أعمالًا غير مألوفة على العين التونسية، أعمال تبحث عن جماليات أخرى في المادّة الأليفة.

النحات التونسي حافظ المساهلي المقيم في ألمانيا هو فنان متعدد المواهب إذ تجده مثّالًا وشاعرًا وتنصيبيًا ورسامًا وهو مختص في "الرومانستيك" وتاريخ الفنّ

بعد تجوالي في المعرض الذي انطبعت بعض أعماله في مخيلتي إلى الآن، تحدّثت إلى الفنان الجالس وحيدًا في إحدى زوايا قاعة العرض، وقد كان بسيطًا كفلاح وعميقًا كشاعر لا يدّعي شيئًا كحال كلّ الفلاسفة. كان حديثًا خاطفًا في السياسة والأيديولوجيا والجمال والدين والشعر، وقد اكتشفت من خلاله أن حافظ المساهلي لم يكن متساهلًا مع ذاته الفنان، كان يطوّع الأفكار وينفذ بها حيث لا تنفذ الإبر بأدوات مهملة في أغلبها ليكتب حافظ نصه النّحتي.

اقرأ/ي أيضًا: بن عمّو مؤلف "عام الفزوع": شوقي الماجري أراد تزييف تاريخ "بن غذاهم" (حوار)

إنّ أعمال هذا الفنان، العصي عن التصنيف، تجعلك تمسك بالشعر وتتلمّسه بيديك وتضعه في جيبك تيمّنًا، أو ليس الشّعر سقف اللّغة وبيان الفنون جميعها؟ كما ترفعك أعمال المساهلي إلى مناخات التفلسف والتفكير خاصة عندما يكون العمل مستلهم من عميق جروح الانسان أينما كان على هذه الارض.

لم يفوت "الترا تونس" تواجد حافظ المساهلي في تونس حينما التقيناه في مقهى "الفن الرابع" بشارع باريس بالعاصمة، في جلسة باغتتها زخات المطر وفي قهوة بنكهة المسرح أب الفنون وأعرقها، إذ يبدو أن هوامش الحوار قد تحولت إلى جوهر الحوار ولبّه.

  • يبدو أن تفاصيل القرى المنسية بالشمال الغربي التونسي قد أخذت الكثير من جهدك ووقتك خلال هذه الصائفة، ما الذي يغريك هناك؟

لقد كنت أتقصى ذاكرة الأجداد في قرى جندوبة والكاف، فعندما تقف مثلًا فوق مائدة يوغرطة، ذلك المعلم الطبيعي الباذخ المحفوف بالأسطورة والحكايات الشعبية، تشعر أن جدك "ماسينيسا" وقف نفس وقفتك. لكن السؤال هو ماذا كان يدور بخلد هذا الجدّ العظيم والقائد الشديد؟

وعندما تسير في درب عتيق يؤدي إلى مقام "سيدي بومخلوف" بمدينة الكاف أو تطل من أحد حصون سواحل طبرقة أو تجلس على عتبة "سيدي القرواشي" بتستور الأندلسية، أشعر أنني أبحث عن نفسي.

لقد كانت جولة مزدحمة بالمشاعر، كنت أتجّمل بالتاريخ في المقاهي والأسواق الشعبية. كنت ألتقط الأفكار كما يلتقط صبي حبّات التّوت من حقول الجيران وفي الحقول والوهاد والجبال، أحيانًا أقف لأستريح وأنظر للأفق كنبيّ.

  • حافظ المساهلي نجده نحّاتًا ورسّامًا وتنصيبيًا وشاعرًا وفوتوغرافيًا وحكيمًا ساخرًا، لماذا هذا التعدّد؟

موهبة الفن هي واحدة والذات الفنانة هي واحدة أما مسالك التنفيذ والتطبيق هي التي تختلف وتتعدد وأحيانًا يجمع الفنان بين أكثر من مسلك وهذا حالي، فتراني شاعرًا ورسامًا ونحاتًا ومصورًا فوتوغرافيًا في نفس الوقت.

حافظ المساهلي: أنا ميّال إلى المونتاج الفني القريب من النحت حيث أركب موادًا مختلفة لأنتج رسالة أريد إيصالها للمتلقّي

لكننّي في الحقيقة ميّال إلى "المونتاج" الفني القريب من النحت حيث أركب موادًا مختلفة لأنتج رسالة أريد إيصالها للمتلقّي، وعادة ما تكون هذه المواد من المتروكات والمهملات فأبعث فيها الحياة من جديد لأنني أعتقد أن كل المواد التي استعملها وعادة ما تكون من الخشب والحديد والصخر والنحاس والخزف والفضة مليئة بالعناصر الإيجابية وقد تعود إليها الحياة عندما تتراكب و تتماسّ داخل فكرة، فتتجلى لدى ناظرها فنًا عتيدًا قد يسهم في بناء الذوق أو يطور من الأحلام أو يبني داخلنا فلسفة ما تساعدنا على تغيير حياتنا نحو الأجمل.

  • كأني بك تستعمل أسلوب المباغتة الجمالية؟

وهو كذلك، فأسلوب مباغتة المتلقي بتركيب مواد متنافرة من أجل صورة جمالية ما سواء أكانت مألوفة أو غير مألوفة هو من صميم قناعاتي، فالفن في اعتقادي يجب أن يكون صادمًا، ويهز دواخل الإنسان وفوق خطيّة العقل أحيانًا.

اقرأ/ي أيضًا: المختصة في تصميم الصورة ريم الزياني: الصورة نمرود تلخّص الواقع وتختصر الزمن

  • بعض أعمالك الفنية لا تخلو من الأبعاد الإنسانية الكونية؟

الفن يجب أن يكون خلاقًا وإنسانيًا في نفس الوقت، فالروح الجمالية للعمل الفني يجب أن تتحلى بالعمق الإنساني إلى أبعد الحدود وكما يقول مايكل أنجلو "رأيت ملاكًا في الرّخام فأطلقت سراحه".

  • في هذا الإطار الإنساني، شاهدنا لك عملا نحتيًا يخلد روح شهيد المقاومة الفلسطينية إبراهيم أبو الثريا الذي اغتالته يد الغدر الإسرائيلية في حي الشجاعية بغزة السنة الفارطة، وقد نوهت العديد من وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي بهذا العمل الفني واعتبرته أيقونة خالدة؟

لقد شدتني شجاعة هذا الشاب الفلسطيني وهو يقاوم المحتل من على كرسي متحرّك. لقد أبهرتني بسالته ودافعيته وروحه القتالية، وأحسست بالإحراج كفنان وكمثقف تجاه ما يحدث لهذا الشاب الأعزل المبتور الساقين.

منحوتة الشهيد ابراهيم أبو ثريا للنحات التونسي حافظ المساهلي

لقد كان الشهيد إبراهيم أبو ثريا درسًا في المقاومة وعنوانًا للشعب الفلسطيني الذي تخلى عنه الجميع وبقي في العراء وحيدًا بلا سند بعد أن أُغتصبت أرضه علنًا، وهذا ما أردت قوله في النهاية من خلال المنحوتة.

  • بالاطلاع على سيرتك الذاتية الفنية نلاحظ أنك منخرط في الساحة الثقافية الألمانية بتسجيلك للعديد من المعارض الفردية ونيلك للعديد من الجوائز، مقابل ذلك نجدك مقصّرًا في الحضور في الساحة التشكيلية والثقافية التونسية؟

لقد حاولت الانخراط في الساحة الثقافية التونسية منذ 2011 بعد أن نال الشعب التونسي حريته لكن يبدو أن التماهي مع الحياة الثقافية للوطن يتطلب مراحل نضالية مطولة وهم ما دفعني للاكتفاء بالحياة الثقافية الألمانية. كما أن الإعلام التونسي لم يقم بدوره لتغطية المعرضين الذين قمت بهما في تونس.

  • حافظ المساهلي المثقف التونسي المقيم في الخارج، كيف ترى السياسة الثقافية الحالية في بلادنا؟

الثقافة والفنون حرّة أو لا تكون، وكلما احتكرها السياسي وحاول منهجتها والتدخل فيها واحتوائها تحت مسميات عديدة منها الحفاظ على الهوية الوطنية والشخصية الثقافية التونسية إلا وساءت الأحوال الثقافية وكثر الإقصاء والتهميش والمحاباة.

من أعمال حافظ المساهلي

وحسب ما يبدو لي، لم تتغير السياسة الثقافية في تونس في جوهرها وهم ما جعل الأمور تدور بنفس الطرائق. فالثقافة شأن وطني يهم المثقفين، هم الذين يؤسسون للأفعال الخالدة الباقية وليس السياسيين المنشغلين بالأفعال العابرة الفانية.

  • أنت مسكون بالشعر في أغلب أعمالك، متى تصدر أولى دواوينك؟

(يضحك) نحن كلّنا شعراء لكن قلة هم أولئك اللذين يقيمون إقامة شعرية على الأرض وهذا هو الأهم. الشعر سلوك، أما الكتابة فهي ترجمانًا لتلك الإقامة الشعرية التي ذكرت.

حافظ المساهلي: سأصدر قريبًا مجموعة شعرية وأنا بصدد ترجمة شعر الراحل محمد الصغير أولاد أحمد للغة الألمانية

أما علاقتي بالشعر فتكاد تكون يومية ممارسة وكتابة وشعري بسيط كالزهر البري. وقد نشرت العديد من القصائد في الصحافة التونسية والعربية، وحاليًا أنا بصدد الإعداد الفني لمجموعة شعرية سترى النور قريبًا. كما أنني بصدد ترجمة شعر الراحل محمد الصغير أولاد أحمد للغة الألمانية.  

  • وماذا عن الفوتوغرافيا؟

الصورة فعل فني في مجابهة الموت، موت اللحظة التي يجرفها الزمن ولا يبقيها. والتصوير الفوتوغرافي هو فنّ كتابة الحياة اليومية. وأمارسه شخصيًا منذ سنوات ولي أرشيف مهمّ، ربما أحول بعضه إلى معارض أو أطبعه في كتاب.

صورة من اللقاء الذي جمع مراسل "الترا تونس" بالنحات التونسي المغترب حافظ المساهلي

اقرأ/ي أيضًا:

محمد علي الكبسي: كنّا أوّل من قام بالتمييز ﺑﻴﻦ التنوع والاختلاف (حوار– 1/2)

محمد علي الكبسي: تونس لم تعد قادرة على التعبير عن نفسها (حوار - 2/2)