النفاذ إلى المعلومة.. وعي متصاعد في مواجهة ثقافة الحجب

النفاذ إلى المعلومة.. وعي متصاعد في مواجهة ثقافة الحجب

صعوبات دائمة في إرساء ثقافة النفاذ إلى المعلومة (صورة توضيحية/فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

 

تضمن التقرير السنوي لهيئة النفاذ إلى المعلومة لسنة 2018، المنشور مؤخرًا وهو الأول منذ تأسيسها، عرضًا لدعاوى النفاذ المرفوعة أمامها وبيانات تفصيلية بخصوص عدد القضايا والقائمين بها والهياكل المدّعى عليها وقرارات الهيئة.

وأورد التقرير، أيضًا، قائمة في المؤسسات الأكثر التزاما بمبدإ الإفصاح عن المعلومات والحق في الحصول عليها وإماطة اللثام عن كافة أشكال الحجب. إذ تضمن مدى التزام المؤسسات بنشر المعلومات بشكل استباقي على مواقعها الإلكترونية وصفحاتها الرسمية بما يعزز ثقافة البيانات المفتوحة ومراقبة مدى التزامها بتعيين مكلفًا بالنفاذ ومعالجة المطالب الواردة والتمكين من الردود، وأيضًا مدى الاستجابة مع الهيئة فيما يتعلق بمدها بالوثائق المطلوبة في الدعاوى المرفوعة.

اقرأ/ي أيضًا: حق النفاذ إلى المعلومة في مواجهة السلطة القضائية.. خصم وحكم؟

آخر المعطيات المحيّنة

وقبل قراءة محتوى التقرير السنوي لهيئة النفاذ إلى المعلومة، توصّل "ألترا تونس" من هياكلها ببيانات محيّنة إلى حدود نهاية سنة 2019 تبيّن أن الهيئة تلقت 1704 دعوى منها 593 قضية مرفوعة سنة 2018 و1111 دعوى مرفوعة سنة 2019، وبلغت عدد القضايا المرفوعة من شخص طبيعي 935 دعوى مقابل 769 دعوى من شخص معنوي.

يبيّن تضاعف عدد دعاوى النفاذ إلى المعلومة بين 2018 و2019 ارتفاع مؤشر الوعي لدى الأطراف المدعية ومدى نجاعة التقاضي عبر الهيئة

وتولّت الهيئة البتّ في 1134 دعوى لتبلغ نسبة القضايا المفصولة 67 في المائة فيما لازالت 33 في المائة من القضايا طور التحقيق. وقضت لصالح الدعوى جزئيًا أو كليًا في 433 دعوى مع رفض 431 دعوى إما شكلًا أو أصلًا أو لعدم الاختصاص مع الحكم بانعدام ما يستوجب النظر في 228 دعوى وطرح الدعوى في 42 أخرى. وبلغ عدد الدعاوى المستأنفة إلى نهاية 2019، 65 من جملة 616 دعوى تمّ الإعلام بقراراتها أي بنسبة تقدر بـ10 في المائة.

ويبيّن تضاعف عدد دعاوى النفاذ إلى المعلومة بين 2018 و2019 ارتفاع مؤشر الوعي لدى الأطراف المدعية ومدى نجاعة التقاضي عبر الهيئة، كما يؤشر على مدى تفاعل الهياكل والمؤسسات المعنية مع مطالب النفاذ، مع التذكير أن إجراءات التقاضي لدى الهيئة تتسم بالمجانية وعدم وجوبية إنابة محامي.

أرقام من التقرير السنوي

وبالعودة إلى التقرير السنوي للهيئة لسنة 2018، يكشف عن تطور مطرد في عدد الدعاوى المرفوعة بحسب الثلاثي إذ ارتفعت عدد الدعاوى من 76 في الثلاثي الأول إلى 214 في الثلاثي الرابع من جملة 593 دعوى طيلة السنة. أما عن طبيعة المدعين، تتقارب نسبة الأشخاص الطبيعيين، 55 في المائة، من نسبة الأشخاص المعنويين، 45 في المائة.

ومما يثير الانتباه، في هذا الجانب، ضعف إقبال الصحفيين على رفع دعاوى النفاذ مقارنة بالأشخاص العاديين، إذ رفع الصحفيون 13 دعوى فقط أي بنسبة 4.0 في المائة مقابل 313 دعوى من مواطنين عاديين. وكشف التقرير عن تلقي الهيئة لقضايا نفاذ تقدم بها محامون في حق منوبيهم بلغت 15 قضية فقط. فيما قدمت جمعيات ناشطة في مجال الحقوق والحريات 207 دعوى أي بنسبة 89 في المائة من جملة مكونات المجتمع المدني.

ماهي الهياكل المدّعى عليها؟

بيّن التقرير السنوي لهيئة النفاذ إلى المعلومة استئثار رئاسة الحكومة، بصفتها مدعى عليها، بقرابة 37 في المائة من الدعاوى المرفوعة تليها المؤسسات والمنشآت العمومية بنسبة 32 في المائة مقابل نسبة 15 في المائة موزعة على البلديات والمجالس الجهويّة والولايات.

ولئن تعلقت بوزارات السيادة 55 دعوى، فقد استأثرت وزارة التربية وحدها بـ23 دعوى، النسبة الأعلى وطنيًا على مستوى الوزارات، وهو ما أثار جدلًا لدى الرأي العام حول مدى شفافية الوزارة والايفاء بتعهداتها في نشر المعلومة والتعامل المرن مع المعطيات.

بيّن التقرير السنوي لهيئة النفاذ إلى المعلومة استئثار رئاسة الحكومة، بصفتها مدعى عليها، بقرابة 37 في المائة من الدعاوى المرفوعة تليها المؤسسات والمنشآت العمومية بنسبة 32 في المائة

وتفاعلت وزارة التربية مع تقرير هيئة النفاذ إلى المعلومة بتأكيد "حرصها على تدارك النقائص الحاصلة على مستوى الإجابة على طلبات النفاذ ودعمها لقدرات إطاراتها وأعوانها وتكوينهم في مجال تكريس الحق في النفاذ إلى المعلومة في الوسط المدرسي وهو موضوع الاتفاقية التي أبرمتها الوزارة مع الهيئة في 24 ديسمبر 2019". وأضافت، في بلاغ لها، أن عدد الأحكام الصادرة ضدها سنة 2018 لا يتعدى 11 حكمٍا توصلت بها الإدارة وتم تنفيذ 3 منها واستئناف 8 أحكام أخرى، مؤكدة أن عدد القضايا المرفوعة ضدها في مجال النفاذ الى المعلومة قد تراجع سنة 2019 بنسبة 12 في المائة مقارنة بسنة 2018.

اقرأ/ي أيضًا: النفاذ إلى المعلومة: حق دستوري لم تهضمه الإدارة التونسية

في المقابل، تعدّ وزارة التكوين المهني والتشغيل، ووزارة المرأة والأسرة والطفولة ووزارة التنمية والاستثمار هي أقل الوزارات التي تعلقت بها دعاوى أمام الهيئة.

ولم تعتبر الهيئة نزاعات النفاذ إلى المعلومة "من قبيل دعاوى تجاوز السلطة بل تعاملت معها كنزاع كامل بالنظر إلى خصوصيّة هذه النزاعات ولصلاحيات الهامّة التي يجب على الهيئة أن تتمتع بها عند الفصل في القضايا بما يخوّل لها التصريح أحيانًا بحجب بعض المعطيات دون أخرى عند تسليم الوثائق أو التصريح في حالات أخرى بتسليم وثائق دون أخرى أو كذلك التصريح بحق الاطلاع على عين المكان بالنسبة لبعض الوثائق"، كما ورد في نص التقرير السنوي لسنة 2018.

وأورد التقرير في مجال المتابعة والتقييم أنه لم يرد على الهيئة سوى 147 مقرّر تعيين للمكلّفين بالنفاذ ونوّابهم أي بنسبة 23 في المائة، في حين لم يقدم 500 هيكلًا مقررات التعيين أي بنسبة 77 في المائة من مجموع الهياكل المعنية.

أما بخصوص البلديات، توصلت الهيئة بقرار تعيين مكلف بالنفاذ أو نائبًا له من 68 بلديّة فقط من جملة 264 بلديّة أي بنسبة 26 في المائة مقابل عدم تقديم 196 بلدية، 74 في المائة، لمقررات التعيين. وحسب الرسوم البيانيّة المقدمة، تأتي أدنى نسبة تعيين مكلف بالنفاذ للبلديات في ولايات سيدي بوزيد والمهدية وسليانة.

تفاعل بطيء من الإدارة

ويُلاحظ، من خلال مخرجات هذا التقرير، أن نلاحظ التفاعل البطيء من مؤسسات الدولة والهياكل المعنية مع منظومة النفاذ إلى المعلومة سواء في الطور التوعوي أو القضائي أو التقييمي. إذ تعتبر العديد من المؤسسات نفسها غير ملزمة أو خارج دائرة الإلزام، فلا تقوم بالنشر التلقائي للمعلومة أو تتعنت في تقديمتها وتخضع المؤيدات التي تمسكها تحت طائلة السرّية.

 يُلاحظ أن الإدارة تحاول إطالة إجراءات التقاضي والحجب المتعمّد للمعلومة، وتتعمّد أحيانًا الترفيع في التكاليف أو وضع شروط تعجيزية أو التملص من المسؤوليّة بحجة عدم تعلق موضوع النفاذ بصلاحيات المؤسسة

كما يتسبب عدم رقمنة الأرشيف في عدة إدارات في إتلاف وعدم حفظ المعطيات في تعطيل النفاذ إلى المعلومة، مع الإشارة إلى أن السلطة وعلى مدى عقود كانت تتعمد إخفاء معطيات ومنع الوصول إلى سجلاّت بعينها لتضمّنها حقائق يمكن أن تلحق ضررًا بجهات نافذة.

من جهة أخرى، يمثل تطور نسبة الدعاوى المرفوعة مؤشرًا عن ارتفاع الوعي بثقافة حق النفاذ ما يدفع المؤسسات والهياكل والمنظمات المعنية على نشر المعلومة والحدّ من نطاق الاستثناءات بعد أن كانت تتخفي، لتبرير حجب المعلومة، بتعلات إلحاق الضرر أو المصلحة العامة أو الأمن القومي.

ويمثل التقاضي لدى هيئة النفاذ إلى المعلومة استئنافًا لقرار إداري بالمنع لدى هيئة مستقلة، لكن ما يُلاحظ أن الإدارة تحاول إطالة إجراءات التقاضي والحجب المتعمّد للمعلومة، وتتعمّد أحيانًا الترفيع في التكاليف أو وضع شروط تعجيزية أو التملص من المسؤوليّة بحجة عدم تعلق موضوع النفاذ بصلاحيات المؤسسة المعنية. ولعلّ تفعيل العقوبات الجزائية الواردة في قانون النفاذ إلى المعلومة بات ضرورة لضمان إنفاذ القانون على الجميع دون استثناء وضمان إرساء ثقافة المعلومة المفتوحة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

المستفيد من أول قرار للنفاذ إلى المعلومة: هذه قصتي مع مطالب النفاذ (2/1)

المستفيد من أول قرار للنفاذ إلى المعلومة: هذه قصتي مع مطالب النفاذ (2/2)