المهر في تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة (3/2)

المهر في تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة (3/2)

539 مشاهدة
في علاقة استحقاق المهر بالبناء في الزواج

نتناول في الجزء الثاني من مسألة المهر في تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، المستوى الثاني من مأخذ اللجنة على أحكام تنظيم المهر في مجلة الأحوال الشخصية وهو اعتبار أن "إرادة المرأة لا تهم للبناء في زواجها" كما أشارت في الصفحة 148 من التقرير.

اقرأ/ي أيضًا: المهر في تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة (3/1)

في البداية لا يمكن الحديث عن علاقة المهر بالبناء أو بالعنصر الجنسي على مستوى طبيعة المهر أو تسبيبه وهو ما استعرضناه في الجزء الأول، وذلك ما أكدته اللجنة باعتبارها المهر من قبيل الهدية الرمزية وإن عادت وأثارته من جديد فيما سيقع تناوله لاحقًا. ولكن إجمالًا العلاقة الثنائية المُشار إليها تأتي في مرحلة استحقاق المهر وهو ما أثارته اللجنة على النحو المذكور.

توجد ثلاثة فصول في مجلة الأحوال الشخصية تتناول هذه العلاقة وهي الفصول 13 و22 و33 على التوالي. إذ ينص الفصل 13 أنه "أنه ليس للزوج أن يجبر المرأة على البناء إذا لم يدفع المهر ويعتبر المهر بعد البناء دينًا في الذمة لا يتسنّى للمرأة إلا المطالبة به فقط ولا يترتب عن تعذر الوفاء به الطلاق". فيما يأتي الفصل 22 في إطار آثار الزواج الفاسد إذ يترتب عن الدخول في هذا الزواج "استحقاق المرأة المهر المسمى أو تعيين مهر لها من طرف الحاكم". ويتعلق الفصل 33 بصورة الطلاق إذ ينص بأنه "إذا وقع الطلاق قبل الدخول فللزّوجة نصف المسمّى من المهر".

من النادر جدًا إعمال الفصول المتعلقة باستحقاق المهر  إذ عادة ما يقع هذا الاستحقاق بمجرّد تسمية المهر حين عقد الزواج حيث لا توجد مدة زمنية بين تسمية المهر والوفاء به 

وهذه الفصول من النادر جدًا إعمالها تطبيقًا إذ عادة ما يقع استحقاق المهر بمجرّد تسميته حين عقد الزواج، حيث لا توجد مدة زمنية بين تسمية المهر والوفاء به خاصة وقد جرت العادة أن يقوم الزوج بعرض المهر أمام عدل الإشهاد والعامة زمن عقد القران. وما يزيد في جعل مسألة استحقاق المهر هامشية واقعًا، وإضافة لصبغته الرمزية شرعًا وقانونًا، هو عدم أهمية قيمته في المجتمع التونسي على خلاف المجتمعات المشرقية التي تولي مكانة متميّزة له خاصة للمهر المؤجل الذي تقع تسميته حين إبرامه العقد فيما يقع استحقاقه حين انحلاله. بيد أن ندرة إعمال هذه الفصول لا يحول قطعًا دون طرقها، ولكن وجبت الإشارة لهذه النقطة من باب استيضاح الأمور.

تعيب اللجنة على وجه الضبط ما ورد في الفصل 13 الربط بين استحقاق كامل المهر وتحقق الدخول إذ تحدث الفصل عن عدم إمكانية الزّوج على جبر زوجته على البناء ما لم يدفع المهر وتساءلت اللجنة مسترسلة "فهل للزوج أن يغصب المرأة على البناء إذا دفع المهر؟ وكيف هذا الغصب على الدخول؟ بحكم من المحكمة يلزم الزوجة على ذلك؟ وكيف يقع تنفيذ هذا الحكم بإلزام الزوجة على البناء مكرهة عليه؟".

وسعت اللجنة بهذا الأسلوب الاستفهامي المتواتر إثارة خطورة ربط استحقاق المهر لمهرها، وهو ملك لها، بدخول الزوج بها. وهي أسئلة وجيهة لطالما أثارها شرّاح مجلة الأحوال الشخصية في تونس إذ أنه بالمفهوم العكسي لمعنى الفصل 13 من حق الزّوج اجبار المرأة على البناء وهذا غير مقبول. وقد أثار حامد الجندلي مثلًا في أطروحة دكتوراه حول علاقة مجلة الأحوال الشخصية بالشريعة الإسلامية هذه النقطة معلّقًا بأن ما أورده المشرع التونسي "لم يرد في الشريعة الإسلامية" بجعل جبر الزّوج على البناء بزوجته حقًا له. ومن المهمّ الإشارة أن الحديث عن مسألة الإجبار، فالأمر لا يتعلق بمجرّد المطالبة.

المشرّع التونسي أساء تحديد الحق في الفصل 13 من مجلة الأحوال الشخصية فبدل تنصيصه صراحة على حقّ الزّوجة في الامتناع عن البناء في صورة عدم دفع المهر تحدث عن عدم أحقية الزّوج في الجبر على البناء

فبصياغة عكسية للفصل 13 فللزوج أن يجبر المرأة على البناء إذ دفع المهر، وهو ما قد يندرج في إطار شرعنة انتهاك جسد الزوجة وإباحة اغتصابها، وهذا لا خلاف أنه خطير جدًا. فالمشرّع التونسي أساء تحديد الحق، فبدل تنصيصه صراحة على حقّ الزّوجة في الامتناع عن البناء، تحدث عن عدم أحقية الزّوج في الجبر على البناء، غير إن مؤدى ما أورده المشرّع، يشير لحقّ الزّوجة في الامتناع بالنهاية ضرورة. كما أنه وعلى فرض استنتاج وجود حق للزوج في البناء من خلال بالقراءة العكسية للفصل المذكور، فهو حق غير قابل للتنفيذ في كل الأحوال، إذ لا يجوز الجبر للتنفيذ على الذات البشرية، فلا يمكن للزوج حتى إن دفع المهر أن يجبر زوجته على مساكنته أو معاشرته. فلا يمكن قطعًا تخيّل أن تصدر محكمة حكمًا يلزم الزوجة بتسليم نفسها لزوجها ولو كانت مُكرهة، وذلك إجابة على ما طرحته اللجنة.

اقرأ/ي أيضًا: الجورشي لـ"الترا تونس": يجب أن تتكامل الشريعة مع مبادئ حقوق الإنسان

من جانب آخر، من المهمّ الإشارة أن مفهوم الدّخول، وفق ما استقرّ عليه فقه القضاء التونسي، لا يعني الاتصال الجنسي أو الوطء باصطلاح الفقه الإسلامي بل كذلك الخلوة. وهذا التمييز ناجع في صورة رفض الزّوجة مساكنة زوجها أي الاختلاء به، حيث لا يمكن للزوج الدفع بنشوز زوجته بقوله إنها تعسفت بحقه أي أنها لم تمنعه من الاتّصال الجنسي فقط بل كذلك من الخلوة بها. وعليه، لا يجب بالضرورة تصوّر الدخول هو الفعل الجنسي بل المساكنة أساسًا، فالزوجة التي لم تتحصل على مهرها يحقّ لها بهذا المعنى عدم الالتحاق بمحلّ الزوجية.

ولكن خلل المشرع التونسي بالحديث عن عدم أحقية الزوج إجبار الزوجة على البناء حال عدم دفعه للمهر لا يجب أن يدفع نحو إعادة إثارة مسألة طبيعة المهر على النحو الذي ذهبت إليه اللجنة لما اعتبرت أن ملخّص النظام القانوني أن "المهر موجب إكراه على الدخول وهو إذن بمثابة المقابل للدخول". فمسألة كنه المهر حسمها المشرع واللجنة نفسها لما اعتبرت المهر في البداية من قبيل "الهدية" وليس "المقابل". من الممكن أن تشير اللجنة أن صياغة الفصل 13 تحيل لارتباط عضوي بين استحقاق كامل المهر وتحقق الدخول، وهذه مؤاخذة على النحو المبين، بيد أنه لم يكن من اللازم تقديم استنتاج بأن المهر هو مقابل الدخول، وذلك بالقفز على الخيار التشريعي الثابت وتجاهله.

 خلل المشرع التونسي بالحديث عن عدم أحقية الزوج إجبار الزوجة على البناء حال عدم دفعه للمهر لا يجب أن يدفع نحو إعادة إثارة مسألة طبيعة المهر على النحو الذي ذهبت إليه اللجنة والتهافت نحو استنتاجات متسرّعة وممهدّدة لمقترح إلغاء المهر

وما يعزز هذا التهافت هو تصريحها أن "ملخص النظام القانوني أنه لا مهر قبل الدخول" وهو قول غير دقيق ذلك أنه يستحق نصف المهر ولو دون دخول في حالة الطلاق أي صورة الفصل 33. ويطرح السؤال، في هذا الجانب، حول عنصر الدقة والأمانة العلمية في أعمال اللجنة. ومن المهم دائمًا الإشارة بأن الدخول لا يعني حصرًا الفعل الجنسي بل يشمل الخلوة أي مجرّد المساكنة، وهذا لا ينحصر على فقه القضاء التونسي بل يشمل الفقه الإسلامي، فمثلًا أقرّ الحنفية والحنابلة بالاكتفاء بالخلوة دون الوطء لاستحقاق الزوجة لكامل المهر بعد طلاقها.

في الأثناء، اعتبرت اللجنة، في مرحلة موالية، أن تنظيم المهر يتعارض مع مبدأ "لا إكراه في الزواج" مذكرة بأسانيده القانونية في مجلة الأحوال الشخصية باشتراط الرضا دون إكراه لانعقاد الزواج، وكذلك على المستوى الدولي في اتفاقية الأمم المتحدة المؤرخة في 10 ديسمبر/كانون الأول 1962. وإن كان هذا المبدأ لا خلاف حوله، وليس محل جدل، يأتي السؤال حول إثارته من اللجنة ذلك أن الاعتراض على تنظيم المهر لا يستدعي إثارة هذا المبدأ. فاستحقاق المهر هو أثر من آثار الزواج في حين أنه لا يمكن الحديث عن الرضا في الزواج وعدم الإكراه إلا في مستوى انعقاده أي في مرحلة سابقة. إذ لا يوجد أي موجب لإثارة هذه الحجة في هذا الموضع من التقرير، بل قد يحمل خلطًا لدى القارئ، حتى وإن تم الحديث عن الإكراه على البناء، على النحو المُشار إليه، إذ يظلّ الحديث في كل الأحوال على مستوى آثار العقد لا شروطه وعليه دائمًا لا موجب لاستدعاء مبدأ عدم الإكراه في الزواج.

إن انتهاء اللجنة في معالجة هذه المسألة بالقول إن "إرادة المرأة لا تهم للبناء في زواجها" يحمل مغالطة، فإرادة المرأة سواء في تكوين العقد أو في تنفيذه مؤمّنة. وإن ما يجيء الحديث حول الفصل 13، فهو لا يعني إمكانية غصب الزوجة على البناء حال استحقاقها للمهر، فالمرأة تحتفظ بحريّتها دائمًا في البناء من عدمه بغض النظر عن الوفاء بالمهر من عدمه. بيد أنه حينما تنصّ اللجنة على ما نصّت في خلاصتها السابقة، فهي توحي للقارئ بأن المشرع التونسي يستبيح جسد المرأة ولا يهمّه رضاها وهذا قطعًا مجانب للصواب.

إن انتهاء اللجنة في معالجة مسألة المهر بالقول إن "إرادة المرأة لا تهم للبناء في زواجها" يحمل مغالطة فإرادة المرأة سواء في تكوين العقد أو في تنفيذه مؤمّنة

خلاصة، أصابت اللجنة لما أثارت سوء صياغة الفصل 13 من مجلة الأحوال الشخصية وتخالفها مع الطبيعة المتعارف عليها للمهر غير أنها تهافتت بالاستناد على هذه الصياغة في سلسلة استنتاجات متعسّفة بالتشكيك في الخيار التشريعي لطبيعة المهر والعودة لنقطة الصفر، وإثارة مبدأ لا إكراه في الزواج الذي لا علاقة له باستحقاق المهر، مع عدم تعرضها للفصلين 22 و33 من مجلة الأحوال الشخصية، لتحسم رغم ذلك في مسألة تنظيم المهر بكليّته عبر خلاصتها بأنه "لا مجال لمواصلة قبول المهر في تنظيمه الراهن" ممهدة لتقديم مقترحاتها، وهو ما سنتعرض إليه في الجزء القادم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

لجنة الحريات: تقريرنا ثوريّ ولا يمس من العقيدة.. والمعارضون يردّون: بل هو فتنة

يسرا فراوس: يجب تحرير الجسد بتونس وهذا موقفنا من أحكام الشريعة الخاصة بالنساء