ultracheck
رأي

المهرجانات الصيفية في تونس.. وأسئلة الترفيه

15 يوليو 2025
المهرجانات الصيفية في تونس.. وأسئلة الترفيه
أغلب المهرجانات التي تقدم مادة ثقافية ذات بعد ترفيهي في تونس تعاني من صعوبات جمة في المستويين الهيكلي والمادي (صورة من صفحة فيسبوك مهرجان الحمامات الدولي لدورة 2025)
رمزي العياري
رمزي العياريصحفي من تونس

مقال رأي 

 

يعدّ الترفيه قسمًا رفيعًا وحيويًا في السياسة الثقافية التونسية التي أرست الدولة أسسها الأولى إثر الاستقلال مباشرة، معوّلة في ذلك على سردية معنوية فريدة متمثلة في "تونسة الأشياء" ونضد هوية ثقافية تمتح من المراحل التاريخية الكبرى والزاخرة التي عرفتها تونس على مرّ قرون من حضارتها. وكُلّفت وزارة الشؤون الثقافية بترجمة التمشي الجديد للدولة التونسية الناشئة عن طريق إنشاء منظومة من القوانين الخاصة بالقطاع الثقافي وبعث جملة من المؤسسات ورسم خطط ثقافية تتماشى مع اللحظات التاريخية المرتبطة بالراهن التونسي ضمن السياقات العالمية، وتقريبًا كان قسم الترفيه في هذه الخطط هو الطاغي والمهيمن في اعتقاد راسخ أكده الآباء المؤسسون لمنظومة الثقافة في تونس على أكثر من منبر وخلال أكثر من مناسبة بأن المواطن التونسي -وحتى تكتمل مواطنته- لا بدّ له من نصيب من "الترفيه".

والترفيه كلمة تتسم بالغموض والهلامية، وقد حاولت العلوم الانسانية بمختلف فروعها الوقوف لها على مفهوم دقيق وشامل، لكنها إلى حد ما لم توفق في ذلك. فذهبت السياسة الثقافية التونسية خلال فترة التأسيس بداية ستينيات القرن العشرين وإلى نهاية الفترة البورقيبية، إلى توخي نهج معتدل في مسألة الترفيه تلك، فكانت التفكير في إنشاء جملة من التظاهرات والأيام الثقافية والمهرجانات التي تمزج الثقافة العالمة والمفكرة مع الترفيه، فشهدت تونس ولادة أحداث مهرجانية ثقافية متنوعة وهامة على غرار أيام قرطاج السينمائية ومهرجان قرطاج الدولي ومهرجان الحمامات الدولي، المختص في المسرح، ومهرجان تستور لموسيقى المالوف وأيام طبرقة للجاز ومهرجان قابس الدولي ومهرجان سوسة الدولي ومهرجان المنستير الدولي ومهرجان قفصة الدولي.. وغيرها.

بالعودة إلى تصريحات مديري جلّ المهرجانات مؤخرًا، نجد أن الخيط الناظم بينها هو الحديث عن الصعوبات المادية في ظل غلاء أسعار عقود الفنانين التونسيين وغيرهم وضعف الاستشهار في الجهات القصية وتراجع وتعطل التمويل العمومي المحلي والجهوي

وجلّ هذه الفعاليات تنجز بين شهري جويلية/يوليو وأوت/أغسطس من كل صائفة، وكان عنصر الترفيه في هذه التظاهرات هو تخيّر عروض جماهيرية محلية وعربية ودولية تُستساغ من قبل عموم الناس ولها التأثير على صناعة الذوق العام مع تقديم تلك العروض الفنية في مسارح مفتوحة سميت بـ"مسارح الهواء الطلق". وجنحت هذه السياسة في جعل التونسيين يتنقلون لفضاءات العروض والتفاعل مع المادة الثقافية الترفيهية المقدمة. 

وتذكر الذاكرة الثقافية التونسية حضور كبار الفنانين من الشرق والغرب على حد السواء (أم كلثوم، عبد الحليم حافظ، نجاة الصغيرة، رياض السنباطي، صباح فخري، كاركالا، غوغوش، ميراي ماتيو، داليدا..) كما تجوّل نجوم الفن التونسيين على طول البلاد مقدمين حفلات تاريخية مازال ذكرها في الآفاق إلى اليوم (علية، نعمة، أحمد حمزة، سلاف، رضا القلعي، صالح المهدي، فوزي الشكيلي، الصادق ثريا، الهادي الجويني..)، لكن تغيّر الواقع السياسي في تونس مع رحيل الفترة البورقيبية التي ترى في الدولة المجتمعية الراعية حلًا لمشاغل المجتمع التونسي الذي عانى الويلات من الاستعمار الفرنسي، وحلول فترة بن علي في 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1987 الذي توخى قسرًا من قبل القوى الغربية، سياسة الانفتاح على "السوق" والسير في رحاب الرأسمالية المتوحشة. 

 

جلّ المهرجانات تنجز بين شهري جويلية وأوت من كل صائفة، وكان عنصر الترفيه فيها هو تخيّر عروض جماهيرية محلية وعربية ودولية تُستساغ من قبل عموم الناس (صورة أرشيفية/ مهرجان قرطاج الدولي)

 

وهذا الأمر فرض على بن علي، التخلي الهادئ على مناهج الدولة "الأم" الراعية لكل شيء فكانت الثقافة مشمولة بتلك التغيرات الجوهرية في السياسة التونسية الجديدة مما جعل الحياة الثقافية تتشكل على نحو جديد فنشأت الشركات المختصة في الإنتاج الثقافي وتخلت الدولة عن مؤسساتها الثقافية وأبطأت أنشطتها وجعلتها شكلًا بلا جوهر وتحولت الدولة إلى مجرد جهة مانحة لا غير تخصص الدعم السنوي لكل القطاعات الثقافية والفنية وتوزعه حسب قوانين واضحة عادة ما تثير حولها العديد من النقاشات خاصة في مستوى المنتوج الفني والإبداعي والثقافي الذي من أجله بذل المال العمومي.

أما في ما يتعلق بالجانب الترفيهي في العملية الثقافية، فقد ذهبت فترة الرئيس الراحل زين العابدين بن علي (الممتدة من 1987 إلى 2011) إلى إغراق الحياة الثقافية بعدد مهول من المهرجانات يتجاوز الأفق الثقافي التونسي الذي أصبح يناهز 400 مهرجان بعد أن كانت الأرقام تشير إلى أن العدد لا يتجاوز 100 مهرجان، وأغلبها ذات صبغة محلية وجهوية وقلة قليلة لها الصبغة الوطنية والعربية والدولية. وقد أثبتت العديد من القراءات لهذا المشهد أنّ وفرة المهرجانات المحلية مفرغة من المحتوى الذي من أجله بُعثت وأصبحت مصبوغة سياسيًا فنجد برمجتها منحازة وتدين بالولاء للسلطة لا للفن والإبداع والفكر.

وفي هذا الصدد، ذهبت وزارة الثقافة التونسية إلى سياسة اقتناء العروض من قبل أصحابها ووضعها على ذمة المندوبيات الجهوية للثقافة التي بدورها تضعها مجانًا على ذمة هيئات المهرجانات المحلية التي تعاني النقص في الموارد والفضاءات فضلًا على غياب تصورات ورؤى تراعي الخصوصيات الثقافية المحلية.. وهكذا أصبح الترفيه عبئًا على الجميع من المحلي إلى المركزي.

حان الوقت لأن تراجع تونس سياستها الثقافية وخصوصًا في قسمها الترفيهي وإعادة النظر في خارطة المهرجانات التونسية ورسم إستراتيجية واضحة تعتمد أساسًا على بعث أقطاب لمهرجانات وتظاهرات وأنشطة إقليمية وجهوية 

ومع الإطاحة بحكم بن علي بإرادة قوية من الشعب التونسي في 14 جانفي/يناير 2011، كان الجميع يأمل في أن تتغير السياسة الثقافية في تونس على أكثر من مستوى وخصوصًا في قسمها الترفيهي لكن الأمر تواصل إلى اليوم كما كان في السابق، فأغلب هذه المهرجانات التي تقدم مادة ثقافية ذات بعد ترفيهي في تونس تعاني من صعوبات جمة في المستويين الهيكلي والمادي، فبالعودة إلى تصريحات مديري المهرجانات الصيفية المحلية والوطنية والدولية في الآونة الأخيرة، في المنابر الإعلامية الوطنية، نجد أن الخيط الناظم بينها هو الحديث عن الصعوبات المادية في ظل غلاء أسعار عقود الفنانين التونسيين وغيرهم وضعف الاستشهار في الجهات القصية وتراجع وتعطل التمويل العمومي المحلي والجهوي (البلديات ومندوبيات الثقافة) والذهاب إلى مركزة قسم هام من التمويل العمومي (كل الملفات تقدم إلى المؤسسة الوطنية للتظاهرات وتنمية المهرجانات) مع طول الانتظار. 

كما غابت أيضًا الفضاءات الثقافية المفتوحة والمخصصة للعروض الصيفية، فضلًا عن افتقار أغلب القرى والمدن لتلك القاعات، ما يجعلها تحت طائلة اللجوء إلى المؤسسات التربوية والجامعية والشبابية.. وهي فضاءات لا تتلاءم أحيانًا مع بعض العروض الفنية الفرجوية الأمر الذي يسبب عزوفًا من قبل المواطنين.

كل هذا يؤثر بشكل سلبي على محتوى برمجة المهرجانات فتبدو العروض منمطة ورتيبة ومتشابهة وغير منسجمة مع طبيعة المجتمعات المحلية رغم اجتهاد الهيئات وفرق العمل، فتذوي الأحلام الثقافية الترفيهية رغم حسن النوايا.

لقد حان الوقت في ظل المتغيرات الفنية والاتصالية، لأن تراجع تونس سياستها الثقافية وخصوصًا في قسمها الترفيهي وإعادة النظر في خارطة المهرجانات التونسية ورسم إستراتيجية واضحة تعتمد أساسًا على بعث أقطاب لمهرجانات وتظاهرات وأنشطة إقليمية وجهوية تؤسس فعلًا لترفيه عصري وحديث يراعي تطلع المواطنين التونسيين في الجهات وأيضًا يتميّز بليونة في التعاطي مع الجمعيات والهيئات التي تشرف على التظاهرات والمهرجانات الثقافية.

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت" 

الكلمات المفتاحية

شارع الحبيب بورقيبة تونس John Wreford SOPA Images LightRocket Getty

لم نكتب التّاريخ بعد!

إنّ تُهمة "العمالة للخارج" ليست بالجديدة، في الوقت الّذي يُصرّ فيه الرّئيس، قيس سعيّد، وأنصاره إلصاقها بخصومهم كافّة. وتأريخ تُهمة "الاستقواء بالخارج" ليس استثناء، في الحالة التّونسيّة


العلاقات التونسية الأوروبية

العلاقات التونسية الأوروبية.. في الديمقراطية والسيادة


قضية التآمر في تونس.. محكمة التاريخ أدانت والبقية تنفيذ!

قضية التآمر في تونس.. "محكمة التاريخ" أدانت والبقية تنفيذ!

قبيل صدور الحكم النهائي في القضية، نشر بلاغ رئاسي بمناسبة استقبال رئيس الدولة لرئيسة الحكومة أن "محكمة التاريخ أصدرت قراراتها النهائي وهو لا عزاء للخونة ولا رجوع للوراء"


الخيط الرفيع لأيام قرطاج المسرحية

الخيط الرفيع لأيام قرطاج المسرحية

تتالت الدورات وراكمت تظاهرة أيام قرطاج المسرحية مدونتها وتاريخها ورصيدها الجمالي والفكري، فأصبحت منارًا مضيئًا راسخًا في جغرافيا المسرح العالمي

الناطق باسم الديوانة تونس تحولت إلى مركز لاستهلاك المخدرات بعد أن كانت بلد عبور.jpg
مجتمع

تفكيك شبكة دولية للمخدرات تُدار من خارج تونس

أعلنت الإدارة العامة للحرس الوطني، يوم الخميس 4 ديسمبر 2025، أنّ وحداتها تمكنت، إثر عمل استخباراتي، من الكشف عن شبكة دولية مختصة في توريد وترويج المواد المخدرة. وتندرج هذه العملية في إطار الجهود المتواصلة لمكافحة مسك واستهلاك وترويج المخدرات وتعقّب العناصر الضالعة في هذا النشاط

عبير موسي الحزب الدستوري الحر محمد مسرة epa.jpg
سیاسة

محامٍ لـ"الترا تونس": تأجيل النظر في قضيتين ضد عبير موسي

شهدت المحكمة الابتدائية ومحكمة الاستئناف بتونس، اليوم الجمعة، انعقاد جلستين منفصلتين لرئيسة الحزب الحر الدستوري عبير موسي، في قضيتين منشورتين ضدها، قبل أن يُقرَّر تأجيلهما إلى مواعيد لاحقة


العياشي الهمامي_0.jpg
سیاسة

جمعية القضاة: نستنكر بشدة إيقاف العياشي الهمامي وهيمنة السلطة السياسية على القضاء

جمعية القضاة التونسيين: هذه الأحكام "تصدر في سياق جُرِّد فيه القضاء من كل مقومات الاستقلالية وأصبح يرزح تحت الهيمنة الكاملة للسلطة التنفيذية بعد حل المجلس الأعلى للقضاء وإعفاء القضاة وتولي السلطة التنفيذية الإدارة المباشرة للمسارات المهنية للقضاة.."

السفارة الأميركية بتونس تعلن الحدّ من أعمالها تبعًا لقانون الشغل المنقّح
سیاسة

السفارة الأميركية بتونس تعلن الحدّ من أعمالها تبعًا لقانون الشغل المنقّح

سفارة الولايات المتّحدة الأميركية بتونس: "السفارة ستحدّ من أعمالها ابتداءً من يوم 8 ديسمبر 2025، تبعًا للأثر الناجم عن تغيّرات طرأت على قانون الشغل التونسي"

الأكثر قراءة

1
اقتصاد

حوار| مستشار جبائي: ضغط جبائي مرتفع وتشجيع الاستثمار غائب في مشروع قانون المالية 2026


2
سیاسة

رابطة حقوق الإنسان تحذّر: منعنا من زيارة السجون يعدّ تضييقًا خطيرًا


3
منوعات

نتائج قرعة مونديال 2026.. تعرّف على مجموعة المنتخب التونسي


4
اقتصاد

ارتفاع الأسعار عند الاستهلاك في تونس خلال نوفمبر 2025


5
سیاسة

قدماء مسيّري رابطة حقوق الإنسان: نطالب بإطلاق سراح كل مساجين الرأي والسياسة