ultracheck
رأي

المسلسلات وما جاورها.. هل يمكن أن يصبح لدينا فن الحلول؟

22 مارس 2025
المسلسلات التونسية الدراما تلفاز
التنافس في تقديم الحلول يمكن أن يخلق ديناميكية في المجتمع، ويدفع الناس نحو التفكير في تغيير واقعها وإصلاحه عوض لعنه والبكاء عليه (pexels)
محمد أمين بن هلال
محمد أمين بن هلالصحفي من تونس

روى لي أحد أبناء عمي، ويدعى رضا، كيف حاول هو ابن عم آخر، يدعى سامي، تقليد ما شاهداه في إحدى الصور المتحركة "Grendizer"، حينما كانا طفلين، لم يتجاوز رضا حينها الست سنوات، كان ذلك منذ ما يزيد على الأربعة عقود.

يقضي الاتفاق بأن يقفز رضا من فوق سطح منزلهم، ليستقبله سامي بين يديه في مشهد يعكس شجاعة الأول وبطولة الثاني، قفز رضا منطلقًا في الهواء، لكن سامي لم يحرك ساكنًا. "طاف"، ماذا جرى؟ سقط رضا مرتطمًا بالأرض، ومن لطف الله أنه لم يصب بأذًى.

منذ صغره يتعرض الإنسان لوسائل الإعلام ورسائلها وخاصة التلفاز، إضافة للهاتف في وقتنا الحالي، ويستبطن ما يُعرض عليه من مشاهد نجدها لاحقًا جليّة في سلوكياته، كلامه، أفعاله، نظراته وحتى مشيته، ولسنا متأكدين إن كنا نستبطن أشياء إيجابية.

وفي رمضان حين تُصفّد الشياطين، حسب ثقافتنا الإسلامية، تنطلق بعض شياطين الإنس في تقديم مادة تفوق الخيال، ضرب، دم، انتحار، وإدمان وأبشع ما يمكن اقترافه من سلوكيات.

حجم رهيب من الرسائل تتكثّف في فترة زمنية قصيرة، في شهر واحد يستقبل المُشاهد أطنانًا من المَشاهد الصادمة، وللأسف يتأثر بذلك الكثير من الأطفال والأشخاص الذين لا يملكون مناعة فكرية وأخلاقية.

يتعرض الإنسان منذ صغره لمختلف وسائل الإعلام ويستبطن ما يُعرض عليه من مشاهد نجدها لاحقًا جليّة في سلوكياته، كلامه، وحتى مشيته، ولسنا متأكدين إن كنا نستبطن أشياء إيجابية

ما يزيد الوضع تعفنًا، غياب الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي التي تعرّف نفسها على أنها تقوم بتنظيم قطاع الإعلام السمعي البصري وتعديله وضمان تعدده وتنوعه وتوازنه واستقلاليّة وسائله، وتسهر على ضمان حرية التعبير في إطار احترام الضوابط القانونية، كما تسهر الهيئة على دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون.

تغيب هذه الهيئة التعديلية في هذه المرحلة الحساسة والفترة الزمنية التي تمطرنا فيها وسائل الإعلام بمحتوى غثّه أكثر من السمين.

حين تطرح تساؤلات تخص المحتوى يجيبك أغلبهم بجملة تونسية صميمة قائلًا: "بيناتنا فلسة" أي يمكنك تغيير المحطة نحو أخرى إذا لم يعجبك ما أقدمه وكنت خائفًا من هذا المحتوى على عائلتك وأطفالك. لكنك يا أخانا تطرح بضاعتك في أوقات تجمّع العائلة حول مائدة الأكل والتي تكون عادة قبالة التلفزيون في شهر رمضان، ثم ما ذنب الأطفال المحرومين طوال السنة من مشاهدة أعمال موجهة إليهم؟

هل عليهم أن يشاهدوا أعمالًا أجنبية تطرح وتناقش مواضيع لا علاقة لنا بها؟ كيف ستكون تنشئتهم إذًا والحال أنّ وسائل الإعلام، شئنا أم أبينا، تساهم في هذه التنشئة؟ وعندما تطلب منّا مشاهدة قنوات أخرى، لماذا تدعوننا في كل مرة لاستهلاك كل ماهو تونسي؟

مِن حقي كمواطن تونسي أن أشاهد، أن ألبس وأن أستهلك منتوجًا تونسيًا، "متاعنا، منا فينا". لكن إن لم أجد في الأعمال الفنية ما يشفي غليل انتظاراتي، إلى من أتوجه؟ من الذي سيثير مواضيع تهمني؟ هل يكون مثلًا "المصري البورسعيدي والسوهاجي والسيناوي والشباب الإسكندراني"؟ أو راعي بقر "أمريكاني"؟ نريدها تونسية، لا شرقية ولا غربية.

أليس هناك اتفاق ضمني بين المشاهد وصاحب العمل يقضي بأن يقدم لنا محتوى ويحصل في المقابل على نسب المشاهدة التي تثير الكثير من اللغط كل عام؟ المعادلة بالنسبة لي بسيطة، أن يمنحني صاحب العمل محتوى جيدًا (بالنسبة لي طبعًا) وأن أمنحه أنا نسب مشاهدة عالية يحصل من خلالها على الإشهار، عملية بسيطة بعيدة عن التعقيد.

 

تخلّي الفنان عن دوره

أرى أن كل مراوغة في هذا الموضوع لا تعدو أن تكون تخلّ من الفنان عن دوره الطلائعي وتفصّ من المسؤولية تجاه المجتمع وأن عليه أن يساهم في إصلاحه ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.

لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تقدم أعمالًا تمجّد شخصيات منحرفة منحطة أخلاقيًا ثم تستغرب من الأخلاق المنحدرة في المجتمع. لا يمكن أن يقوم عملك على العنف ثم تستغرب تفشي هذه الظاهرة في الشارع التونسي.

ستُردّ لكم بضاعتكم ولو بعد حين، ذلك ما يؤكده قانون السبب والنتيجة، فكل فعل سينتج عنه رد فعل، الأموال التي ستتلقاها بعد كل مسلسل واعتقادك بالخلاص الفردي أو "أنا وبعدي الطوفان" لن يُجديا نفعًا ولن يمنعا عنك الضرر ولو بعد حين، ولو لم يكن ذلك بشكل مباشر.

يمكن أن تتعرض أنت أو أحد أفراد عائلتك لعنف أو سوء معاملة، ساهمت فيه ولو بنزر قليل. استمتع الآن ببضاعتك المُزجاة التي عادت إليك، ولتُغنِ عنك الأموال التي غنمتها بما اقترفت يداك من أعمال "فنية".

لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تقدم أعمالًا تمجّد شخصيات منحرفة منحطة أخلاقيًا ثم تستغرب من الأخلاق المنحدرة في المجتمع

يجادل البعض بأن دور الفنان يقتصر على إبراز عيوب المجتمع ومحاكاة الواقع، وليس إصلاحه أو إيجاد حلول لأمراضه وعلله، ثم إن الحلقة الأخيرة عادة ما تنتهي بانتصار الأخيار على الأشرار. ينتصر الخير على الشر في حلقة واحدة، لكننا طبّعنا مع العكس لمدة أربعة عشر يومًا على الأقل، ورسخت في الأذهان صورة الشرير الذي يحصل على كل ما يريد وأن بإمكانه تحقيق كل شيء.

هنا يتم اللعب على وتر الغريزة لدى المشاهد الذي يرغب في الحصول على ما حصل عليه "البطل" حتى ولو كان ذلك بطرق غير شرعية، فلا يحتكم كل الناس للقوانين والأخلاق، بل تقودهم الذئبية التي تحدث عنها "توماس هوبز"، والرغبة في تحقيق السطوة والمال والجاه بكل السبل أحيانًا.

يتماهى المشاهد مع بطله مدة عرض المسلسل وينتشي بانتشائه ويشعر بما شعر به الممثل، مع موسيقى تصويرية تُشرك الأذن في استيعاب المحتوى وتُدخل المتفرج في المشاهد كشخصية أخرى باستمالة مشاعره وأحاسيسه.

لماذا تعتقد سيدي الفنان أن دورك ينحصر في نقل الواقع، لقد حجّرت واسعًا، ثم هل تعتقد أنّ الناس تعيش في مغارات ولا تعرف عن الواقع شيئًا؟ ما الإضافة التي تأتينا بها حين تحثنا وتعرض لنا واقعًا نعرفه ونعيشه أكثر منك أيضًا؟ حين تقدم لنا الواقع يصبح أي تاجر أن يصنع لنا مسلسلًا، هل تدرك ذلك؟ كيف؟

الإجابة سهلة يا صديقي، يمكننا الاستعانة بكاميرا مراقبة من أي محل ونرى ما الذي حصل في الشارع ذلك اليوم، سنجد الشارع يتحدث عن نفسه دون أن نحتاج مُخرجًا أو ممثلًا تُصرف له مئات الآلاف من الدنانير.. يمكنني أن أجلس في مقهى وأتابع أداء المواطنين الذي يفوق أحيانًا أداء بعض الممثلين.

إذا كان دور الفنان ينحصر في نقل الواقع وليس إصلاحه، فبإمكاننا الجلوس في مقهى ومتابعة أداء المواطنين الذي يفوق أحيانًا أداء بعض الممثلين

أعتقد، واعتقادي لا يُلزم غيري، إن كان الفنان لا يريد إلا نقل الواقع، فلينقل لنا على الأقل مواضيع مسكوتًا عنها أو لا نراها أو نسمع عنها كل يوم، إن كان يريد نقل الواقع، فلينقله لنا بشكل سحري بلا مباشراتية ركيكة دون أن يوغل أيضًا في الشيفرات والتعقيدات. لكنّي أظل أعتقد أن من واجب الفنان والمثقف أن يفتح لنا طريق النجاة، ألا يقوم عمله على التفكير والإعجاب. 

خُذ مثلًا ما يقوله المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي، باعث فكرة المثقف العضوي، إذ يعتبر أن المثقف هو كل شخص له صلة بالجماهير، يكافح بصورة ثابتة لتغيير العقول والأفكار، هو شخص في حالة اندفاع وحركة دائمين..

 

فن أو دراما الحلول

قد يبدو مصطلح الحلول وافدًا جديدًا، عُرف سابقًا في ميدان الصحافة، صحافة تطرح حلًا أو طريقةً للتعامل مع المشكلة بدل الاكتفاء بوصف المشكلة أو الظاهرة فقط.

ليس على الفنان بالضرورة أن يخرجنا مما نحن فيه نحو الجنة، لكن مجرد التنافس في تقديم الحلول يمكن أن يخلق ديناميكية في المجتمع، ويدفع الناس نحو التفكير في تغيير واقعها وإصلاحه عوض لعنه والبكاء عليه.

صحيح أن الفن مرآة الواقع، لكنني أعتقد أن الفنان هو المؤثر الحقيقي والـ"influenceur" الفعلي الذي يجعل المجتمعات أفضل فكريًا، وإذا تغيرت الأفكار يتغير الواقع حتى ولو تدريجيًا وبنسق بطيء، المهم أن تتحرك الأشياء ولا تبقى مكانها كآثار وجدت منذ قرون.

ليس على الفنان بالضرورة أن يخرجنا مما نحن فيه نحو الجنة، لكن مجرد التنافس في تقديم الحلول يمكن أن يخلق ديناميكية في المجتمع، ويدفع الناس نحو التفكير في تغيير واقعها

تتجلى فكرة الأفكار المحركة للمياه الراكدة مثلًا في ما قدمه المخرج زياد ليتيّم في سلسلة "هريسة لاند" الذي ينقد وضع الإدارة التونسية، حين تم جلب "روبو" يعتمد على الذكاء الاصطناعي في قضاء حوائج المواطنين، رأينا كيف أصبحت الخدمات أفضل وأسرع. تبدو فكرة مغرية لكافة الإدارات التونسية، حتى ولو تم تعطيل الجهاز من طرف أحد الأعوان المتكاسلين والفاسدين.

مثال آخر يمكن أن نأخذه في الاعتبار أتى في مسلسل "الفتنة" للمخرجة سوسن الجمني على قناة الحوار التونسي، حين تضع رقم الهاتف الذي يمكن للنساء الاتصال به في حالة التعرض للعنف.

مثال ثالث أو أكثر في مسلسل "رقوج" لعبد الحميد بوشناق الذي يبث على قناة نسمة، وهو مسلسل مليء بالرسائل الإيجابية، أو يلفت النظر لأشياء مسكوت عنها على غرار دور مريض بالتصلب اللويحي الذي أدّاه الممثل وليد العيادي، الذي صرّح منذ أيام بأن مقاومة الرداءة هي أيضًا من مسؤوليات الفنان فضلًا عن المشاهد.

يقول غسان كنفاني ومن مثله نستلهم العبر والدروس: "أنا الذي أعرف أن الكلمة عندنا وسيلة، وأنها إن لم تستطع أن تتحول إلى حجر في يد الأعزل، إلى جواد تحت رجل طريد، إلى رمح في يد فارس، إلى ضوء في عيني أعمى، فلتسقط إلى النسيان والغبار والصدأ".

الكلمات المفتاحية

تثبيت أحكام قضية التآمر.. أحزاب محاكمة سياسية للمعارضة الرافضة للانفراد بالحكم

تثبيت حكم قضية التآمر في تونس.. هل من جديد؟

قرار رفض التعقيب، في الأثناء، يسدل الستار على مسار التقاضي ولكنه يؤشر على بدء مرحلة جديدة لقضية "التآمر" وهي حصره كملف سياسي في إطار النضال الحقوقي والديمقراطي لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين


حقوق حريات حزب المسار شبكة الحقوق

سؤال "ما البديل؟".. بين التّعجيز والعجز

لم يعد السّؤال عن البديل مجرّد ترف فكريّ.. والأهمّ من ذلك، أنه لم يعد من المُحرّمات في الشّارع التّونسيّ. ولعلّ الإجابة تستوجب، إعادة صياغة السّؤال ذاتِه، من "ما البديل؟" إلى "كيف نبني هذا البديل؟"


جحيم السّجون

جحيم السّجون في تونس

من التّهم الموجّهة من أنصار الرئيس سعيّد، لكلّ من يُثير مسألة الوفيّات الأخيرة، هي عدم حيازة تقرير طبّيّ يُؤكّد الحرّ سببًا للوفاة، والحال أنّه على الدّولة أن تُقدِم على تلك الإجراءات، من باب الشّفافيّة


حين يتحوّل التشخيص نفسه إلى "أمر غير طبيعي"

حين يتحوّل التشخيص نفسه إلى "أمر غير طبيعي"

طارق الكحلاوي: السلطة، حين تتعامل مع كل عطب خدماتي بوصفه اعتداءً خارجيًا أو تخريبًا داخليًا منظمًا، تحرم نفسها من الأداة الوحيدة التي تمكّنها من حل المشكلة فعليًا أي التشخيص الموضوعي

أمطار تونس منخفض جوي تقلبات جوية بلعيد.jpg
منوعات

درجة إنذار تتطلب الحذر.. أمطار رعدية ورياح قوية تشمل 18 ولاية تونسية

معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تصل إلى 41 درجة بالجنوب الغربي

البطولة العربية لألعاب القوى
منوعات

تونس تحصد 17 ميدالية في البطولة العربية لألعاب القوى تحت 18 سنة

اختتمت تونس يوم الأربعاء 9 سبتمبر 2026 مشاركتها في البطولة العربية لألعاب القوى تحت 18 سنة، التي احتضنتها مصر من 5 إلى 9 سبتمبر الجاري، بحصيلة جملية ناهزت 17 ميدالية


مدرج المنار.jpg
مجتمع

جامعة التعليم العالي: ندعو إلى مفاوضات عاجلة والترفيع في منحة العودة الجامعية

الجامعة العامة للتعليم العالي: تنامي أعداد الدكاترة الباحثين العاطلين عن العمل يظل مؤشرًا آخر على غياب التخطيط الكفيل بتحقيق التوازن بين منظومة التكوين الجامعي وحاجيات سوق الشغل

طقس
منوعات

طقس تونس.. درجات الحرارة في ارتفاع طفيف وتصل القصوى إلى 41 درجة

أعلن المعهد الوطني للرصد الجوي أن طقس اليوم الأربعاء 9 سبتمبر/أيلول 2026 سيكون قليل..

الأكثر قراءة

1
منوعات

إطلاق برنامج "مدرب المواهب" لاكتشاف براعم الكرة في تونس.. ما التفاصيل؟


2
سیاسة

تونس تُحذّر بجنيف من اختلالات النظام الدولي وتدعو لإصلاح مجلس الأمن


3
سیاسة

السالمي: الوضع الحالي في تونس متأزم وخطير والسلطة اختارت صدّ الأبواب


4
مجتمع

تقلبات جوية منتظرة في تونس.. دعوات لرفع درجة التأهب واليقظة


5
سیاسة

حراك "يزي" يعلن هويته السياسية: نرفض حكم الفرد في تونس