المزونة تنزف مجددًا.. فاجعة العاملات الفلاحيات تثير موجة غضب واسعة
12 يونيو 2026
تصاعدت مواقف الاستياء والغضب في تونس، يوم الجمعة 12 جوان/يونيو 2026، إثر حادث مؤلم شهدته معتمدية المزونة من ولاية سيدي بوزيد هذه المرة، وخلّف إصابات عديدة في صفوف عاملات فلاحيات ووفاة عاملتين على عين المكان.
وفاة عاملتين وإصابة أخريات
وتشهد تونس تكرّر هذه الحوادث من حين إلى آخر خاصة في المناطق الريفية، أين تنعدم وسائل النقل، لتضطرّ عاملات الفلاحة إلى ركوب شاحنات الموت بحثًا عن لقمة العيش.
وتمثّلت صورة الحادث الأخير في انقلاب شاحنة خفيفة من نوع "إيسوزو" كانت تقل حوالي 20 راكبًا، أغلبهم من العاملات الفلاحيات، أثناء تنقلهم إلى أماكن العمل بالطريق المحلية الرابطة بين معتمديتي المزونة والرقاب من ولاية سيدي بوزيد.
تصاعدت مواقف الاستياء والغضب في تونس، إثر حادث مؤلم شهدته معتمدية المزونة من ولاية سيدي بوزيد، وخلّف إصابات عديدة في صفوف عاملات فلاحيات ووفاة عاملتين على عين المكان
وقد أسفر الحادث، عن وفاة عاملتين بالقطاع الفلاحي وإصابة 13 أخريات بإصابات خطيرة، وفق ما أكده المدير الجهوي للصحة بسيدي بوزيد سالم ناصري، لوكالة الأنباء التونسية الرسمية.
ومن جانبه بين الطبيب المختص في جراحة العظام بالمستشفى الجامعي بسيدي بوزيد، الدكتور ماهر خليفي، أنّه تم إيواء عاملة تعاني من كسر في عظم الفخذ في قسم العظام، وإخضاع أخريات للمراقبة بقسم الاستعجالي والإنعاش، فضلًا عن توجيه إحدى المصابات لقسم الجراحة العامة، وتوجيه مصابة أخرى تعاني من جروح في يديها الاثنتين إلى قسم القلب والشرايين بأحد المستشفيات الجامعيّة بولاية صفاقس.
تنديد واسع
تقدّم الحزب الجمهوري بأحرّ التعازي إلى عائلتي الفقيدتين وإلى أهالي المزونة من ولاية سيدي بوزيد إثر الفاجعة الأليمة التي جدت صباح الجمعة، لافتًا إلى أن "هذه المأساة بعد الفاجعة السابقة التي عاشتها المزونة جراء انهيار جدار بمعهد ثانوي ووفاة عدد من التلاميذ، يؤكد أن هذه الجهة كما عديد الجهات الأخرى ما تزال تدفع ثمنًا باهظًا للإهمال والتهميش وغياب السياسات العمومية الجدية الكفيلة بحماية المواطنين وضمان حقهم في الحياة الكريمة والآمنة".
وعبّر الحزب الجمهوري عن "تضامنه مع عائلات الضحايا والمصابين ومع أهالي المزونة الذين يجدّدون مواجهة الحزن والأسى في ظل أوضاع اجتماعية وتنموية متردية لم تفلح السلطة القائمة في معالجتها رغم الوعود المتكررة والخطابات المتواصلة".
وذكّر الحزب بأن "مآسي العاملات الفلاحيات ليست حوادث معزولة أو قدرًا محتومًا، بل هي نتيجة مباشرة لفشل السياسات العمومية وعجز منظومة الحكم عن وضع حد لظاهرة النقل غير الآمن للعاملات وتوفير شروط العمل اللائق والحماية الاجتماعية لآلاف النساء الكادحات في مختلف الجهات والمناطق الداخلية".
الحزب الجمهوري: السنوات الأخيرة أثبتت أن السلطة اكتفت بالشعارات والخطابات الشعبوية دون تقديم حلول فعلية وجذرية لمعاناة الفئات الهشة، وفي مقدمتها العاملات الفلاحيات اللواتي يواصلن المخاطرة بحياتهن يوميًا من أجل لقمة العيش
وشدد على أن "السنوات الأخيرة أثبتت أن السلطة اكتفت بالشعارات والخطابات الشعبوية دون تقديم حلول فعلية وجذرية لمعاناة الفئات الهشة، وفي مقدمتها العاملات الفلاحيات اللواتي يواصلن المخاطرة بحياتهن يوميًا من أجل لقمة العيش".
وإذ دعا الحزب الجمهوري إلى "فتح تحقيق جدي وشفاف لتحديد المسؤوليات ومحاسبة كل من يثبت تقصيره، فإنه جدد مطالبته بوضع خطة وطنية عاجلة تضمن نقلًا آمنًا للعاملات الفلاحيات وتحفظ كرامتهن وسلامتهن وحقوقهن الأساسية".

من جهتها جدّدت الجامعة العامة للفلاحة، دعواتها إلى سلطات الإشراف لتحمّل مسؤولياتها في تطبيق الحدّ الأدنى القانوني لحماية العاملات الفلاحيات.
وأمام الحادث الذّي جدّ بجهة سيدي بوزيد وأودى بحياة عاملتين فلاحيتين، وخلّف عدد من الإصابات ترحّمت الجامعة النقابية التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل على أرواح ضحايا شاحنات الموت وتقدّمت بالتّعازي والمواساة لعائلاتهم.
ونعت حملة "ضد تجريم العمل المدني" ببالغ الحزن والأسى والغضب وفاة العاملتين الفلاحيتين من حراك أصوات عاملات الفلاحة بجهة المزونة، الشهيدة برنية كفاية والشهيدة ربح شوابنية، اللتين فارقتا الحياة فجر الجمعة في فاجعة أليمة تكشف من جديد حجم التهميش واللامبالاة التي تعاني منها العاملات الفلاحيات في تونس، وفق نص البيان.
وتقدّمت الحملة المدنية بأحرّ التعازي وأصدق مشاعر المواساة إلى عائلتي الفقيدتين، وإلى رفيقاتهما في النضال ضمن حراك أصوات عاملات الفلاحة، ومناضلات جمعية أصوات نساء، وإلى كل العاملات الفلاحيات بجهة المزونة.

تكرّر الحوادث.. من يتحمّل المسؤولية؟
فيما اعتبرت جمعية أصوات نساء أن هذه "الفاجعة الأليمة تهزّ ضمير كل من ما زال يؤمن بالعدالة والكرامة والحق في الحياة".
وشددت على أن "هذا المصاب ليس حدثًا عابرًا، بل هو جرح سياسي واجتماعي مفتوح، يكشف من جديد هشاشة حياة العاملات الفلاحيات في تونس، اللواتي يواصلن دفع ثمن منظومة إنتاج لا تعترف بتعبهن ولا تحمي أجسادهن ولا تصون أرواحهن. نساء يخرجن كل يوم نحو العمل في ظروف قاسية، على طرقات الموت، في وسائل نقل غير آمنة، وفي غياب شبه تام للرقابة والحماية الاجتماعية".
جمعية أصوات نساء: هذا المصاب ليس حدثًا عابرًا، بل هو جرح سياسي واجتماعي مفتوح، يكشف من جديد هشاشة حياة العاملات الفلاحيات في تونس، ومسؤولية هذه الفاجعة تتحملها منظومة كاملة من الصمت والتقصير
وشددت أصوات نساء على "أن الحزن وحده لا يكفي، وأن الألم المتكرر لم يعد قدرًا بل نتيجة مباشرة لسياسات الإهمال والتهميش والإفقار التي تطال النساء في الأرياف، خصوصًا العاملات الفلاحيات اللواتي يحملن على أكتافهن جزءًا كبيرًا من اقتصاد البلاد دون أدنى اعتراف بحقوقهن الأساسية".
وحمّلت الجمعية النسوية، مسؤولية هذه الفاجعة إلى "منظومة كاملة من الصمت والتقصير، منظومة جعلت من تنقّل النساء إلى عملهن رحلة خطر يومية، ومن العمل الفلاحي فضاءً غير محميّ، ومن الحق في السلامة ترفًا غير مضمون. وهي مسؤولية لا يمكن تبريرها أو تجاوزها ببيانات التعاطف وحدها".

من جانبها نعت أيضًا، جبهة المساواة وحقوق النساء بكل حزن وأسى وفاة العاملتين الفلاحيتين برنية كفاية وربح شوابنية في المزونة، في فاجعة أليمة جديدة تذكّر بأن العاملات الفلاحيات ما زلن يدفعن بأرواحهن ثمن التهميش وغياب الحماية.
وقالت الجبهة إن "هذه المأساة ليست حادثًا عرضيًا، بل هي نتيجة مباشرة للإخلال بالحق في الحياة، والحق في الأمن والسلامة، والحق في العمل اللائق، والحق في التمتع بكافة الحقوق الإنسانية دون تمييز".
وحمّلت جبهة المساواة وحقوق النساء "الدولة مسؤوليتها الكاملة في حماية العاملات الفلاحيات"، داعية إلى تطوير سياسات عمومية يكون جوهرها حفظ كرامة النساء وصون حياتهن وضمان ظروف عمل ونقل آمنة تحفظ حقوقهن الإنسانية.
جبهة المساواة وحقوق النساء: التهاون المتواصل في حماية العاملات الفلاحيات، رغم تكرار الفواجع وسقوط الضحايا، يمثل شكلًا من أشكال العنف المؤسساتي الذي يرقى إلى مستوى القتل بالتقصير والإهمال
وقالت في بيان لها إن "التهاون المتواصل في حماية العاملات الفلاحيات، رغم تكرار الفواجع وسقوط الضحايا، يمثل شكلًا من أشكال العنف المؤسساتي الذي يرقى إلى مستوى القتل بالتقصير والإهمال".
وذكّرت الجبهة بأن "العاملات الفلاحيات يؤمّنّ الغذاء لكل التونسيين، ويساهمن يوميًا في ضمان الأمن الغذائي للبلاد، لكنهن يفعلن ذلك على حساب صحتهن وسلامتهن وأحيانًا على حساب حياتهن".

ولا تزال حوادث المرور التي تفتك بالعاملات في القطاع الفلاحي في تونس مستمرة، وما فتئت أرقام ضحاياها ترتفع، رغم صيحات الفزع المتواصلة من منظمات المجتمع المدني التي تدعو إلى ضرورة إيجاد آليات تضع حدًا لحوادث الموت التي تحصد أرواح العاملات بشكل مستمر، على الرغم من وضع قانون واضح منذ سنة 2019 ينظّم عملية نقل العملة والعاملات في الفلاحة.
وكان المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، قد أعلن منذ ماي/أيار 2025، أنّه تم تسجيل 88 حادثًا جراء النقل العشوائي للعاملات الفلاحيات منذ سنة 2015، وأضاف في إحصائيات نشرها على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أن هذه الحوادث خلّفت 65 ضحية و983 جريحًا وجريحة بين عمَلَة وعاملات في القطاع الفلاحي.
اقرأ/ي أيضًا: عام على صدور مرسوم نظام الحماية الاجتماعية.. معاناة العاملات الفلاحيات متواصلة
كما أشار إلى أنّ 60% من مجموع الحوادث تم تسجيلها بعد سنة 2019، أي بعد سنّ قانون ينظّم عملية نقل العملة والعاملات في الفلاحة، لافتًا إلى أنّ 50% منها تم تسجيلها في ولايتي القيروان وسيدي بوزيد.
وبدوره يعتبر الخبير في الحماية الاجتماعية بدر السماوي في تصريح سابق لـ"الترا تونس"، أن "القانون المتعلق بنقل العملة الفلاحيين لم يجد طريقه إلى التنفيذ حتى بعد إصدار الأمر الحكومي، لأنه تضمّن إجراءات صعبة ولأن الدولة تركت المجال للخواص لحلّ مشكلة النقل ولم تتعهد بالمشاركة في حلها"، وفقه.
تفاصيل أكثر عن الموضوع تجدونها في التقرير التالي: الاعتراف بمهنة عاملة فلاحية في تونس بين النص والواقع
الكلمات المفتاحية
رفض مطلب الإفراج عن الناشط عبد الله السعيد وتأجيل القضية
حملة "ضدّ تجريم العمل المدني": محكمة الاستئناف بمدنين رفضت مطلب الإفراج عن الناشط عبد الله السعيد وقررت تأجيل القضية إلى جلسة 28 سبتمبر 2026
كيف علّق وزير طاقة سابق على إجراء القطع المتعمَّد للكهرباء في تونس؟
منجي مرزوق: تونس تُعد نموذجًا جيدًا لدولة حققت وصولاً شبه شامل للكهرباء، لكنها ما زالت تلجأ إلى تخفيف (تقنين) موسمي ومحدد النطاق للكهرباء
انقطاعات واسعة ومتكررة للكهرباء بتونس.. استياء كبير و"الستاغ" توضّح الأسباب
المدير العام للشركة التونسية للكهرباء والغاز "الستاغ": ما يعرف بـ"الديليستاج" (Délestage) أو القطع الدوري والمبرمج للكهرباء، هو إجراء تقني يتم اللجوء إليه عندما يتجاوز الطلب القدرة الإنتاجية المتوفرة، بهدف الحفاظ على توازن الشبكة ومنع انهيارها الكامل
كيف علّق وزير طاقة سابق على إجراء القطع المتعمَّد للكهرباء في تونس؟
منجي مرزوق: تونس تُعد نموذجًا جيدًا لدولة حققت وصولاً شبه شامل للكهرباء، لكنها ما زالت تلجأ إلى تخفيف (تقنين) موسمي ومحدد النطاق للكهرباء
محمد بالحاج محمود رسميًا في الترجي الرياضي
أعلن الترجي الرياضي التونسي، اليوم الأربعاء 15 جويلية/يوليو 2026، عن إتمام كافة الإجراءات المُتعلّقة بالتعاقد مع..
ماذا نعرف عن التوجيه الجامعي في تونس لسنة 2026؟
تمثل عملية التوجيه الجامعي في تونس مرحلة أساسية في المسار الدراسي للناجحين في امتحان الباكالوريا..
تنديد بالحكم الصادر ضد الإعلامي هيثم المكي ودعوات لنقضه
نقابة الصحفيين التونسيين: ندعو السلطات إلى احترام المعايير الدستورية والدولية الضامنة لحرية التعبير، ووضع حد للملاحقات القضائية التي تستهدف الصحفيين والإعلاميين خارج الضمانات التي يقرّها القانون