المدير الفني لمسرح الربط: هدفنا إحياء المدينة العتيقة ولم نتلق دعمًا (حوار)

المدير الفني لمسرح الربط: هدفنا إحياء المدينة العتيقة ولم نتلق دعمًا (حوار)

المدير الفني لفضاء "الربط" بلقاسم عزديني

في قلب المدينة العتيقة، تحديدًا في نهج الباشا ينتصب مقر المركز الثقافي الدولي "مسرح الربط"، وهو فضاء خاص حلم به مؤسسوه منذ سنوات ورأى النور في الثاني من شهر سبتمبر/ أيلول الماضي بعد تعطيلات في الإجراءات الإدارية. و"الربط" فضاء خاص ينتهج القائمون عليه رؤية خاصة للأنشطة الثقافية قوامها لامركزية الثقافة داخل العاصمة نفسها، وتكوين جيل من الشباب قادر على التفكير والنقاش والمشاركة في الحياة العامة.

وللحديث عن توجّه المركز الثقافي الدولي مسرح الربط وعن الأنشطة التي أقامها منذ افتتاحه وعن دعم الدولة له، التقى "الترا تونس" بالمدير الفني للفضاء بلقاسم عزديني وكان له معه الحوار التالي.

اقرأ/ي أيضًا: آمال المثلوثي: نيويورك أوسع فضاء للحرية والشيخ العفريت يغريني (حوار)

المدير الفني لمسرح الربط بلقاسم عزديني لـ"الترا تونس": حينما عدتُ إلى العاصمة بدأت فكرة الفضاء الثقافي ترى النور فعليًا بعد نقاش مع الممثلة المسرحية السابقة فاتن بن جميعية

  • لو تحدّثنا عن فكرة بعث فضاء ثقافي خاص؟

في الحقيقة الفكرة تعود إلى سنة 2011 فمباشرة بعد الثورة راهن صديقي المسرحي وليد الخضراوي على بعث فضاء ثقافي خاص، ورافقته في حلمه منذ أن كان فكرة إلى خطوات التنفيذ وكان أن افتتح المركز الدولي للفنون المعاصرة بالقصرين، وكان من المبرمج أن أكون في فريق العمل لكن ظروفي المهنية والشخصية حالت دون ذلك، ولكن حلم الانتصاب للحساب الخاص لم يفارقني خاصة وأنني لا أتصوّر نفسي أستاذ مسرح مقيد بساعات عمل.

في تلك الفترة لم تكن إمكانياتي المادية تخوّل لي أن أعود إلى صفاقس مسقط رأسي وأفتتح فضاء ثقافيًا وإن كان ذلك حلمي، بالإضافة إلى أنّني كنت متشبّثًا بالعاصمة لالتزامات مهنية، وتجربة المركز الدولي للفن الرابع بقعفور رسّخت لدي فكرة افتتاح فضاء ثقافي خاص أكثر، وعملت في هذا المركز لفترة في إطار الانفتاح على الجهات وتكريس اللامركزية الثقافية ثم انقطعت بعد مدّة قصيرة وسافرتُ إلى فرنسا بعد إمضاء عقد مع الاتحاد الأوروبي في خدمة الشباب المتطوّعين ولكنّني قررت العودة إلى تونس رغم أنّ التجربة كانت جميلة.

تعود فكرة مسرح الربط إلى سنة 2011 (يسرى الشيخاوي/ الترا تونس)

  • لماذا عدت إلى تونس إذًا؟

عدت لأنّ حلم افتتاح فضاء ثقافي خاص مازال يراودني، وعدتُ لأحققه رغم أنني أهوى السفر، ولكنّ حين انتهى عقدي مع الاتحاد الأوروبي قررت العودة، ومن الطرائف أنني اتجهت من المطار مباشرة إلى المركز الدولي للفن الرابع بقعفور لأتطلّع عن كثب على حلم صار حقيقة، وأصبح للفضاء إنتاجات خاصة ومهرجانات، ولكن لم يدم تشبثي بحلم قعفور طويلًا واقتنعت أنّه يضم بعضًا من حلمي ولكن ليس كل حلمي. وعدت إلى العاصمة والفكرة تكبر في ذهني يومًا بعد يوم.

  • بعد هذا المدّ والزّجر، كيف كان التجسيد الحقيقي لفكرة "الربط"؟

حينما عدتُ إلى العاصمة بدأت الفكرة ترى النور فعليًا بعد نقاش مع الممثلة المسرحية السابقة فاتن بن جميعية وهي مديرة الإنتاج الحالية للفضاء، فاتن من تلاميذ الهادي داود وانقطعت عن المسرح تمثيلًا ومشاهدة منذ وفاته، ولكنّها كانت تعاني نوعًا من الوجع والحرقة وهي تحلم بفضاء تمارس فيها الفن بطريقتها وتعيش فيه نبله، ومن وقتها كانت الانطلاقة باقتراح منها في الوقت الذي كنت أستعدّ فيه للسفر لألمانيا واقتنعت حينها أنه ليس الوقت المناسب لذلك الالتزام.

بلقاسم عزديني لـ"الترا تونس": المدينة العتيقة للجميع ويجب أن نقطع مع المركزية وأن نخرج مفردة "ولد الربط" من سياقها السلبي

  • لماذا خيرتم أن يكون الفضاء في المدينة العتيقة؟

المدينة العتيقة لم تكن الوجهة الأولى ولكن خيارنا كان أن نكون دائمًا قريبين من وسط المدينة في المجال الممتدّ بين الجبل الأحمر وباب العسل لأنّه أردنا أن نتتهج نفس توجّه " مسار" الذي يمثّل أحد الفضاءات التي يمكن أن يُحتذى بها.

وحينما لم نجد المقر المناسب توجهنا إلى المدينة وخلال العمل في الجهات كنت على قناعة بضرورة تكريس اللامركزية الثقافية في المناطق والأحياء المهمّشة، وفي المدينة توجد عدّة فضاءات ثقافية لكن السؤال هل هي تقوم بدورها في تنشيط المدينة أم لا، كما الاحتفالات عادة ما تصير خارج أسوار المدينة وكأنها خالية من المتابعين للأنشطة الثقافية.

  • لماذا تسمية "الربط"؟

المدينة العتيقة للجميع ويجب أن نقطع مع المركزية وأن نخرج مفردة "ولد الربط" من سياقها السلبي واستعمالها في المعنى الإيجابي وحتى الصيني الذي يعمل في الربط يصبح ابنه. وفي الحقيقة لم يكن اختيار الاسم سهلًا، وفاتن بن جميعية كانت سبّاقة في اختيار تسمية خفيفة وحمالة معنى.

يهدف مسرح الربط إلى إحياء المدينة العتيقة وتنشيطها (يسرى الشيخاوي/ الترا تونس)

  • تحدّثت عن وجود عدّة فضاءات ثقافية في المدينة العتيقة فما الذي يميّز الربط عنها؟

هناك هدف يقوم عليه المركز الثقافي الدولي مسرح الربط وهو إحياء المدينة وتنشيطها من خلال الإنتاجات والتظاهرات والمهرجانات التي خطّطنا لها ونفّذ بعضها مؤخرًا، وسنحاول أن نقدّم الإضافة وأن نثبت أن "الربط" ليس حكرًا على المقر بل هو فكرة تمتد على كامل المدينة العتيقة، ونحن سنكون موجودين في أي تظاهرة رقصًا كانت أو سينما او مسرحًا أو موسيقى، سنذهب حيث المواطنون ومن لا يمكنه زيارة الفضاء سنحمل إليه الإنتاج الثقافي.

وفي هذا المشروع الثقافي ركّزنا على الأطفال لأنهم مستقبل تونس وقد أثبتت عدّة دراسات أنّ للفنّ تأثير قوي في تربية الناشئة، وهذا التكوين سيفرز جيلًا سليمًا لديه خلفية فكرية وقادر على النقاش والتفكير.

  • ماذا عن البرمجة الموجّهة للأطفال؟

هناك النادي النموذجي للأطفال وهو ناد شامل يضم أنشطة فنّية متنوعة من رسم وسينما ومسرح وألعاب درامية خاصة بالطفل ورقص وموسيقى ومراجعات، هو ناد يعطي للطفل قليلًا من كل شيء لأنّني على قناعة بأنه لا يمكن توجيه طفل في عمر بين الأربع والتسع سنوات إلى نشاط ثقافي معيّن لأنه في مرحلة تكوين.

والتكوين في الفضاء يمكّن الطفل فيما بعد من اختيار النادي الذي يحبّذ الانخراط فيه بعد اكتشاف موهبته، ويوم الأحد من الساعة التاسعة إلى الساعة منتصف النهار مخصص للأطفال من خلال عروض الحكواتي مع المسرحي حاتم بن حمودة، ونسعى من خلال هذه العروض إلى إعادة مفهوم الحكواتي إلى الأذهان بعد أن اندثرت من المدينة وإن لم تكن حكرًا عليها بل عرفتها جهات أخرى من تونس، ونحن هنا نحاول أن نحيي التراث المادي واللامادي، هذا إلى جانب مشاهدة عروض مسرحية وعرائسية ذات بعد تربوي وبيداغوجي يتعود من خلالها الطفل على النقاش وتساهم في تشكيل وعيه.

بلقاسم عزديني لـ"الترا تونس": في فضاء الربط يوجد مختبر الفنون المسرحية أشرف عليه بمعية المسرحييّن نصر الدين العبيدي ونزار الكشو يومي السبت والأحد

  • من يشرف على النادي النموذجي؟

سأتولى أنا تأطير هذا النادي على اعتبار أنني تخصص فنون عرائس وتوجّهي للأطفال، لن أدرّسهم الموسيقى أو الرقص ولكن سيكون هناك بيداغوجيا معيّنة في الاستماع والرقص كما أنّني سأستعين بآراء المنشّطين الأساسيّين في نوادي السينما والرقص الموجّهة لغير الأطفال، وتكوين الأطفال ليس حكرًا على فضاء الربط بل يمكن أن يشاهدوا أفلامًا موجّهة للطفل في قاعات السينما أو عروض عرائس.

  • وبالنسبة للأنشطة الموجّهة للكبار؟

في فضاء الربط يوجد مختبر الفنون المسرحية أشرف عليه بمعية المسرحييّن نصر الدين العبيدي ونزار الكشو يومي السبت والأحد، وهو مختبر أكاديمي وليس بالأكاديمي ويجمع بين البعدين الترفيهي والعلمي، وهناك ناد للهواة لمن لديه هدف من المسرح على غرار مدرّبي التنمية البشرية.

ويضم الفضاء "ميني كونسرفاتور" يشرف عليه شكري عمر الحناشي ومنى العيساوي وغايته ليست منافسة بقية معاهد الموسيقى ويقوم على توجه أكاديمي يدوم سنتين، السنة الأولى يتلقى فيها المتكون دروسًا في النوتة والسلم الموسيقي وفي الثانية ينطلق في العزف على الآلة التي اختارها، إلى جانب ناد يعنى بالتقنيات السينيماتوغرافية والصورة الرقمية عن طريق الهاتف الجوال يشرف عليه حسان عراف ونور جلولي، وبالإضافة إلى نوادي الفن البلاستيكي والرقص المسرحي والتنمية البشرية.

اقرأ/ي أيضًا: رامي خليفة: دم جديد سرى في فرقة مارسيل خليفة.. وفي العمل معه لا مجال للعاطفة

ومن الضروري الإشارة إلى أنّ هناك احتفالية تجمع نتاج الأنشطة التي يقوم بها المتكونون في النوادي وتوجّه إلى متساكني الربط، ويمكن أن تكون متزامنة مع أحد المهرجانات.

  • ماهي المهرجانات التي نظّمها المركز الثقافي الدولي مسرح الربط؟

نظّمنا مهرجان " الفن الوردي"، والميزة أنّنا نحاول أن نجمع أي تظاهرة ثقافية بظاهرة اجتماعية، والتظاهرة مهرجان للمسرح تزامن مع أكتوبر/ تشرين الأول الوردي، وذلك لترسيخ مقولة إن الفن في خدمة المجتمع، وفي نفس الوقت يتمتع المواطنون بالعروض وحصص علاج مجاني وكشوفات صحية من خلال وجود الجمعية التونسية للصحة الإنجابية التي دعمتنا في التظاهرة من خلال توفير كشف لمدّة ثلاث ساعات يوميًا، وبالشراكة مع وزارة الصحة ألقت دكتورة محاضرة حول الوقاية والعلاج من السرطان خلال المهرجان.

ولأنّ الفضاء الثقافي ذو صبغة دولية حاولنا أن تتضمن الدورة الأولى من مهرجان المسرح مشاركات دولية ولكن نظرًا لكون الميزانية ذاتية تعذّر ذلك واستقر الأمر على مشاركة من المغرب من خلال عرض "حكرة" لفرقة المشهد المسرحي بالمغرب، وشهد المهرجان عرض حكواتي للأطفال في الاختتام وموسيقى شبابية وفولكلورية في الافتتاح إلى جانب تربص تكويني في فن المونودراما.

يخصص مسرح الربط يوم الأحد للأطفال من خلال عروض الحكواتي (يسرى الشيخاوي/ الترا تونس)

  • هل هناك تظاهرات أخرى على لائحة برامج "الربط"؟

في منتصف شهر جانفي/ كانون الثاني المقبل سينتظم مهرجان للرقص وهو مهرجان ذو خصوصية لأنه سيعرض في الفضاءات المفتوحة في المدينة العتيقة والأماكن المهجورة كـ"الخرب" التي يمكن استغلالها دون أن تشكّل خطرًا على سلامة المتفرّج، ونحن انتهجنا هذا التوجه للانفتاح على كل شبر من المدينة العتيقة وتحقيق هدف تنشيط وإحياء المدينة، سنعتمد في هذا المهرجان على الرقصات المنفردة والثنائية بجميع أنواعها وهي فرصة للشباب كي يشاركوا بلوحاتهم الراقصة.

ومن المنتظر أن ننظّم مهرجانًا للسينما في ليالي رمضان ستكون احتفالية طيلة الشهر تتخللها عروض مسرحية وموسيقية ونحاول من خلالها أن نعيد أجواء الربط قديمًا وأيضًا هناك مهرجان للموسيقي في فصل الصيف الذي عدّ موسم المهرجانات الموسيقية.

  • أين وزارة الشؤون الثقافية من هذه التظاهرات؟

من الطرائف التي صادفتنا أنّنا أخرنا افتتاح فضاء الربط لمدّة أربعة أشهر في انتظار رخصة تأسيس شركة فنية من وزارة الشؤون الثقافية، وكان من المقرر أن يكون الافتتاح في ماي/ أيار الماضي تزامنًا مع شهر رمضان ولكنّه تأجل إلى شهر سبتمبر الماضي.

ونحن ندعو وزير الشؤون الثقافية محمد زين العابدين إلى تقديم تسهيلات للفنان في علاقة بإنشاء الشركات الفنّية.

  • تحدّثتم عن شراكة مع وزارة الصحّة في تظاهرة "الفن الوردي"، ألم تدعمكم وزارة الشؤون الثقافية؟

لم نتلق أي دعم من الوزارة، ونحن سنتقدّم بمشاريعنا إلى الوزارة لنتحصّل على الدعم السنوي وليس من الضروري أن نبقى 10 سنوات أخرى لكي نتمتع بالدعم، سنطالب بحقّنا في الدعم وسنسعى لمقابلة الوزير في هذا الصدد.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الفنان التشكيلي لمجد النّوري: الحروفية أعادت الرّوح لسبّورات المدارس (حوار)

النّحات حافظ المساهلي: السياسة الثّقافية في تونس لم تتغيّر وأنا أباغت جماليًا