ultracheck
رأي

المدرسة التونسية ومدى اشتباكها بالثقافي

27 أغسطس 2026
مدرسة القايدي.jpg
"إن تطوير النشاط الثقافي داخل المدرسة في تونس هو إنقاذ لأجيال كاملة من تهديدات قد تستهدف المجتمع" (صورة أرشيفية/ياسين القايدي/Getty)
رمزي العياري
رمزي العياري صحفي من تونس

مقال رأي

 

كل المقاربات المفهومية لعلم الاجتماع وبالخصوص علم الاجتماع التربوي تفيد بأن "المدرسة" هي مؤسسة مجتمعية أساسية مهمتها الجوهرية هي صناعة الإنسان، وقد استطاعت هذه المؤسسة بثبات عجيب أن تعبر كل العواصف وتصمد أمام الحروب والثورات الكبرى التي عاشتها الإنسانية وأن تخترق الارتدادات وتواصل مهمتها النبيلة في صناعة الإنسان بكل ثبات.

وتكيف "المدرسة" من المتغيرات المحلية والعالمية كان بفضل إرادات وخيارات مجتمعية وسياسات عمومية تدرك جيدًا دور مؤسسة "المدرسة" وقيمتها الرمزية، وتاريخيًا رأينا كل المجتمعات في العالم تكيفت مدارسها مع كل مستجدّ وقامت بالتعديل الذي يتماشى مع الخصوصيات الحضارية، والثقافية، والسياسية، والاقتصادية.

أخيرًا ومع إيقاع التغيرات المتسارعة التي أصبحت عليها البشرية وتحديدًا منذ تفشي وباء كورونا سنة 2020 وإلى حد اليوم أصبحت "المدرسة" في مهب العاصفة الاتصالية وسطوة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي فهي مطالبة بتجديد نفسها كل مدة هيكليًا وجوهريًا، وأيضًا إعادة ترتيب القيم التي تسعى لنشرها بما يتماشى ومتطلبات اللحظة التاريخية الحالية.

كل التصورات الإصلاحية للتعليم والبدائل التي قدمت طيلة السنوات الفارطة والتي بقيت مجرد محاولات لا غير.. أغفلت عنوانًا كبيرًا ومهمًا.. هو "الثقافي في الوسط المدرسي" وكان حضوره عرضيًا وشكليًا ودون تبيان خطط تنفيذ واضحة المعالم وسهلة التطبيق

والمدرسة التونسية ليست بمنأى عمّا يحدث في محيطها المحلي والإقليمي والعالمي وأيضًا عما يحدث من تغيرات كبرى، لكننا نراها اليوم منشغلة بالمعرفي والعلمي والبيداغوجي والمدرسين وترميم بنيتها التحتية على حساب التربوي الصرف والاجتماعي والثقافي، فكل التصورات الإصلاحية والبدائل التي قدمت طيلة السنوات الفارطة وأبرزها ما عرف بإصلاح ناجي جلول (وزير التربية عن حزب نداء تونس قبل 25 جويلية/يوليو 2021) والتي بقيت مجرد محاولات لا غير جراء عدم التوافق بين نقابات التربية (وعددها 9) وبين سلطة الإشراف (وزارة التربية) أغفلت عنوانًا كبيرًا ومهمًا في صناعة الإنسان المنشغلة به المدرسة بما في ذلك المدرسة التونسية  هو "الثقافي في الوسط المدرسي" وكان حضوره عرضيًا وشكليًا ودون تبيان خطط تنفيذ واضحة المعالم وسهلة التطبيق.

وفي واقع الأمر وإذا ما قدمنا مقاربة تشخيصية للحياة الثقافية التربوية داخل المدرسة التونسية، نلاحظ أن الزمن الثقافي المدرسي أكله ذئب الدروس الخصوصية وسريان "مرض" فقدان الشهية للعمل الثقافي المدرسي، ورغم توفر الإحصائيات الخاصة بالأنشطة الثقافية في الوسط المدرسي، فإننا إذا ما قارناها بعقود سابقة نقف على التراجع الملفت، حتى أن النوادي الثقافية الكلاسيكية على غرار نوادي الأدب والشعر والمسرح والرقص والشطرنج والمطالعة والرحلات، وتلك المسابقات بين المدارس والمعاهد التي شغلت أجيالًا، كلها اضمحلت  وتلاشت لأسباب عديدة من أبرزها أنها أصبحت لا تجيب على أحلام تلميذ اليوم المبحر في عالم افتراضي، فسيح متلاطم المخاطر مكنته منه طفرة الأنترنت، حيث بات يمارس من خلاله أسفارًا لا يتيحها له واقعه الحي.

كما يغيب التأطير الحقيقي للأنشطة الثقافية داخل المدرسة التونسية حيث مازلت وزارة التربية تعول على متطوعين من المربين، ومؤخرًا أصبحوا يتلقون مقابل ذلك منحة جزافية (مجموعة من الساعات الإضافية) تأتي ولا تأتي، مما يجعل الإقبال ضعيفًا، أما التلميذ المستهدف بالأنشطة فيغيب رأيه في تخير محتوى النوادي وأساليب عملها كما يغيب التحفيز المادي والمعنوي الخاص به، هذا ويسري بين الأولياء شعار خاطئ مفاده أن "الأنشطة الثقافية داخل المدرسة مضيعة للوقت" وهو شعار يروج له سماسرة الدروس الخصوصية.

بعد تركيز المجلس الأعلى للتربية وبداية نشاطه فعليًا نرى أنه لا بد أن يحمي الأنشطة الثقافية في الوسط المدرسي من الزوال والاندثار وأن يحرص على الدفع في اتجاه وضع استراتيجيا واضحة وكاملة للنشاط الثقافي في الوسط المدرسي

إن الصورة النمطية لموضوع "الثقافي" داخل المدرسة في تونس هو حزمة من المناشير الوزارية والنصوص الترتيبية وإدارات ثقيلة لها ميزانيات خاصة ومحترمة المقادير على مستوى مركزي وجهوي (إدارة عامة بوزارة التربية ورؤساء مصالح بالمندوبيات الجهوية)، وشراكات عديدة مع وزارات مؤسسات رسمية وجمعيات.

وإذا ما قلّبنا مثلًا في تاريخ شراكات وزارة التربية منذ نشأتها مع الاستقلال سنة 1956 مع باقي الوزارات وخصوصًا وزارة الشؤون الثقافية، سنجد أنها بالمئات لكنها حبر على ورق، سرعان ما تنتهي فاعليتها مباشرة بعد انجلاء أضواء الإمضاء بين الوزيرين، وحتى المحاولات الناجحة لم تستمر.

وبعد تركيز المجلس الأعلى للتربية وبداية نشاطه فعليًا منذ 17 أوت/أغسطس 2026 نرى أنه لا بد أن يتدخل في هذه النقطة وأن يحمي الأنشطة الثقافية في الوسط المدرسي من الزوال والاندثار وأن يحرص على الدفع في اتجاه وضع استراتيجيا واضحة وكاملة للنشاط الثقافي في الوسط المدرسي، تكون تحت إشراف وزارة التربية ووزارة الشؤون الثقافية مع مشاركة وزارت أخرى كل حسب اختصاصه على غرار وزارة الشباب والرياضة، ووزارة التكوين المهني، ووزارة المرأة والطفولة والمسنين.

ومن ملامح هذه الاستراتيجيا هو استحداث لجان ثنائية دائمة بين الوزارتين لوضع تصور لأنشطة ثقافية داخل المؤسسات التربوية وينفذها مختصون في التنشيط الثقافي تنتدبهم وزارة الثقافة من خريجي الجامعة التونسية في مختلف مجالات التنشيط الثقافي وخريجي التكوين المهني ويكون عملهم لدى وزارة التربية تمامًا مثل أساتذة التربية البدنية اللذين تنتدبهم وزارة الشباب والرياضة لصالح وزارة التربية.

إن تطوير النشاط الثقافي داخل المدرسة في تونس هو إنقاذ لأجيال كاملة من تهديدات قد تستهدف المجتمع وتبقى متربصة به وخاصة كل أشكال العنف، والأمراض النفسية

وأيضًا تطوير منظومة القوانين التي تنظم الأنشطة الثقافية لتكون أكثر دقة وشفافية وبما تسمح مستقبلًا بإنشاء عقود مع الفنانين المحترفين (الحاصلين على بطاقة احتراف من قبل وزارة الشؤون الثقافية) وتخصيص ميزانية هامة لتنفيذ الأنشطة والتحفيز للفاعلين وللتلاميذ على وجه الخصوص. والتأكيد على استحداث فضاءات خاصة بالنوادي والأنشطة الثقافية والفنية وتكون قارة يقصدها التلميذ والمربي معًا من أجل تواصل أفقي غير نمطي بما يشبه المركب الثقافي الصغير داخل المؤسسات التربوية.

إن تطوير النشاط الثقافي داخل المدرسة في تونس هو إنقاذ لأجيال كاملة من تهديدات قد تستهدف المجتمع وتبقى متربصة به وخاصة كل أشكال العنف، والأمراض النفسية وعلى رأسها مرض طيف التوحد. لأن التلميذ المتشبع بالفنون والآداب والذي يسهم فيها بالممارسة والمتابعة داخل مدرسته إلى جانب تلقيه للعلوم والمعارف تبدو شخصيته متوازنة ولا يجنح لأي نوع من الانحراف.         

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت" 

الكلمات المفتاحية

حرية التعبير حرية الصحافة المرسوم 54.jpg

10 ملاحظات حول تنقيح المرسوم 54.. وميض خافت لا يبدّد الظلام

"إن تنقيح المرسوم على محدوديته.. هو إقرار من السلطة السياسية صاحبة المرسوم أي رئيس الجمهورية بخطيئة إصداره بالصيغة الأصلية عام 2022، وما سبّبته من محاكمات وعقوبات سجنية شملت عديد التونسيين"


المرسوم 54 الشاذلي بن إبراهيم  Getty NurPhoto

المرسوم 54 ليس أصل الدّاء

بالعقيدة الزّجريّة ذاتِها، لنظام زين العابدين بن عليّ بادر الرّئيس، قيس سعيّد، في خريف عام 2022، بإصدار المرسوم 54.. وسرعان ما تحوّل هذا النّصّ إلى سيف مسلّط على رقاب كلّ نَفَسٍ نقديٍّ في البلاد


شرف هذا الطفل التونسي السجن من أجل فلسطين

شرف هذا الطفل التونسي السجن من أجل فلسطين

تلفيق التهم بتعلّة الفساد المالي وسوء التصرف في التبرعات، فهذا النوع من التهم قد يصدق في مسائل الشأن العام الداخلي والمحلي، لكنه لا يصلح في التعامل مع موجات التطوع والتبرع بالدم والمال لأجل فلسطين


شارع الحبيب بورقيبة LIONEL BONAVENTURE AFP.jpg

السلطة في مواجهة نفسها.. تحديات العام السياسي القادم في تونس

يربط خيط واحد بين هذه النقاط، ويكشف أن السلطة، في كل واحدة منها، تصنع بيدها الأسباب التي تُضعفها. فلا يوجد خصم يمنعها من حل أزمة الكهرباء، ولا مؤامرة تفرض عليها ملاحقة مناضلي الأسطول ومسانديهم..

طقس تونس.. أمطار متفرقة مع استقرار في درجات الحرارة
منوعات

طقس تونس.. سحب كثيفة مع أمطار وانخفاض في درجات الحرارة

معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تشهد انخفاضًا نسبيًا، وتصل أقصاها إلى 31 درجة بأقصى الجنوب

مطر طقس غيتي.jpg
منوعات

معهد الرصد الجوي يكشف الولايات المعنيّة بنزول أمطار غزيرة يوم الجمعة

معهد الرصد الجوي: يتواصل نزول أمطار متفرقة ومؤقتًا رعدية يوم الغد السبت 10 أكتوبر 2026 بالمناطق الساحلية الشمالية


إلزامية تقديم بطاقة عدد 3 عند طلب تأشيرات عمل جديدة للتونسيين بالإمارات
سیاسة

الإمارات تفرض البطاقة عدد 3 على التونسيين الراغبين في العمل بها

بالنسبة إلى المواطنين التونسيين الموجودين بدولة الإمارات بتأشيرات زيارة، الذين تحصلوا على فرص عمل ويرغبون في تسوية وضعياتهم القانونية واستكمال إجراءات الحصول على تأشيرات عمل، أفادت القنصلية بأنهم يتمتعون بمهلة قدرها 45 يومًا من تاريخ دخول القرار حيز التنفيذ.

طقس مطر غيتي_0.jpg
منوعات

طقس تونس.. الحرارة في انخفاض ملحوظ مع أمطار غزيرة بعدد من الجهات

معهد الرصد الجوي: الريح تكون قوية نسبيًا فتدريجيًا قوية قرب السواحل الشرقية وبالجنوب حيث تثير محليًا الرمال والأتربة وضعيفة فمعتدلة ببقية الجهات

الأكثر قراءة

1
منوعات

جوائز "إندا العالم العربي".. تتويج 3 مبادرات بيئية تونسية


2
سیاسة

حزب تونسي يستنكر ما رافق محاكمة رياض بن فضل ويطالب بالإفراج الفوري عنه


3
مجتمع

الكراء المملك في تونس.. كل ما يجب أن تعرفه لاقتناء مسكن


4
منوعات

البطولة التونسية..الترجي يتألّق بثلاثية والإفريقي والصفاقسي يتعرضان للهزيمة


5
مجتمع

وقفة احتجاجية رابعة أمام وزارة التربية.. متظلّمو مناظرة "الكاباس" يوضحون مطالبهم لـ"الترا تونس"