المجتمع المدني في تونس.. من شريك في الانتقال الديمقراطي إلى خوض معركة البقاء
25 مايو 2026
في السنوات التي تلت ثورة الياسمين، شكّل المجتمع المدني في تونس أحد أبرز ركائز المرحلة الانتقالية، إذ لعبت منظماته دورًا محوريًا في الدفاع عن الحقوق والحريات، ومراقبة أداء السلطة، والمساهمة في احتواء الأزمات السياسية والاجتماعية.
غير أن هذا الدور بدأ يتراجع تدريجيًا خلال السنوات الأخيرة، في ظل تصاعد الخطاب الرسمي المُنتقد للجمعيات والمنظمات، إلى جانب قرارات التجميد وفتح التحقيقات والملاحقات القضائية التي طالت عددًا من النشطاء والفاعلين المدنيين، ما دفع كثيرين إلى اعتبار أن المجتمع المدني بات يخوض معركة جديدة عنوانها البقاء.
وتبدو المفارقة لافتة في الحالة التونسية، إذ إن المجتمع المدني الذي حظي بإشادة دولية واسعة بعد فوز الرباعي الراعي للحوار الوطني بجائزة "نوبل للسلام" عام 2015، يجد نفسه اليوم في مواجهة ضغوط واتهامات تهدد دوره ومساحة تحركه.
رئيس مركز الكواكبي للتحولات الديمقراطية أمين غالي لـ"الترا تونس": التضييقات القانونية والقضائية والأمنية ساهمت في إضعاف تأثير المجتمع المدني بشكل لافت، وعدد كبير من الجمعيات دخل في حالة من الجمود
ومن بين أبرز مكونات هذا الرباعي، برزت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وهي أقدم منظمة حقوقية في العالم العربي ورمز للنضال الحقوقي في تونس، لكنها تواجه بدورها اليوم تضييقات بدأت بمنعها من زيارة السجون التونسية وانتهت بتعليق نشاطها لمدة شهر.
ووصفت الرابطة هذا القرار بـ "التعسفي والخطير"، مؤكدة أنه "يشكل انتهاكًا صارخًا لحرية التنظيم والعمل الجمعياتي، ومحاولة مكشوفة لإخضاع كل من ظل وفيًا للمبادئ الكونية لحقوق الإنسان، ومُدافعًا عن دولة القانون والمؤسسات، وعن حرية التعبير وحرية التنظم والتعددية".
اقرأ/ي أيضًا: المفوض الأممي لحقوق الإنسان: ندعو تونس إلى إنهاء النهج القمعي ضدّ المجتمع المدني
وسبق أن تم تعليق أنشطة جمعيات بارزة تنشط في مجالات الدفاع عن حقوق الإنسان وحقوق النساء والمهاجرين والمساجين والحق في الصحة، على غرار الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، والجمعية التونسية للأطباء الشبان، والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ومنظمة أطباء بلا حدود، إلى جانب جمعيات أخرى.
المجتمع المدني من الفعل إلى الجمود
ويقول رئيس مركز الكواكبي للتحولات الديمقراطية، أمين غالي، إن المجتمع المدني في تونس لعب منذ سنة 2011 دورًا محوريًا في مسار الانتقال الديمقراطي، وكان فاعلًا أساسيًا في مختلف المجالات، لكنه اليوم يواجه تضييقات لافتة حدّت من عمله.
وأضاف غالي، في حديثه مع "الترا تونس"، أن المجتمع المدني ساهم في السنوات التي تلت ثورة الياسمين في طرح البدائل والأفكار وإطلاق المبادرات، كما شكّل حاضنة لطاقات وكفاءات جديدة، غير أن هذا الزخم المدني شهد خلال السنوات الأخيرة تراجعًا ملحوظًا، سواء على مستوى الحراك أو على مستوى تفاعل مؤسسات الدولة معه.
رئيس مركز الكواكبي للتحولات الديمقراطية أمين غالي لـ"الترا تونس": الجمعيات الحقوقية تبدو الأكثر تعرضًا للحصار، والوضع بات صعبًا، إذ أصبح المجتمع المدني منشغلًا إما بالحفاظ على ما تبقى من المكتسبات، أو بمواجهة مخاطر "الضربة القاضية"
وأشار في السياق ذاته، إلى أن مؤسسات الدولة أصبحت تضيّق على المجتمع المدني، موضحًا أن البرلمان لم يعد يتيح له القيام بدوره الرقابي كما في السابق، وأن الوزارات لم تعد تتفاعل معه، فضلًا عن تعطّل مشاريع قوانين كانت تهم القطاع الجمعياتي.
وتابع غالي، أن التضييقات القانونية والقضائية والأمنية ساهمت بدورها في إضعاف تأثير المجتمع المدني بشكل لافت، موضحًا، أن عددًا كبيرًا من الجمعيات في تونس دخل في حالة من الجمود أو ما يشبه "الغيبوبة"، وأصبح تأثيرها محدودًا، عكس السابق.
ورغم ذلك، لفت محدث "الترا تونس"، أن آلاف الجمعيات ما تزال تنشط في مجالات البيئة والاستثمار والفلاحة والتربية والعلوم، وتواصل عملها رغم الصعوبات المتزايدة.
اقرأ/ي أيضًا: العفو الدولية: تصعيد متواصل للتضييق على الفضاء المدني في تونس
وبيّن أن الجمعيات الحقوقية تبدو الأكثر تعرضًا للحصار، حيث تراجع دورها بشكل كبير، وأصبحت منشغلة أساسًا بالدفاع عن الحد الأدنى من المكتسبات، مثل حرية التعبير وحرية التنظيم والتعددية الحزبية، بدل الانخراط في معارك البناء والإصلاح وصياغة قوانين جديدة ومكتسبات جديدة.
وأضاف أن "النفس الجمعياتي" ما يزال أطول نسبيًا مقارنة ببقية المكونات السياسية والمؤسساتية في تونس، مشيرًا إلى أن الأحزاب السياسية تعرضت لمحاصرة كبيرة، كما تم إضعاف الهيئات المستقلة والمجالس المنتخبة محليًا.
واعتبر أيضًا أن استقلالية المجتمع المدني ما تزال أقوى نسبيًا من بعض المؤسسات الأخرى، بما في ذلك القضاء، وذلك بسبب وجود إرادة لدى مكوناته للتمسك بالفضاء العام والدفاع عن المكتسبات الديمقراطية في البلاد.
الناشط الحقوقي رمضان بن عمر لـ"الترا تونس": السلطة السياسية الحالية تسعى إلى تحويل المرسوم عدد 88 المنظم للجمعيات من مكسب ديمقراطي إلى أداة ووسيلة للقمع، عبر تكريس فقه قضائي جديد يوظف المرسوم في الزجر والمنع
وختم غالي بالقول إن الوضع بات صعبًا، إذ أصبح المجتمع المدني منشغلًا إما بالحفاظ على ما تبقى من المكتسبات، أو بمواجهة مخاطر "الضربة القاضية"، في ظل سجن بعض النشطاء، وتهجير آخرين قسرًا، ومواجهتهم لملاحقات قضائية.
كما حذر من وجود مساعٍ لإعداد قانون جديد ينظم عمل الجمعيات، معتبرًا أن بعض فصوله قد تفرض نظام تراخيص تتحكم فيه الوزارات والإدارات، وهو ما قد يشكل، وفق تعبيره، "ضربة قد تقضي على المجتمع المدني في تونس".
رمضان بن عمر: السلطة تستهدف المنظمات الحقوقية
من جهته، يرى الناشط الحقوقي والناطق الرسمي السابق باسم منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، رمضان بن عمر، أن السلطة السياسية الحالية تسعى إلى تحويل المرسوم عدد 88 المنظم للجمعيات من مكسب ديمقراطي إلى أداة ووسيلة للقمع، عبر تكريس فقه قضائي جديد يوظف المرسوم في الزجر والمنع بدل حماية حرية التنظيم والعمل المدني.
ووفق بن عمر، فإن الاستهداف يطال بالأساس المنظمات التي تنشط في القضايا الحقوقية وحرية التعبير، باعتبار أن السلطة تستهدف كل الأصوات التي لا تتماشى مع توجهاتها السياسية أو تتبنى خطابًا نقديًا لسياساتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
واعتبر بن عمر في حديثه مع "الترا تونس"، أن نشاط هذه المنظمات، ونضالات أعضائها وكتاباتهم التي لا تروق للسلطة، جعلها أكثر عُرضة للملاحقة والاستهداف مقارنة بغيرها، وفقه.
وأكد أن الجمعيات ليست فوق القانون، بل تلتزم بالإجراءات القانونية والترتيبات المالية والإدارية المنصوص عليها في المرسوم عدد 88، مؤكدًا "أن السلطة اختارت نهج الهرسلة وتعليق أنشطة الجمعيات ضمن مسار يفتقر إلى الشفافية والوضوح، خاصة أن الجمعيات التي تم تعليق نشاطها قدمت ما يثبت سلامة معاملاتها".
الناشط الحقوقي رمضان بن عمر لـ"الترا تونس": ما يجري يعكس توجّهًا نحو مزيد من محاصرة الفضاء المدني العام في تونس.. وهذه الضغوط ستتصاعد خلال السنتين المقبلتين، في ظل سعي السلطة السياسية الحالية إلى تثبيت وجودها وضمان استمراريتها
وأضاف، أن ما يجري يعكس توجّهًا نحو مزيد من محاصرة الفضاء المدني العام في تونس، مرجحًا أن تتصاعد هذه الضغوط خلال السنتين المقبلتين، في ظل سعي السلطة السياسية الحالية إلى تثبيت وجودها وضمان استمراريتها، من خلال إقصاء أو وأد كل الأصوات التي لا تنسجم مع سرديتها الرسمية، وفق تعبيره.
إدانات دولية
وأثارت قرارات تجميد وتعليق أنشطة عدد من الجمعيات في تونس موجة واسعة من الانتقادات على الصعيد الدولي، حيث عبّرت منظمات حقوقية وهيئات أممية وشركاء أوروبيون عن قلقهم من تراجع هامش الحريات المدنية في البلاد.
ودعا المفوض الأممي فولكر تورك، في بيان صادر عن مكتبه بداية شهر ماي/آيار 2026، السلطات في تونس إلى "إنهاء القمع المتزايد لمنظمات المجتمع المدني والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والمعارضين والنشطاء وأعضاء السلطة القضائية".
من جهتها، قالت منظمة العفو الدولية، إنَّ "السلطات التونسية صعدت من حملتها القمعية ضد المنظمات غير الحكومية من خلال قرارات قضائية بتعليق أنشطتها والتهديد بحلها، إلى جانب تعريضها لمضايقات قضائية وإدارية، بذريعة مكافحة التمويل الأجنبي المشبوه وحماية المصالح الوطنية".
وأكدت أن السلطات استهدفت خلال العامين الماضيين منظمات عاملة في مجالات حقوق الإنسان، والهجرة، ومناهضة العنصرية، ومراقبة الانتخابات، ومكافحة الفساد، وحرية الإعلام، والعدالة الاجتماعية.
كما قالت سارة حشاش، نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية، إن المنظمات غير الحكومية العاملة في تونس تواجه بيئة عدائية تزداد قتامة، وصلت إلى حد التهديد بحل هذه المنظمات بسبب دفاعها عن الحقوق والحريات.
الكلمات المفتاحية
تقدير موقف: احتجاجات تونس المعيشية.. دوافعها ومآلاتها
الاحتمالات تشير إلى تكرار الأزمات وتفاقمها وتجدُّد الاحتقان الشعبي.. في سياق فشل السلطة في معالجتها الأزمات، وإصرار الرئيس على المضيِّ في سياسة الانفراد بالحكم
أحزاب ومنظمات في 25 جويلية: حصيلة كارثية للحكم الفردي تستوجب إنهاء حالة الاستثناء
ذكرى إعلان الجمهورية تعود هذه السنة "وكل التقارير المستقلة مُجمعة على أنها تأتي في ظرف وطني دقيق، "يتزايد فيه الانشغال من توسّع الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحقوقية التي تعيشها البلاد؛ وذلك بسبب فشل النظام في ضمان الحقوق الأساسية لأغلب فئات المجتمع التونسي"، وفق رابطة حقوق الإنسان
خمس سنوات بعد 25 جويلية.. هل حقق المسار أهدافه أم عمّق أزمات تونس؟
في الوقت الذي تعتبر فيه أطراف سياسية أن 25 جويلية مثّل استجابة لحالة انسداد سياسي وأزمة ثقة عميقة عاشتها البلاد، ترى أطراف أخرى أن المسار أفضى إلى تراجع في منسوب الحريات وتغيّر في توازن السلطات، دون أن ينجح، بعد خمس سنوات، في تحقيق التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي انتظرها التونسيون
لماذا ينتظر تونس خريف استثنائي؟ مختص في الشأن البيئي يوضّح
حمدي حشاد (مختص في الشأن البيئي): من المتوقع استمرار ارتفاع درجات الحرارة بشكل ملحوظ خلال أشهر الخريف، فضلًا عن تأثير ظاهرة "النينيو" المناخية
سوسة.. الحرس الوطني يكشف عن شبكة لترويج المخدرات وغسيل الأموال
تم حجز سيارتين تستعملان في نقل وترويج المواد المخدرة ومبلغ مالي هام بالعملة التونسية، يشتبه في كونه من عائدات الترويج
رابطة حقوق الإنسان: انتهاكات طالت 113 امرأة في تونس خلال سنتين
نشرت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان معطيات كمية حول الإبلاغات المتعلقة بالانتهاكات المسلطة على النساء..
إليسا ترمي الكوفية في مهرجان قرطاج وتثير موجة انتقادات
أثارت الفنانة اللبنانية إليسا جدلًا واسعًا بعد تداول مقطع فيديو ظهرت فيه وهي..