"اللّطخة" الانتخابية وإعادة ترتيب الأولويات.. السياسة بعيون الناس

اصطلح على وصف نتائج الدور الأول للانتخابات الرئاسية في تونس بـ"اللّطخة" (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

 

اصطلح على وصف نتائج الدور الأول للانتخابات الرئاسية في تونس بـ"اللّطخة" خاصة على مستوى الشارع التونسي ووسائل التواصل الاجتماعي. وتشمل "اللّطخة" هنا خيبة الأحزاب الحاكمة التي ظنّت أن الشارع التونسي محكوم بالاختيار بينها كحتمية، وأن خزانها الانتخابي سيظل مستقرًا مهما اهتزّ. لكن ما حدث منذ مساء يوم 15 سبتمبر/أيلول 2019 وليلته الطويلة جعل صدمة النخبة السياسية واضحة، أما المعارضة هي الأخرى لم تقل صدمتها عن صدمة الأحزاب الحاكمة لتجد نفسها خارج المراتب الأولى.

اقرأ/ي أيضًا: الدور الأول لرئاسية 2019: ثورة ناعمة تهز كيان المنظومة السياسية القائمة

 

2019-2010 والعودة للبدايات

بعد أكثر من ثمانية سنوات من بداية مسار 17 ديسمبر/كانون الأول 2010 ومع استمرار الحراك الاجتماعي منذ ذلك التاريخ إلى اليوم، وعدم انقطاعه رغم الجزر السياسي والاستقطاب الحزبي والإلتفاف النخبوي، يظهر أن الدولة الوطنية تستنفذ مشروعيتها وأن الأساطير المؤسسة للدولة الوطنية في تونس تتساقط الواحدة بعد أخرى وحتى صراعات النخب السياسية لم تعد تستهوي قطاعات واسعة من الشباب.

 يظهر أن الدولة الوطنية تستنفذ مشروعيتها وأن الأساطير المؤسسة للدولة الوطنية في تونس تتساقط الواحدة بعد الأخرى وحتى صراعات النخب السياسية لم تعد تستهوي قطاعات واسعة من الشباب

فشباب ما بعد الاستقلال وخاصة جيل 17 ديسمبر/كانون الأول2010  سواء الذي عاش فترة من عمره تحت وطأة نظام المخلوع بن علي وعايش اندلاع نيران الثورة أو ما بعدها من توافقات النخبة ووعودها التي لم تتحقق أبدًا بالتنمية والتشغيل في سائر نواحي البلد والذي عايش تقلّبات النخب والأحزاب ما بعد 14 جانفي/كانون الثاني، لم تعد تغريه سرديّة الدولة الوطنية الحديثة بكل كرنفالات نخبها مدحًا لإنجازاتها و توجّسًا على مكتساباتها. ولا تعنيه أيضًا التصنيفات والإنتماءات الأديولوجية فهو يفرّ من الدولة الوطنيّة من زيفها ومن ظلمها، ويستعدّ لتقديم حياته والموت دفاعًا عن حقه في أفق آخر يتجاوز كلّ الفصائل السياسية المتحاربة، يغادر نحو جبهات مختلفة لاستقبال الموت رفضًا للحياة التي أجبر أن يعيشها وفق النمط النخبوي الذي لم يعد يرضيه، يتّجه نحو بؤر التوتر على اختلافها من العراق أو سوريا أو "اللّمبادوزا" مهاجرًا ومحترقًا مرة أخرى بلا نهاية ولغايات مختلفة. وعندما تعتقله الدولة الوطنية هنا في أفقها لا تعدمَهُ الوسيلة، يقدم على الانتحار بحثًا عن حقه في الحياة والكرامة ورفضًا للحياة التي يجبر أن يعيشها مسلوبًا من حياته وكرامته التي صادرتها الدولة الوطنية لصالح أساطير الحداثة والعصرنة التي أضحت لا شيء بالنسبة لشباب ما بعد الدولة الوطنية.

يوجد اكتشاف ما أثارته لحظة 17 ديسمبر/كانون الأول 2010 والمسار الثوري "المغدور" الذي تلاها، اكتشف الشباب أنّ هذه الدولة لم تكن وطنية بما فيه الكفاية وعادلة بما يجعلهم يمتدحون إنجازاتها ويخافون على مكتساباتها مثل ما تفعل النخبة صباحًا ومساءً. ومما جعل هذا الخطاب معزوفة متكررة لم تعد ساحرة أبدًا خاصة في ظل تفاوت اجتماعي وجغرافي تعمّق طيلة فترة ما بعد الاستقلال ومازال يتفاقم ما بعد 14 جانفي/كانون الثاني 2011 أي منذ احتراق الشهيد محمد البوعزيزي يوم 17 ديسمبر/كانون الأول 2010.

ماذا تغيّر في الانتخابات الرئاسية الأخيرة؟

أربعة مناسباتٍ انتخابيّة؛ انتخابات المجلس الوطنيّ التأسيسيّ في 2011، والانتخابات البرلمانيّة والرئاسيّة في 2014، والانتخابات البلدية في 2018، تراكمت خلالها الوعود الانتخابية وتراكمت معها النقمة على الطبقة السياسية. وتضاعفت اختلافات النخب الحاكمة لدرجة التشظي والانقسام المتضاعف. فحزب نداء تونس الذي تحصل على المرتبة الأولى في الانتخابات البرلمانية سنة 2014، وقاد حملته الانتخابية على أساس التناقض مع حركة النهضة ذات المرجعية الاسلامية شكل تحالفًا حكوميًا معها بعد الانتخابات مباشرة آنذاك في إطار ما سميّ "سياسة التوافق" التي أدت لالتقاء قوى سياسية متناقضة لم يجمعها إلاّ تبادل للمصالح من أجل البقاء في الحكم أساسًا وإن تمّ تبرير ذلك بخطاب مصلحة وطنية لم تتحقق أبدًا.

وبعد خمس سنوات، انقسم حزب نداء تونس تدريجيًا لتتوالد عنه حركة مشروع تونس في البداية التي قادها مدير ديوان رئيس الجمهورية محسن مرزوق، وحزب بني وطني بقيادة سعيد العايدي وزير الصحة في الحكومة الأولى لحزب نداء تونس، ثم بُعث حزب جديد باسم "تحيا تونس" بقيادة رئيس الحكومة يوسف الشاهد لنفس الحزب أي نداء تونس عندما اشتدّ الخلاف على زعامة الحزب بين نجل الرئيس حافظ قايد السبسي ورئيس الحكومة الذي حمل معه عددًا من وزراء الحزب ونوابه بالبرلمان. كما نشأ حزب آخر جديد بقيادة وزيرة السياحة السابقة وأمين المال السابقة لنداء تونس سلمى اللومي، وقد ترشح جميع هؤلاء للانتخابات الرئاسية. لم يقف الأمر هنا بل أن عبد الكريم الزبيدي وزير الدفاع الحالي الذي لم ينتمي لأي حزب سياسي معلن سابقًا دُفع لتزعم مبادرة سياسية تحت تأثير لوبي اقتصادي وجهوي، هو اللوبي الذي يمثل مجموعة من الشخصيات المقربة من الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي وجدت في الوزير ضالتها مضطرة ورشحته في الوقت بدل الضائع للانتخابات الرئاسية، وقد قدمت قائمات للانتخابات التشريعية أيضًا.

عبد الكريم الزبيدي وزير الدفاع الحالي الذي لم ينتم لأي حزب سياسي معلن سابقًا دُفع لتزعم مبادرة سياسية تحت تأثير لوبي اقتصادي وجهوي

حركة النهضة، هي الأخرى تمادت في محاولات نسج تحالفات لم تدم طويلًا، بل ورّطها إرتباطها بمنظومة الحكم المهترئة والتي تزداد تشظيًّا ولم تشفع لها سنوات النضال ضد الاستبداد خاصة عندما أصبح جليًّا لجزء كبير من التونسيين انخراطها في تبييض الفساد المالي والإداري ودفاعها عن الخيارات السياسية للمنظومة الحكم التي أصبحت جزءًا منها. وشهدت محاولات للعصيان من مجموعة من قيادات الصف الأول بها لكن هيمنة شيخ الحركة راشد الغنوشي على مفاصلها أضعف أي إمكانيات تأثير لهؤلاء قادرة على إحداث تغيير في التحالفات والتوجهات السياسية للحركة. ومثلت الانتخابات فرصة أخرى كشفت حجم التباينات داخلها من خلال اختيارها لترشيح شخصية من داخلها هو الشيخ عبد الفتاح مورو غير المرغوب في أوساط جماهير الحركة بشهادته هو أكثر من مرة أمام شاشات التلفزات التونسية إذ لم يغفر له أبناء الحركة موقفه زمن بن علي عندما تخلّى عن أي عمل سياسي واستقال من الحركة زمن محنتها وتفرغ لمكتب المحاماة الذي يديره. كما أن بعض القيادات النهضوية صرحت بدعمها العلني أو الضمني لوزير الدفاع عبد الكريم الزبيدي كالمستشار السياسي السابق لرئيس الحركة لطفي زيتون، وقيادات أخرى كرئيس مجلس شورى الحركة عبد الكريم الزبيدي الذي صرح علنًا أن انتصار الزبيدي أو مرشح الحركة مورو هو انتصار لحزبه في كل الأحوال.

نبيل القروي.. المال في قلب السياسة والإعلام أو عندما يفضح الإحسان الدولة

نبيل القروي رجل الاعمال الذي يدير رفقة أخيه المجموعة الدولية للإعلام "القروي أند القروي" (Karoui & Karoui) والمدير التجاري السابق للمجموعة الاعلامية العالمية « Canal+» ، الموقوف حاليًا على خلفية قضية التهرب الضريبي وغسيل أموال رفعتها ضده منظمة "أنا يقظ" منذ سنة 2016، في إيقاف أُتهم بتدبيره رئيس الحكومة. والقروي كان أحد المؤسسين والداعمين لحزب نداء تونس الذي أسسه الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي، بل كانت قناته التلفزية "نسمة تي في"، القناة التي ساهمت في الترويج للسبسي وانتصاره في انتخابات 2014 وهو ما أكده تقرير رصد التغطية الإعلامية للمسار الانتخابي لسنة 2014 الذي قامت به الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري.

أسس القروي جمعية "ناس الخير" للعمل الخيري التي غيّر اسمها لتصبح باسم "خليل تونس" بعد وفاة ابنه وقدم ساعات من البث على قناته "نسمة" ليحثّ المتابعين للتبرع من أجل تقديم المساعدات للفقراء 

وفي 2017، الفترة التي انكشفت فيه أطماع ممولي الحزب الناشئ آنذاك واشتدّ فيها الصراع بينهم على التمتع بالحماية السياسية والقانونية مقابل خدماتهم التي قدموها للحزب الذي تفتت شقوقًا خاصة مع تفضيل الباجي لشقّ ابنه حافظ على الشقوق الأخرى للحزب و"الشقوق" أيضًا أحد الاصطلاحات التي ميّزت تونس زمن نداء تونس، انشقّ نبيل القروي عن الحزب وسلك في السياسة طريقًا مختلفًا. فأسس جمعية "ناس الخير" للعمل الخيري التي غيّر اسمها لتصبح باسم "خليل تونس" بعد وفاة ابنه خليل في حادث مرور، وقدم ساعات من البث على قناته "نسمة" ليحثّ المتابعين للتبرع للجمعية من أجل تقديم المساعدات للفقراء والمحتاجين. ونجح من خلال أسلوب الدعاية العاطفية في استغلال قضية وفاة ابنه ليطلق شعار "يرحم خليل" أي أن العمل الخيري الذي يقوم به موجه ترحمًا على ابنه، موظفًا مآسي الفقراء الذين يزورهم من خلال هذه الجمعية رفقة قناته التلفزية التي تبثّ كل الأنشطة الميدانية التي يشارك فيها القروي.

اقرأ/ي أيضًا: بعد نتائج الدور الأول للانتخابات الرئاسية التونسية.. حركة النهضة إلى أين؟

جال نبيل القروي آنذاك البلاد وتسلل للأرياف والقرى حيث غابت الدولة وتخلّت عن مواطنيها الذين يعيشون الفقر والاحتياج. ونجح في توفير حاجيات الفئات الفقيرة والمهمشة، مما جلب له تعاطف منقطع النظير لدى هذه الفئات. وإنّ الاعمال الخيرية التي قام بها القروي تفضح تخلّي الدولة وغياب دورها الاجتماعي، فالسياسات الاقتصادية العمومية كرست التهميش الاقتصادي الإقصاء السياسي للمناطق الريفية وراكمت الفقر وغياب الاستقرار الغذائي وتكثيف صعوبة الولوج للموارد وإمكانيات المشاركة في اتخاذ القرار وهو أحد الأسباب العميقة التي أدت لاندلاع الثورة من عمق المناطق الريفية التي مثلت القلب النابض للثورة التونسية في مواجهة سياسات التفقير والإقصاء المرتبطة بسياسة النيوليبرالية التي تفضّل النخب السياسية والاقتصادية المؤثرة على متساكني الريف الذين تركوا وحدهم يواجهون واقعا يزداد تأزمًا.

قيس سعيّد.. هل من الممكن الخروج من النظام من داخل النظام؟

منذ 2011، ظهرت شخصية قيس سعيّد لعموم المتابعين من التونسيين باعتباره أستاذًا للقانون الدستوري في الفترة التي شهدت البلاد نقاشًا حول صياغة الدستور الجديد من خلال استضافته في القناة الوطنية الأولى خاصة. هكذا تعرف التونسيّون على قيس سعيّد المختص في القانون الدستوري، ولكن التعامل الاعلامي معه تقلص فيما بعد ليصل لدرجة عدم استضافته بتاتًا خاصة عندما أفصح عن موقف الرافض للمشاركة في الانتخابات سواء بالتصويت أو الترشح في 2011 و2014. وخلال هذه الفترة شارك قيس سعيد رفقة مجموعة من المناضلين اليساريين المستقلين الذين لم ينتظموا حزبيًا وشكلوا مجموعات بعنوان "قوى تونس الحرة".

ونشرت هذه المجموعة نصوصًا لها، لكن المشهد السياسي الإعلامي لم يولي أبدًا اهتمامًا بهذه النصوص في مشهد إعلامي قدم صحفيًا بارزًا قال ذات مرة باللهجة التونسية "احنا الكتب اش نعملوا باها" أي "ماذا سنفعل بالكتب". وعمومًا برنامج قيس سعيّد هو نفسه برنامج مجموعة "قوى تونس الحرة" في علاق بإشكالية عدم فعالية النظام السياسي الديمقراطي المركزي والتعبير عن إرادته في تغيير وإعادة بناء النظام السياسي من المستوى المحلي ببناء السلطة السياسية من المستوى المحلي المناطقي نحو الجهوي الاقليمي ليصل إلى المستوى المركزي الوطني وبتفكيك مركزية العملية السياسية. كما يطرح استبدال النظام الانتخابي من الانتخاب على القائمات إلى الانتخابات على الأفراد.

لا يمكن الجزم بأن هذا البرنامج المقترح الذي يطرحه قيس سعيد، ويكرر إعلانه أكثر من مرة، يمكن تطبيقه عبر مؤسسة رئاسة الجمهورية بسهولة، ويجادل البعض باستحالة التطبيق الفعلي لهذا البرنامج

لا يمكن الجزم بأن هذا البرنامج المقترح الذي يطرحه قيس سعيد، ويكرره إعلانه أكثر من مرة، يمكن تطبيقه عبر مؤسسة رئاسة الجمهورية بسهولة، ويجادل البعض باستحالة التطبيق الفعلي لهذا البرنامج وبكونه مثاليًا. ولكن تمكن أهمية ما يطرحه قيس سعيّد ليس في التنبؤ بتحقق برنامجه أم عدمه بل في كونه مثّل اختراقًا غير مسبوق للعملية السياسية ولمنظومة الحكم والمعارضة وذلك من خلال مسائلة الديمقراطية المركزية والنظام السياسي الحالي.

إن ما يطرحه البرنامج المقترح للمترشح الرئاسي للدور الثاني قيس سعيد لا يعني استيعاب كل الذين صوتوا له بالضرورة لهذا البرنامج استعدادهم جميعًا للدفاع عن مقترحه. كما أن التصور الذي قدمه ليس بالجديد على المستوى السياسى، فمن يتابع التطورات السياسية عبر العالم والنقاشات لن يجد غرابة في مسائلة الديمقراطية المركزية القائمة على التمثيل على أساس القوائم الانتخابية، لأنّ الديمقراطية ليست محصورة في حتمية واحدة. لكن الجديد في كون قيس سعيّد ومن صاغوا معه برنامجه نجحوا في التقاط اللحظة التاريخية الحالية وطرح تصور خارج تغريد السرب الحزبي العام.

فمنذ 17 ديسمبر/كانون الأول 2010، كانت الثورة التونسية حدثًا ثوريًا خارجًا عن العادة، لم تنتظر الجماهير تعاليم المرشد العام ومقررات مجلس شورى الجماعة ولا مقررات القيادة العليا للحزب الطلائعي ولا توجيهات الرفيق القائد ولا الزعيم الناصر. خرجت الثورة عن كلّ القوالب الأيديولوجية الجاهزة ورفعت شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" وامتلئت الشوارع، لكن النخب التي لحقت بحركة الشارع فرضت فيما بعد أجنداتها السياسية وصراعاتها وخلافاتها الأييولوجية القديمة. وما فعله قيس سعيد من سنوات هو إعادة البوصلة إلى الشعارات الأولى للثورة وتجاوز كل القضايا الأيديولوجية.

يثار حول قيس سعيد موقفه المحافظ من بعض القضايا، ولكن بمتابعة مواقفه، نجد أنها تندرج في نفس السياق الفكري إذ يرفض تصنيفه ضمن ثنائية إسلامي-لائكي، هذه الثنائية التي فرضتها النخب السياسية على البلاد منذ اليوم الموالي لهروب المخلوع بن علي، وبذلك يعبّر سعيّد بالقول إنه عندما طالب الشباب بالتشغيل كانت إجابة النخبة أي الأحزاب بإشغال الشباب بالصراع حول الهوية.

في المسألة الدينية ولدى تقديمه المحاضرة الافتتاحية بعنوان "الإسلام دينها" للسنة الجامعية 2017/2018 بكلية العلوم القانونية والاجتماعية والسياسية والاجتماعية بتونس التي درس بها قبل تقاعده، قدم سعيًد تصورًا نقديًا للفصل الأول من الدستور التونسي الذي ينص على أن "تونس دولة حرة مستقلة ذات سيادة الإسلام دينها والعربية لغتها والجمهورية نظامها". التصور الذي قدمه يتمثل في كون الحديث عن هوية للدولة لا معنى له، وأن الأمر يتعلق بوجود حكومة دينية أو حكومة مدنية، معبرًا عن انحيازه لحكم مدني أم الدين فهو أمر من شأن الافراد وليس للأحزاب والدول.

 أما علاقته بالدين، فقد عبر في مناسبات عدة أن الدين يُعنى بحفظ الضرورات الخمس وهي حفظ الدين، والنفس، والعقل، والبدن والمال، وهو التصور ينهل من تصور مقاصدي يعود الى العز ابن عبد السلام وأبو إسحاق الشاطبي بما هو إطار عام قيمي مشترك وجامع ومصدر اتفاق كل الشرائع، سبق أيديولوجيا الإسلام السياسي.

إن ما عبّر عنه التصدّر الانتخابي في استطلاعات الرأي لقيس سعيّد منذ سنوات وهو ما تجاهلته النخبة الحاكمة حتى وجدت نفسها أمام الحقيقة مساء 15 سبتمبر/أيلول. يعبّر أن الناخب في تونس غير محكوم بحتمية سياسية في الاختيار، وأن من الممكن معاقبة الأحزاب والشخصيات السياسية التي فشلت في تحقيق أي تقدم في الملفات التي تمثل أولولية لأغلبية الشعب وهي الملفات الاجتماعية والاقتصادية. ومنذ صدور النتائج الأولية ثمّ الرسمية، تبيّن أن الثورة التونسية مازالت تجادل بإمكانية القطع مع مجتمع الرعايا للعبور نحو مجتمع المواطنين. فرغم كلّ السلبيات النقائص، إذ كان ممكنًا الحديث عن نموذج تونسي ممكن، فإنه يقدم رسالة واضحة أن الثورة نتيجة لعقود من التهميش السياسي والتفاوت الاقتصادي الاجتماعي، وأن لا مفرّ من العودة لهذه الأولويات، فمهما نجحت النخبة في فرض أولوياتها الخاصّة على أغلبية الشعب بإمكان الشعب أن يستعيد الفرصة ويوجه صفعة حادة أو ما اصطلح عليها شعبيًا بـ"اللطخة الانتخابية".

إن الحدث التونسي الحالي يُسائل المنظومة السياسية ونخبتها ويضعها في وضع الموضوع بعد أن كانت هي التي تضع مطالب المواطنين موضوعًا للتفاوض والمماطلة 

بإمكاننا في تونس الآن نتفق أو نختلف مع تفاصيل مشروع قيس سعيد، وهذا ممكن مع شخصية سياسية مختلفة عن الذين تحكموا في المشهد من النخب التقليدية الحاكمة منذ عقود أو النخب المتصدرة ما بعد الثورة سواء تعلق بنخب حركة النهضة ذات المرجعية الإسلامية التي دخلت سياسات التوافق مع النظام واقتسام الغنائم مع رجالات النظام، أو النخب المستوردة من التكنوقراط القادمين من ما وراء البحار بأوراق اعتمادهم وجنسياتهم الأجنبية.

إن الحدث التونسي الحالي يُسائل المنظومة السياسية ونخبتها ويضعها في وضع الموضوع بعد أن كانت هي التي تضع مطالب المواطنين موضوعًا للتفاوض والمماطلة مما يجعل المنجز الذي حققته البلاد وتعتبره النخبة المنجز الأهمّ وتتباهى به أمام بقية دول ثورات العربي بنبرة يتخللها شيء من الشوفينية واحتقار الشعوب الأخرى أحيانًا. يقع الآن هذا المنجز التونسي وبكلّ وضوح في منطقة المسائلة. ومنذ سنوات، وضعت الجماهير المهمشة في الداخل التونسي هذا المنجز محلّ احتجاج اجتماعي وسياسي لم ينقطع منذ سنة أواخر سنة 2010 مع اندلاع الثورة وما بعدها لكن دون أي إنصات من قبل النخبة التي أحكمت الهيمنة على سطح المشهد السياسي كلّ الفترة اللاحقة للحدث الثوري. وإن تداعيات الحدث الانتخابي التونسي الحالي تشمل أيضًا القول بأن الديمقراطية الشكلية لا تمثّل الإجابة الحقيقية على مطالب الثورة وتكشف عن الأزمة الهيكليّة للنظام الاقتصادي و أزمة تمثيليّة النخبة السياسية.

ومن الجليّ الآن في تونس أن الانتخابات التشريعية أيضًا غير واضحة المعالم قد تزيح الأحزاب الحاكمة عن تصدّر المشهد مقابل إمكانية تصدّر للحزب الجديد الذي أسسه المرشح الرئاسي نبيل القروي الذي جمع شتات الأحزاب الحاكمة ومن بينها شخصيات ونواب وزراء متهمين في قضايا فساد مالي وإداري وكانوا في حزب نداء تونس قبل تشرذمه لأحزاب جديدة ومجموعات متسللة لأحزاب أخرى. كما قد تظهر إئتلافات أفراد "مستقلة" تحوم حول بعضها شبهة التمويل الاجنبي مع أن الاحزاب الحاكمة في الفترة السابقة لم تخلو من هذه الشبهة، عدا عن ائتلافات أخرى لا وجود لمشروع سياسي بديل يوحدها لكنها قد تستفيد من حالة العقاب الانتخابي التي بدأت منذ الدور الأول الانتخابات الرئاسية. ويبقى الإشكال هنا في عدم قدرة الاحزاب المعارضة على استيعاب رسائل العقاب الانتخابي وعدم تمثّل اللحظة التاريخية الحالية التي تمرّ بها البلاد بما يهددها هي أيضًا ببقائها خارج دائرة التأثير السياسي، والحال أن العمل السياسي يحتاج تنظيمات حزبية ذات مصداقية سياسية على مستوى الشارع وقادرة على التقاط رسائل الغضب الانتخابي أو أنها ستكون معنية، هي أيضًا، بهذا الغضب العقابي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

زلزال الانتخابات في تونس من منظور أسئلة الأخلاق والسياسة والدّولة

تونس.. محنة الرئاسة واحتمال المجهول