اللحوم الحمراء في تونس.. أزمة أسعار أم خلل منظومة؟
7 مايو 2026
في السنوات الأخيرة، لم تعد اللحوم الحمراء في تونس مجرد مكون أساسي على موائد العائلات، بل تحولت تدريجيًا إلى عبء ثقيل يرهق القدرة الشرائية للتونسيين، جراء الارتفاع اللافت والمتواصل في أسعارها.
وأظهرت أرقام حديثة نشرها المعهد الوطني للإحصاء، وفق مؤشر أسعار الاستهلاك العائلي، لشهر أفريل/نيسان 2026، ارتفاع أسعار لحم الضأن بنسبة 16.1% وأسعار الخضر الطازجة بنسبة 13.5% وأسعار لحم البقر بنسبة 12%.
لم تعد اللحوم الحمراء في تونس مجرد مكون أساسي على موائد العائلات، في السنوات الأخيرة، بل تحولت تدريجيًا إلى عبء ثقيل يرهق القدرة الشرائية للتونسيين، جراء الارتفاع اللافت والمتواصل في أسعارها
ولم يكن هذا الارتفاع وليد الصدفة، بل يعزوه المختصون إلى أزمة مركبة ناتجة عن تراجع تربية الماشية وتآكل القطيع، واختلال مسالك التوزيع، فضلا عن تفشي ممارسات المضاربة والاحتكار.
الرياحي: أزمة اللحوم تهدد الأمن الغذائي
وفي هذا السياق، يقول رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك، لطفي الرياحي، إنّ أزمة اللحوم الحمراء في تونس ليست حديثة العهد، بل برزت نتيجة جملة من الأسباب المتداخلة والمتراكمة.
وأضاف الرياحي في تصريح لـ"الترا تونس" أنّ تونس لا تتوفر على معطيات دقيقة بشأن حجم قطيع الأبقار والماشية، كما أنها لا تولي اهتمامًا كافيًا لحصر كلفة الإنتاج بشكل دقيق، مشيرًا إلى أنه رغم تراجع أسعار الأعلاف، فإن أسعار اللحوم ما تزال في ارتفاع متواصل، حسب تعبيره.
اقرأ/ي أيضًا: منظمة: أسعار أضاحي عيد 2026 تتراوح بين 800 و2500 دينار
ويؤكد الرياحي أنّ كل المؤشرات تدل على تسجيل تراجع لافت في قطيع الماشية، معتبرًا أن الوضع يستوجب تشخيصًا دقيقًا من قبل السلط المعنية، خاصة وأن قطاعي اللحوم والحليب بحاجة إلى تظافر الجهود لتفادي مزيد تدهور الأوضاع.
رئيس منظمة إرشاد المستهلك، لطفي الرياحي لـ "الترا تونس": رغم تراجع أسعار الأعلاف، فإن أسعار اللحوم ما تزال في ارتفاع متواصل.. وكل المؤشرات تدل على تسجيل تراجع لافت في قطيع الماشية
ودعا رئيس المنظمة التونسية للدفاع عن المستهلك إلى ضرورة وضع مخطط وطني لحماية قطيع الماشية، والحرص على توريد قطيع من الإناث ذات جودة وصحة عالية، إلى جانب وضع حدّ لذبح إناث الخرفان والتصدي لظاهرتي المضاربة والاحتكار.
وبحسب الرياحي، فإن العمل على تحديد الإنتاج وضبط حجم القطيع قد يتطلب مدة لا تقل عن سنة، من أجل وضع حدّ لهذه الأزمة التي تهدد الأمن الغذائي في تونس، باعتبار أن اللحوم والحليب عنصران أساسيان في المنظومة الغذائية وليسا من الكماليات.
مختص في السياسات الفلاحية: أزمة اللحوم تحتاج برنامجًا واضحًا
من جهته، يرى المختص في السياسات الفلاحية، فوزي الزياني، أن تونس كانت قبل ثلاث سنوات تحقق اكتفاءً ذاتيًا من اللحوم الحمراء والحليب وأضاحي العيد، لكنها شهدت في السنوات الأخيرة تراجعًا ملحوظًا نتيجة غياب سياسة واضحة من وزارة الفلاحة لتطوير القطيع والحفاظ عليه، إضافة إلى ضعف منظومة دعم الفلاحين والمربين.
ويشير الزياني، في حديثه مع "الترا تونس"، إلى أن من أبرز أسباب ارتفاع أسعار اللحوم احتكار الأعلاف، إلى جانب الجفاف وتدهور المراعي، وهو ما دفع عديد الفلاحين إلى التفريط في قطعان الأغنام، فضلاً عن تهريب الأبقار نحو الدول المجاورة.
ويؤكد الخبير في السياسات الفلاحية، أن هذا الوضع انعكس سلبًا على الأسعار، حيث أصبح المواطن غير قادر على اقتناء اللحوم الحمراء التي تجاوزت قدرته الشرائية وارتفعت أسعارها بشكل مخيف، خاصة في السنوات الثلاث الأخيرة.
المختص في السياسات الفلاحية، فوزي الزياني لـ"الترا تونس": تونس كانت قبل ثلاث سنوات تحقق اكتفاءً ذاتيًا من اللحوم الحمراء والحليب وأضاحي العيد، لكنها شهدت في السنوات الأخيرة تراجعًا ملحوظًا نتيجة غياب سياسة واضحة لتطوير القطيع والحفاظ عليه
ويضيف قائلًا: "صحيح أن هناك برنامجًا ضمن قانون المالية يهدف إلى دعم المربين عبر الاستيراد، إلا أنه لا يزال غامض المعالم ويبدو أنه معطّل بسبب البيروقراطية".
يواصل مفسرًا: "لذلك، بات من الضروري وضع رؤية واضحة للقطاع، مع العمل على تحسين السلالات لرفع الإنتاجية، إذ يمكن للقطيع الحالي، إذا أُحسن استغلاله، أن يتحسن خلال ثلاث إلى أربع سنوات."
ويؤكد محدث "الترا تونس" أن المنظومة برمتها شهدت اختلالًا خلال السنوات الأخيرة، ما يستوجب إعادة تنظيمها عبر برنامج واضح يقوم على البحث العلمي وخبراء تحسين السلالات.
فوزي الزياني: توريد الإناث وتحسين السلالات هو الحل
ويقترح الزياني في المقابل وضع استراتيجية لتوريد بعض إناث الأبقار والأغنام ذات الجودة العالية بهدف تحسين القطيع، إلى جانب توفير التمويل اللازم للقطاع الفلاحي ودعم المربين الذين يواجهون صعوبات مالية.
اقرأ/ي أيضًا: عيد الأضحى 2026.. نقابة الفلاحين: ننادي باستيراد النعجة المنتجة لا اللحوم المبرّدة
كما يشدد فوزي الزياني، على أن دعم الفلاحين وتوفير تمويلات ميسّرة للفلاحة، إضافة إلى الاستثمار في البحث العلمي، تمثل جميعها حلولًا أساسية للنهوض بالقطاع ومساعدة تونس على استعادة مكانتها السابقة وتحقيق اكتفاءها الذاتي، باعتبار أن اللحوم والحليب ومشتقاتهما تُعدّ من المواد الأساسية في التغذية، ومن ركائز الأمن الغذائي.
منظمة "آلارت": ارتفاع أسعار اللحوم ليس صدفة ولا مؤامرة
من جهتها، سبق أن فسّرت منظمة "آلارت" الأسباب الحقيقية وراء ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء في تونس، مؤكدة أن هذا الارتفاع لا يحدث صدفة ولا نتيجة مؤامرة، وأن السعر النهائي لا يُحدَّد فجأة لدى القصّابين.
وأوضحت المنظمة أن أسعار اللحوم تُبنى عبر سلسلة طويلة تبدأ من التربية مرورًا ببيع الماشية، ثم الذبح والبيع بالجملة وصولًا إلى التفصيل، مشيرة إلى أنه عندما تكون هذه السلسلة طويلة وغامضة وسيئة التنظيم، فإن ذلك يؤدي إلى تراكم الهوامش الربحية وغياب شفافية المعلومات، ما يتيح لبعض الفاعلين الاستفادة من "الريع".
منظمة "آلارت": ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء في تونس، لا يحدث صدفة ولا نتيجة مؤامرة.. ولجوء الدولة إلى استيراد اللحوم بهدف تعديل السوق خلق حالة من "الإغراق"
وعزت المنظمة ارتفاع الأسعار أيضًا إلى ضعف القدرة التوزيعية لشركات اللحوم، وبقاء كميات الإنتاج والمسالك الكبرى خاضعة لمنطق ريعي وتشوهات هيكلية، إلى جانب تراجع القطيع والإنتاجية وانتشار بعض الأمراض الحيوانية.
اقرأ/ي أيضًا: منظمة: ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء يعكس منظومة ريعية وليس "مؤامرة"
وفي السياق ذاته، أشارت إلى أن لجوء الدولة إلى استيراد اللحوم بهدف تعديل السوق خلق حالة من "الإغراق"، باعتبار أن المنتج المحلي لا يستطيع منافسة الأسعار المستوردة، ما يدفع المربين إلى البيع بخسارة أو تهريب جزء من قطيعهم لبيعه في الجزائر.
كما أكدت المنظمة أن المربين يعانون من إقصاء مالي و"عبودية قروض المزودين"، موضحة أنه عندما يضطر المربي للشراء بالأجل، يفقد جزءًا من حريته ويُجبر على البيع بسرعة لوسطاء متحالفين مع مسالك التوزيع، مضيفة: "هكذا يُصنع الريع: سعر بيع متدنٍ للمربي يقابله سعر شراء مرتفع للمستهلك".
الكلمات المفتاحية
فاتورة الظلام.. عندما يدفع الفلاحون وصغار المهنيّين ضريبة العجز الطاقي
لم يعد القطع المتكرر للتيار الكهربائي في عدة مناطق تونسية مجرد إزعاج عابر يثير تذمر المواطنين في بيوتهم، بل تحوّل إلى نزيف اقتصادي يومي يُهدّد بإفلاس مئات الحرفيين وصغار المستثمرين
قرض جديد بـ500 مليون دولار يثير الجدل في تونس.. هل سيموّل الاستثمار أم الاستهلاك؟
كانت وزيرة المالية التونسية مشكاة سلامة قد أكدت أمام البرلمان أنّ هذا القرض يندرج في إطار التمويل مباشرة في إطار تعبئة الموارد الخارجية المبرمجة صلب قانون المالية. وشددت على أنّ القرض ليس استهلاكيًا.. وهو ما ينفيه مختصون ونواب بالبرلمان
تعليق التداول في بورصة تونس.. إجراء وقائي أم مؤشر خطر؟
تساؤلات عديدة في الساحة المالية والاقتصادية في البلاد، خاصة حول أسباب اتخاذ قرار تعليق التداول في بورصة تونس وتداعياته المحتملة.. فما رأي المختصين؟
"أنا يقظ": وعود سعيّد المتعلّقة باستقلالية القضاء تم تنفيذها في اتجاه معاكس
أعلنت منظمة أنا يقظ في منشور أن "استقلالية الوظيفة القضائية..
المجلس المحلي بكسرى يعلّق نشاطه إلى فترة غير محدّدة
المجلس المحلي بكسرى من ولاية سليانة: تمّ بتاريخ 15 جويلية المنقضي، إعلام السلط المحلية والجهوية بإمكانية تعليق نشاط المجلس في حال عدم الاستجابة للمطالب الواردة في محضر جلسة
لوّحت بالتصعيد.. منظمة: أهالي المهدية يعيشون تدهورًا متواصلًا في عديد القطاعات
أعلنت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان أن أهالي ولاية المهدية يعيشون منذ سنوات على..
مسابقة اختيار "ملكة جمال قليبية" تشعل الجدل في تونس.. ما القصة؟
شددت وزارة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن على ضرورة الامتناع عن..