الكوارث الطبيعية بين السلطة المحلية والمجتمع المدني: أزمة ثقة أم أزمة اتصال؟

الكوارث الطبيعية بين السلطة المحلية والمجتمع المدني: أزمة ثقة أم أزمة اتصال؟

647 مشاهدة
ضعف التواصل والتنسيق بين السلطة المحلية والمجتمع المدني لمواجهة الأزمة (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

لم يكد ينجلي مساء السبت 21 سبتمبر/أيلول 2018 حتى عمت حالة من التأهب القصوى لمجابهة آثار الأمطار الطوفانية التي حلت بالوطن القبلي، وقد سُجّلت أعلى الكميات في بني خلاد بنسبة 297 مم، وامتدت إلى بعض مناطق الساحل التونسي وبالخصوص ولاية سوسة إذ بلغت أعلى الكميات بمدينة شط مريم بـ 155 مم.

وكان لعنصر المفاجأة وعدم تقييم الوضع الجوي بطريقة صحيحة وفعالة دور في الارتباك الحاصل. كما لم يكن الجانب الاتصالي لأجهزة الدولة جاهزًا بما فيه الكفاية لإدارة الأزمة مما ساهم في نشر الإشاعة وعدم التشخيص الدقيق للواقع.

 لم يكن الجانب الاتصالي لأجهزة الدولة جاهزًا بما فيه الكفاية لإدارة الأزمة مما ساهم في نشر الإشاعة وعدم التشخيص الدقيق للواقع

وفي خضم التطورات المسرعة التي حفت بنزول الأمطار الغزيرة وتوارد المعلومات ذات المصادر المتعددة، تفاعل المواطنون مع المستجدات، وبرز دور المجتمع المدني في عدة مدن في تطويق الآثار السلبية للفيضانات وذلك معاضدة لمجهودات الجهات الرسمية وخاصة الحماية المدنية في عمليات الإجلاء والإنقاذ في النقاط الأكثر تضررًا.

وقد كانت الكميات المسجلة في جهة الساحل كفيلة بأن تتسبب في ارتفاع منسوب المياه في عدة مناطق وانقطاع الحركة المرورية في عديد النقاط أهمها الطريق الوطنية عدد 1 على مستوى سيدي بوعلي، والطريق الرابطة بين سوسة والقلعة الصغرى، وكذلك الطريق الرابطة بين سوسة والمنستير في مستوى منطقة سيدي عبد الحميد. كما شهدت مناطق أخرى من ولاية سوسة تسربًا لمياه الأمطار في المنازل، وقد أطلق بعض المتساكنين نداء استغاثة خاصة بالحي الجديد بمدينة القلعة الكبرى، وكذا الحال بعد تسرب المياه لبعض المحلات التجارية والمنازل بسيدي بوعلي.

اقرأ/ي أيضًا: ولاية نابل تحت وقع الكارثة.. إنها الفيضانات مجددًا!

ورغم تأكيدات المعهد الوطني للرصد الجوي بأنه أبلغ السلطات المعنية بالتقلبات الجوية التي عرفتها البلاد يوم السبت منذ الساعة الثامنة والنصف من صباح السبت، وأن الإبلاغ تضمن توقعات بأمطار رعدية بكميات تتجاوز 40 مم في الوطن القبلي والساحل، وأن هذا الإبلاغ كان مُتبعًا بنشرات متابعة وتحيين، فإن عامة الناس ومكونات من المجتمع المدني ألقت اللوم على مصالح الرصد الجوي وأجهزة الدولة الرسمية لعدم الإعلان الواسع للمواطنين. وهو ما اُعتبر خطأ اتصاليًا فادحًا كان سببًا في عدم أخذ الاحتياطات الكفيلة لتجنب الخسائر.

سفيان الفقيه فرج، وهو ناشط بالمجتمع المدني بمدينة القلعة الكبرى إحدى المدن المتضررة من الفيضانات الأخيرة، صرّح لـ"الترا تونس" قائلًا: "لقد أصبح المجتمع المدني بعد ثورة 14 جانفي متطلعًا بدور مهم في معاضدة جهود البلدية ومختلف المؤسسات الأخرى. فما لمسناه في القلعة الكبرى أثناء هطول الأمطار بغزارة ليلة السبت من الرابعة مساء إلى ساعة متقدمة من الليل، أكد أن المجتمع المدني كان يقظًا وحريصًا على سلامة السكان ومتفاعلًا مع نداءات بعض المتضررين ومستعدًا لتقديم المساعدة".

سفيان الفقيه الفرج (ناشط مدني): أثبتت الظروف المناخية القاسية افتقار المجلس البلدي للتجربة في وضع الخطط والاستعداد لمجابهة الأزمات والكوارث الطبيعية

وتحدث سفيان الفقيه بصفته رئيس جمعية دروب للثقافة والتنمية عن مساهمة الجمعيات في عمليات الإغاثة قائلًا: "أطلقت نداء استغاثة بعد تلقي مكالمة من أحد المتضررين من مياه الأمطار حين اجتاحت عددًا من المنازل في أحياء مختلفة من البلدة مما دفع بلدية المكان إلى إرسال مجموعة من العملة وآلات شافطة للمياه ساعدت على تخفيف الجزع". وأقر الفقيه بأن الهلال الأحمر التونسي قد سخر مجموعة من منخرطيه للتدخل بالمساعدة لكل طالب للإغاثة ووضع أرقام للاتصال عند الضرورة.

وأشار محدثنا بأن ما يلفت النظر في مثل هذه الأزمات هو غياب التنسيق المسبق وعدم الإيمان الفعلي بقوة الجمعيات والمنظمات في قدرتها على الأخذ بيد السلطة المحلية لحل المشاكل وتذليل الصعوبات حسب تأكيده، قائلًا: "أثبتت الظروف المناخية القاسية افتقار المجلس البلدي للتجربة في وضع الخطط والاستعداد لمجابهة الأزمات والكوارث الطبيعية، فكانت التدخلات متأخرة وضعيفة لنقص الإمكانيات من جهة وعدم الجاهزية من جهة أخرى. فالمستودع البلدي يفتقر إلى عديد التجهيزات والمعدات الضرورية والعملة، كما تفتقد البلدية إلى جرد واضح للأحياء المهددة وعدم وجود قاعدة بيانات، كما أن حداثة عهد المجلس بالعمل البلدي كانت سببًا في عدم الفاعلية".

سفيان الفقيه (ناشط مدني): تفتقد البلدية إلى جرد واضح للأحياء المهددة وعدم وجود قاعدة بيانات

وختم الناشط المدني سفيان الفقيه بتأكيده أن المجتمع المدني في القلعة الكبرى قادر على تقديم الإضافة "إذا آمن به المجلس البلدي وتعامل معه بعمق التفكير التشاركي الذي تنص عليه مجلة الجماعات المحلية".

في الأثناء، يجب أن يكون المسؤول المحلي المنتخب على دراية كافية بالمشاكل والنقاط السوداء التي تعاني منها مدينته أو حيه، إلا أننا ما لاحظناه مؤخرًا تلك المشاكل الذي تعترض المجالس البلدية والتي تسلم بانطباع سلبي بالنظر للرسائل الاتصالية التي قدمها المنتخَبون الجدد. ومن بين هذه الرسائل السلبية عدم الدراية الكافية بخصوصيات المنطقة والتسليم بدور الإدارات الجهوية الرسمية ذات الشأن في تقديم الحلول التوجيهية والبدائل عبر لجان محلية وجهوية مثل "اللجنة الجهوية لمجابهة الكوارث" والتي يرأسها والي الجهة ويشرف عليها مسؤولون غير منتخبين.

وفي هذا السياق، اتصلنا بعضو المجلس البلدي في بلدية سوسة إقبال خالد الذي اعتبر أن آليات الإنذار المبكر لم تكن مفعلة بما يكفي هذه المرة وهو ما يستدعي تدخل المجتمع المدني وخصوصًا الجمعيات المهتمة بالمجال البيئي التي يجب أن تتحمل دورها التوعوي السابق للأزمات وحدوث الكوارث الطبيعية، حسب قوله.

كما أضاف إقبال خالد أن مكونات المجتمع المدني جديرة بمعاضدة جهود البلدية في التدخل إذا كانت مؤهلة لذلك وذلك بالتكوين والرسكلة مثل الهلال الأحمر ومتطوعي الحماية المدنية، في حين لا يمكن التدخل لجمعيات أخرى غير مختصة حتى لا يزداد الأمر تعقيدًا بنظره. أما بخصوص آليات مجابهة الكوارث، يرى المستشار البلدي في حديثه لـ"الترا تونس" أنه يجب إعادة النظر في الآليات المحدثة ومن بينها اللجان الجهوية لمجابهة الكوارث التي تعتبر جهازًا من أجهزة الدولة البعيدة عن التنسيق مع المواطن حسب تأكيده.

إقبال خالد (مستشار بلدي): يجب إعادة النظر في الآليات المحدثة ومن بينها اللجان الجهوية لمجابهة الكوارث التي تعتبر جهازًا من أجهزة الدولة البعيدة عن التنسيق مع المواطن

ختامًا، يمكن الجزم بأن الأزمة في الأصل هي أزمة ثقة بين السلطة القائمة وأجهزتها من جهة، والمواطن والمجتمع المدني من جهة أخرى. وهذا ما عبر عنه الخبير في الاتصال عربي السوسي كاتبًا في إحدى منشوراته على فيسبوك: "الكارثة الأساسية هي في أزمة الثقة قبل أن تكون كارثة طبيعية فالمسؤول في بلادنا لا يفرق بين الحديث والاتصال، وإن كان صادقًا ومقتنعًا بما يقول فهو في الغالب يعجز عن الإقناع. ومع أزمة الثقة بين المواطن والمسؤول تزداد الأمور صعوبة حيث يحاول المسؤول جاهدًا بكل ما أوتي من معلومات وقرارات أن يحظى ولو بنسبة ضئيلة من الثقة ولكن بالعكس إذ يعمق عند المواطن شعوره بانعدام الثقة وعدم الفهم فالأولى بالمسؤول والإداري والسياسي أن يضع خطة اتصالية هدفها إعادة الثقة بينه وبين المواطن".

 

اقرأ/ي أيضًا:

الأودية في تونس.. الوجه الآخر لأزمة الفيضانات

صيانة المؤسسات التربوية في تونس: انتفاضة المجتمع المدني وجدل التطوع والمصلحة